٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1096 - الهجرة ، الغاية والهدف من الهجرة - التأكد من صحة أي خبر.


2008-12-19

الخــطــبـة الأولــى :

     الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين أمناء دعوته وقادة ألويته و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

معاني الهجرة :

1 ـ الهجرة حركة:

     أيها الأخوة الكرام، مع خطبة من خطب المناسبات، مناسبة الهجرة، هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ومألوف جداً أن نعدد وقائع الهجرة، وهذا الموضوع يتكرر من ألف وأربعمئة عام، ولكن المغزى من الهجرة أنها أولاً: الهجرة انتقال من مكان إلى مكان أي حركة، الهجرة حركة، والإسلام حركة ليس هناك إسلام سكوني، أي قابع في البيت لا يفعل شيئاً، معجب بهذا الدين العظيم، بهذا الشرع الحكيم، بهذا الخالق جلّ جلاله، لا يقدم ولا يؤخر، ولا يقطع ولا يصل، ولا يعطي ولا يمنع، هذا النموذج، نموذج المسلم السكوني القابع في بيته الذي لا يفعل شيئاً، وينتظر من الله معجزة كي تنقذ المسلمين مما هم فيه، هذا النموذج مرفوض في ذكرى الهجرة، الهجرة انتقال، حركة، الإسلام حركة، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن إلا وتعبر عن ذاتها بحركة، قد تنتقل من مكان إلى مكان، من موقف على موقف، من نوع من الأصدقاء إلى نوع من الأصدقاء، لابدّ من أن تتحرك لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا (72) ﴾

( سورة الأنفال)

الواقع الإسلامي مؤلم جداً :

     ما لم تأخذ موقفاً، ما لم تصل لله، ما لم تقطع لله ما لم ترضَ لله، ما لم تغضب لله، ما لم تعطِ لله، ما لم تمنع لله، ما لم تقل لا بملء فمك لشيء خالف منهج الله، ما لم تقل نعم لشيء تكرهه إذا وافق منهج الله، ما لم تتحرك، ما لم تأخذ موقفاً، فنحن كمسلمين بعيدين بعد الأرض عن السماء عن معنى الهجرة، كفانا احتفالاً، وتذكيراً، وإلقاء كلمات وخطب، هناك حقائق ما لم ننتبه إليها واقعنا لا يتغير، واقع المسلمين لا يحسدون عليه.
     يعني حذاء ضرب به زعيم دولة عظمى، العالم الإسلامي من شدة الضغوط التي ألمت به، من شدة القهر، يعني الإجماع على تأكيد هذا العمل يفوق حدّ الخيال، من كل أطياف المسلمين، من كل ألوانهم، السبب القهر، بلاد محتلة، ثروات منهوبة، شباب يقتلون في خمس دول إسلامية.
     أيها الأخوة، الواقع مؤلم جداً، والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، لكن ما لم نفهم الهجرة على أنها حركة، على أنها موقف، على أنها تجديد لحياتك، لك مجموعة أصدقاء حديثهم لا يرضي الله، من معاني الهجرة أن تدعهم إلى أصدقاء مؤمنين، من معاني الهجرة أن تدع سهرة لا ترضي الله إلى مجلس علم يرضي الله، من علامات الهجرة أن تدع حرفة فيها أذى للمسلمين، ولها دخل فلكي إلى حرفة ترضي الله ورسوله، الهجرة حركة، ما لم تعطِ لله، ما لم تمنع لله، ما لم ترضَ لله، ما لم تغضب لله، ما لم تصل لله، ما لم تقطع لله، فنحن بعيدون بعد الأرض عن السماء عن معنى الهجرة.

2 ـ الإعجاب السلبي بهذا الدين لا قيمة له إطلاقاً:

     أيها الأخوة، شيء آخر هل من مسلم على وجه الأرض في القارات الخمس إلا وهو معجب بهذا الدين، والإعجاب السلبي لا قيمة له إطلاقاً، جميعنا معجبون نثني على هذا الدين العظيم، على نبينا صلى الله عليه وسلم، على هذا القرآن الكريم، أين هو من حياتنا ؟

3 ـ الجهاد:

     أيها الأخوة، ما الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام ؟ بعد أن عرّف أصحابه بالله عز وجل جاء بمنهج، فلما طبقوه فتحوا الأرض، ما الذي يعيقنا عن أن نستعيد ماضينا ؟ هو العمل، أصحاب رسول الله عملوا، ولم يتكلموا، نحن نتكلم ولم نعمل، كما ترون.
     أيها الأخوة الكرام، مثلاً، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

     لو حدثت نفسك بالغزو، لو جهزت غازياً، لو خلفت غازياً في أهل بيته، لو دعوت للغازين في سبيل الله، لو بكيت، هذا موقف، أما لا يعنيك ما يجري حولك، حولك أناس يموتون من الجوع لأنهم مسلمون، حولك أناس تسيل دماءهم لفتن افتعلت في بلادهم.

 

الإيمان من دون عمل ليس له قيمة إطلاقاً :

     أيها الأخوة الكرام، الإيمان عمل، والآية الكريمة التي تكررت مئتي مرة:

﴿ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ﴾

( سورة الفتح الآية: 29 )

     أي الإيمان من دون عمل ليس له قيمة إطلاقاً، تماماً كما لو قلت وأنت فرح الشمس ساطعة، هي ساطعة والذي يقول خلاف ذلك يتهم بعقله، وأنت إذا قلت ساطعة ما فعلت شيئاً، ما قدمت جديداً، لكن لو أن إنساناً مصاباً بمرض جلدي، علاجه الوحيد أن يتعرض لأشعة الشمس، لو قال هي ساطعة، هي نافعة، هي مفيدة، هي رائعة، كلام لا يقدم ولا يؤخر، ما لم تتعرض لأشعة الشمس فإيمانك بأن الشمس ساطعة لا قيمة له والدليل قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ (110) ﴾

(سورة الكهف)

التوحيد أخطر شيء في الدين :

     كأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يلخص القرآن كله:

﴿ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (110) ﴾

(سورة الكهف)

     هذا التوحيد وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

( سورة الأنبياء )

     الله عز وجل أراد أن يلخص القرآن الكريم كله بكلمتين:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (110) ﴾

( سورة الكهف )

     لا يكفي:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

( سورة الكهف 110 )

     وأقول لكم دائماً أيها الأخوة، أنت كإنسان مجبول على حبّ وجودك، وعلى حبّ سلامة وجودك، وعلى حبّ كمال وجودك، وعلى حبّ استمرار وجودك، سلامة وجودك بطاعة الله، وكمال وجودك بالعمل الصالح، واستمرار وجودك بتربية أولادك.

 

أنواع الجهاد :

1 ـ جهاد النفس و الهوى:

     أيها الأخوة، الجهاد كلمة رنانة يترنم بها المسلمون، وحينما نلفظ كلمة الجهاد يقفز إلى الذهن فجأة الجهاد القتالي، أيها الأخوة، صدقوا قبل الجهاد القتالي هناك أنواع من الجهاد، جهاد النفس والهوى كما قال بعض الصحابة: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى، هذا جهاد بينك وبين الله:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

( سورة العنكبوت الآية: 69 )

     حينما تضبط دخلك أنت مجاهد، حينما تعف عن مال حرام أنت مجاهد، حينما تغض البصر عن امرأة لا تحل لك أنت مجاهد، حينما ترضى بدخل قليل حلال وتركل بقدمك دخلاً كبيراً حراماً أنت مجاهد، هذا جهاد النفس والهوى، هذا هو التعليم الأساسي، لا يعقل أن تقدم طلباً لأداء امتحان الشهادة الثانوية ولا تحمل إعدادية ولا ابتدائية مستحيل، التعليم الأساسي جهاد النفس والهوى.

2 ـ الجهاد الدعوي:

     بعد جهاد النفس والهوى الجهاد الدعوي، قال تعالى:

﴿ وجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾

( سورة الفرقان )

     أن تعرف الله، أن تفهم القرآن أو أن تعلم القرآن، هذا جهاد وسماه الله جهاداً كبيراً، الجهاد النفسي، قبل الجهاد القتالي، والجهاد الدعوي قبل الجهاد القتالي.

3 ـ الجهاد البنائي:

     والجهاد البنائي:

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

     أنا اطلعت على إحصاء دقيق جداً، يعمل المواطن في بعض البلاد النامية سبع وعشرين دقيقة في اليوم عملاً مركزاً، والبلاد القوية يعمل أفرادها ثماني ساعات، أنا لا أصدق بالمعايير الاقتصادية أن أمة يعمل أفرادها سبع وعشرين دقيقة ينتصرون على أمة يعمل أفرادها ثماني ساعات، هذا جهاد بنائي، تطوير العمل، تحسين الدخل، إتقان الصناعة، حلّ مشكلاتنا البيئية، مشكلات السكن، تزويج الشباب، هناك مشكلة كبيرة أيها الأخوة، نحن أمة الوحيين، رائع، معنا وحي السماء رائع، ولكن عندنا نسب بطالة عالية جداً، نسب فقر عالية جداً، نسب أمية عالية جداً، نسب عنوسة عالية جداً، نحن على رأس قائمة المستوردين وفي أسفل قائمة المصدرين، بأسنا بيننا، سلمنا لأعدائنا، هذه تمنع الناس عن فهم ديننا، لذلك قال بعضهم كلمة رائعة: الإسلام محجوب عن العالم بالمسلمين، تماماً كما لو رأيت إنساناً من دين أرضي بوذي مثلاً، جالس على طرف الطريق شبه عارٍ، قميء، قذر، أظافره طويلة، يتسول، هل تفكر في لحظة في حياتك أن تقرأ كتاباً عن البوذية ؟ هذا الإنسان حجبك عن دينه، والمسلم المقصر حجب عن دينه، الذي لا يؤدي عمله صحيحاً حجب عن دينه، حجب عن إسلامه، الإسلام محجوب بالمسلمين، هذا الجهاد الثالث جهاد بنائي، أتقن عملك، حل مشكلة من حولك، هيئ فرصاً صحيحة.

4 ـ الجهاد القتالي:

     لذلك المجتمعات التي توصف بالمتفوقة فيها تكافؤ فرص، فيها عدالة، فيها نظام، فيها حرية، هذه كلها من عوامل القوة، فإذا نجحنا في الجهاد النفسي، وفي الجهاد الدعوي، وفي الجهاد البنائي، الآن اسمعوا هذه الكلمة ينتظر أن ننجح في الجهاد القتالي، هذا متى يأتي ؟ بعد الجهاد النفسي، جهاد دعوي، جهاد بنائي، بعدئذ يأتي الجهاد القتالي.

 

المعاصي و الآثام تبعد الإنسان عن النصر :

     الهجرة حركة، ما لم تضع برنامج عمل جديد، ما لم تضع برنامج لحياتك مبني على منهج الله، ما لم تصل لله، ما لم تقطع لله، ما لم ترضَ لله، ما لم تمنع لله، ما لم تختر زوجة صالحة مؤمنة، لا تؤخذ بجمال المرأة المتفلتة، ما لم تختر حرفة شريفة ترقى بها عند الله، ما لم تختر صديقاً مؤمناً صالحاً ينصحك وتنصحه، الإسلام حركة، أما المسلم يفعل ما يشاء، يعطي نفسه كل ما يشتهي، ويتمنى على الله أن ينصرنا، شيء مضحك، صحابة رسول الله في أحد عصوا أمر النبي عليه الصلاة والسلام فلم ينتصروا وفيهم رسول الله، وقال بعض كتاب السيرة: لو أنهم انتصروا لسقطت طاعة رسول الله، وفي حنين وقعوا في شرك خفي:

(( لن نغلب من قلة ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عباس ]

     وفيهم رسول الله لم ينتصروا، ولو انتصروا لسقط التوحيد، فإذا كان هناك معاصٍ لا تعد ولا تحصى وشرك لا يعد ولا يحصى أنى لنا أن ننتصر.

 

مادامت سنة النبي الكريم مطبقة في حياتنا فنحن في مأمن من عذاب الله تعالى :

     أيها الأخوة، إذا كان من معنىً دقيق للهجرة هو أن نطبق منهج رسول الله:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (33) ﴾

( سورة الأنفال)

     ما دامت سنته مطبقة في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله، هذا الكلام أقوله لكم على مستوى الأمة، وعلى مستوى الفرد، يعني لو أن شخصاً قال: أنا ما بيدي شيء، أنصح الناس ولا ينصاعون لي، ماذا أفعل ؟ لك معاملة خاصة:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾

( سورة الأنبياء)

(( يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده ؟ قلت الله ورسوله أعلم ـ سأله مرة ثانية وثالثة ـ قال حقه عليهم أن يعبدوه ))

     اسمعوا أيها الشباب، فلما سأله النبي عليه الصلاة والسلام :

(( ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك ؟ قلت: الله ورسوله أعلم ـ هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى ـ قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم ))

[ البخاري عن معاذ ]

     أنشأ الله لنا حقاً عليه:

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

( سورة هود الآية: 112 )

     استقم ولا تحصي الخيرات.

 

الاستقامة سبيل الإنسان للنصر :

     جاء في بعض الأحاديث الصحيحة:

(( استقيموا، ولن تحصوا ))

[ ابن ماجه عن ثوبان]

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾

( سورة الطلاق )

     أنا أخاطب كل إنسان أمامه مشكلة، عنده عقبة، عقبة زواج، عقبة بيت، عقبة عمل، هناك شخص يناصبه العداء:

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾

( سورة الطلاق )

(( استقيموا، ولن تحصوا ))

[ ابن ماجه عن ثوبان]

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

( سورة هود الآية: 112 )

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) ﴾

( سورة الزمر )

4 ـ من معاني الهجرة أيضاً أن تدع المعصية:

     أيها الأخوة الكرام، لذلك من معاني الهجرة أن نجاهد جهاداً نفسياً، وجهاداً دعوياً، وجهاداً بنائياً، وجهاداً قتالياً، هذا من معاني الهجرة، أول معنى حركة، المعنى الثاني الإعجاب السلبي لا قيمة له في الإسلام إطلاقاً، المعنى الثالث الجهاد بمعانيه المتعددة، هل تصدق أن هناك معنى سلبياً بسيطاً جداً:

(( المسلمُ من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده ))

[ أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر]

((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ))

[ أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر]

     من معاني الهجرة أن تدع المعصية، أن تدع صديق سوء، أن تدع مالاً حراماً، أن تدع حرفة مشبوهة، أن تدع علاقة لا ترضي الله:

((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ))

[ أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر]

فأنت مهاجر.

 

العبادة في الفتن كهجرة إلى النبي عليه الصلاة والسلام :

     أيها الأخوة الكرام، ولا تنسوا:

(( عبادة في الهرج كهجرة إلي ))

[ مسلم عن معقل بن يسار ]

     العبادة في الفتن نساء كاسيات عاريات يملأن الشوارع والطرقات، كاسيات ترتدي ثياباً لكنها ثياب فاضحة كأنها عارية، إما ضيقة أو شفافة:

(( عبادة في الهرج كهجرة إلي ))

[ مسلم عن معقل بن يسار ]

     اشتقت لأحبابي، قالوا: أو لسنا أحبابك ؟ قال: لا، أنتم أصحابي، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر، أجرهم كأجر سبعين، قالوا: منا أم منهم ؟ قال: بل منكم، قالوا: و لمَ ؟ لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون.
     أيها الشاب لا تنسى أنك إذا استقمت على أمر الله في الزمن الصعب في زمن الفتن، أين ما تحركت تجد المعصية على قارعة الطريق، في المجلة، في الجريدة، في الانترنيت، في الفضائية، في الطريق، في الأسواق:

(( عبادة في الهرج كهجرة إلي ))

[ مسلم عن معقل بن يسار ]

باب الهجرة مفتوح على مصراعيه :

     أيها الأخوة، شيء آخر هو أن باب الهجرة مفتوح على مصارعه، أولاً قبل أن أقول هذا الكلام باب الهجرة من مكة إلى المدينة أغلق بعد الفتح لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لا هجرة بعد الفتح ))

[ البخاري و مسلم عن ابن عباس]

     ولكن الهجرة مفتوحة أبوابها على مصراعيه إلى يوم القيامة، بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة، يعني بلدة لا تستطيع أن تقيم شرع الله فيها لكن الدخل فلكي، والفتن على قارعة الطريق، مصير أولادك مجهول في الأعمّ الأغلب، معظمهم سينحرفون، يجب أن تهاجر من هذه البلاد الغنية ذات الدخل الكبير إلى بلاد يعاني منها شعبها ما يعاني ولكن تضمن فيه دين أولادك.

 

من ضعفت نفسه أمام الفتن أو مُنع من عبادة الله فعليه الهجرة فوراً :

     أيها الأخوة الكرام، دققوا في هذه الآيات قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ (97) ﴾

( سورة النساء )

     قال بعض العلماء: معنى مستضعف، أنه ضعفت نفسه أمام الفتن عن أن يستقيم على أمر الله، ومعنى آخر قهر منع من أن يعبد الله ، إما معنى قمعي أو معنى إغرائي:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ (97) ﴾

( سورة النساء )

     كنت مرة في لوس أنجلوس كان في مؤتمر إسلامي كبير ألقيت كلمة، ولما انتهت كلمتي اقتربت مني امرأة محجبة، قالت لي: أنا أخت فلان (فلان صديقي في الشام) ، فإذا هي تنفجر بالبكاء، قلت: خير إن شاء الله ؟ قالت: ابنتي راقصة و ابني ملحد، يوجد ثمن باهظ.

 

من أراد إنفاذ أمر فعليه تدبر عاقبته :

     والله أيها الأخوة، أعرف أناساً لا يقبل أولادهم أن يعودوا إلى بلدهم الأم أبداً ولا زيارة، أمم متخلفة، عندما ينسلخ الشاب من دينه، من أمته، من قرآنه، من نبيه، لا خير فيه، لذلك إذا أردت إنفاذ أمر تدبر عاقبته، والله عندما ألتقي مع أخوة أقاموا إقامة دائمة في بلاد الغرب، وأسألهم عن أولادهم، كأنك طعنتهم بخنجر، مرة كنت في مؤتمر قام أحد العلماء وقال: إن لم تضمن أن يكون ابن ابن ابنك مسلماً فلا ينبغي أن تبقى في هذه البلاد، ثمّ عقد مؤتمر للأطباء في دمشق، والمؤتمرون جميعاً من أمريكا، أحدهم زوج ابنته وأجرى عقد قران ودعاني لحضوره، ألقيت فيه كلمة ذكرت هذه المقولة التي قالها بعض العلماء، فبعد أن انتهيت من إلقاء كلمتي، وانتهى الحفل، تقدم أحد الأطباء ودمعة على خده قال لي: ابن ابن ابني ؟ قلت له: نعم، قال: أنا ابني غير مسلم.

على الإنسان أن يبحث عن مكان يعبد الله فيه و يقيم شعائره و يربي أولاده :

     فهناك مشكلة أيها الأخوة الكرام:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ (97) ﴾

( سورة النساء )

     يعني المعاصي على قارعة الطريق، يمكن أن يقع الإنسان في الفاحشة بأقل ثمن، بأهون سبب:

﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا (97) ﴾

( سورة النساء )

     هذه الهجرة من بلد فيه الدخل كبير فلكي، بلاد جميلة آمنة إلى بلد نامٍ فيه متاعب، أزمة سكن على أزمة عمل على، هكذا البلاد النامية:

﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) ﴾

( سورة النساء )

     هل نقوى على تحمل هذه الآية ؟

﴿ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) ﴾

( سورة النساء )

     ينبغي أن تبحث عن مكان تعبد الله فيه، ينبغي أن تبحث عن مكان تقيم شعائر الله فيه، ينبغي أن تبحث عن مكان تستطيع أن تربي أولادك فيه.

 

على الإنسان أن يأخذ بالأسباب و كأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء :

    أيها الأخوة، شيء آخر النبي حينما هاجر سؤال كيف انتقل من مكة المكرمة إلى الأقصى ؟ بلمح البصر، وبعدها إلى السماء، أليس الله قادراً أن ينقله نقلة سريعة كما نقله إلى المسجد الأقصى بلمح البصر ؟ لماذا ذهب مساحلاً وأقام في غار ثور أياماً ثلاثة ؟ هيأ من يأتيه بالزاد، هيأ من يمحو الآثار، هيأ من يأتي له بالأخبار، اختار دليلاً رجح فيه الخبرة على الولاء، لما كل هذه الأسباب ؟ يعلمنا أن نأخذ بالأسباب كأنها كل شيء ثم نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا درس، هو سيد الخلق وحبيب الحق، أول إنسان في الأرض يستحق النصر ومع ذلك أخذ بالأسباب، لو سألت المسلمين اليوم ماذا فعلت من أجل أن تنتصر ؟ لا شيء، لا يوجد حركة إطلاقاً فقط انتظار معجزة، شيء مضحك، لابدّ من أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
     أيها الأخوة الكرام، هذه بعض معاني الهجرة، الهجرة لا تحتاج لا إلى إلقاء كلمات، ولا إلى احتفالات، ولا إلى زينة، لا يوجد مانع لو زينت، لو احتفلت، لا يوجد مانع لكن لا تحتاج إلى كل هذا، تحتاج إلى تطبيق منهج رسول الله:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (33) ﴾

( سورة الأنفال)

     أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *

الخــطــبـة الثانية :

     الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى صحابته الغر الميامين، و على آل بيته الطيبين الطاهرين.

على الإنسان ألا ينقل أي خبر يصله دون تدقيق و تمحيص :

     أيها الأخوة الكرام، وصل إلى علمي أنه من حين لآخر نفاجأ برسالة في البريد الإلكتروني، أنهم اكتشفوا جهازاً ينقل ذبذبات النبات، فلما استطاعوا تحويل هذه الذبذبات إلى كلمات، الكلمة على الشاشة كانت الله أكبر، تعجلتم مثلي، هذه فرية وضعها ملحد ليضحك على المسلمين، والله من حين لآخر تقريباً بالأسبوعين، بالشهر، يظهر على قلب إنسان كلمة الله، أو على خلية نحل كلمة الله، أو غابة لا إله إلا الله، والله كل هذا ليس له أثر، بيل غيت أسلم وأنت كمسلم عندك نية طيبة من فرحك لهذا الخبر تنقله، لما ينتشر انتشاراً كبيراً يأتي نقض الخبر تقع بإحباط شديد، أرجوكم لا تستعجلوا بنقل أي شيء يصلكم من دون تدقيق، من دون تمحيص، أنا أعرف دعاة والله كبار تورطوا فقالوا بيل غيت أسلم، لم يسلم إطلاقاً، إحباط، يعطيك خبراً ساراً، في إنجاز ثم يظهر هذا الخبر غير صحيح، إحباط مع إحباط يساوي إحباط مستمر، إسلامنا لا يحتاج إلى هذه الإنجازات إطلاقاً.
     أذكر عالماً من علماء دمشق سافر إلى أمريكا، والتقى مع إنسان من هذه البلاد أسلم حديثاً، ودار بينهما موضوع عن مضار لحم الخنزير، وهذا العالم الدمشقي أفاض ساعة أو أكثر في الحديث عن مضار لحم الخنزير، وعن الدودة الشريطية وعن وعن، فما كان من هذا الذي أسلم حديثاً إلا أن قال له: كان يكفيك أن تقول لي: إن الله حرمه.

علة أي أمر أنه أمر إلهي :

     علة أي أمر أنه أمر إلهي، فما أريد أن أنكر شيئاً علمياً، العلم ضروري لكن لا تعتقد كل شيء تسمعه، بالذبذبات، بالتصوير الإلكتروني، ظهرت قضية توافق آية، هذا الشخص الذي أرسل لي البريد، الذي سطر هذا التقرير ملحد، يضعه في موقع إسلامي ينتشر بعد شهرين ثلاثة يكون نقل إلى خمسمئة ألف إنسان يظهر بموقع بأن هذا كذب، هو الذي عمله.
     قبل فترة، إنسانة داست على القرآن مسخت إلى قرد، عرضوها صورة مؤثرة جداً، تبين أن الذي روج القصة على الكومبيوتر أحضر رأس امرأة وشكل قرد، قصة مفتعلة، يضحكون علينا، نحن معنا القرآن الكريم ، معنا السنة المطهرة، لا نحتاج إلى هذه الصرعات سوف أسميها الآن، أنا لست ضد العلم، أخاف أن تكون القضية مفتعلة، إن لم يكن عندك قدرة لتناقشها لا تروج، اسأل قبل أن تروج، هذه نصيحة أسديها لكم لأن الموضوع الذي اطلعت عليه فيه عشرة أمثلة كلها دقيقة جداً، كلها من هذا القبيل، الذين روجوها ليسوا مسلمين أصلاً بل ملحدين، لكن من أجل أن يستهزؤوا بنا.

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018