بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الصلاة - الدرس : 19 - سقوط الصلاة (والصيام)


1985-11-17

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

إسقاط الصلاة والصوم :

 أيها الأخوة المؤمنون، موضوع الفقه اليوم: "إسقاط الصلاة والصوم"، إذا مات المريض ولم يقدر على الصلاة بالإيماء تسقط عنه، فليست هناك فترة عفي فيها إلا أنه مرض وانتهى، ومرضه بالموت، وفي مرضه لم يقدر على الصلاة بالإيماء، وفي هذه الحالة تسقط عنه الصلاة، ولا يلزمه الإيفاء بها وإن قلت، وكذلك الصوم إن أفطر فيه المسافر ومات في سفره، أو أفطر المريض ومات قبل الإقامة، ومات قبل الصحة، لا يلزمه شيء فيسقط عنه الصيام، وتسقط عنه الصلاة، لكن ورد في النص الثابت عن الصوم من أفطر بعذر فالفدية تسقطه، قال تعالى:

﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 184]

 وبعض العلماء وجه هذه الآية إلى أن الذي يستطيع أن يصوم ولكنه مسافر له أن يفطر ويستطيع أن يصوم في سفره، و المريض له أن يفطر ويستطيع الصيام في أثناء المرض، فهذا إذا أفطر أفطر بعذر، ولكن قد يكون هذا العذر غير مقبول أمام نفسه، فعليه الفدية، فقال بعض العلماء: إن الصيام بنص القرآن الكريم يسقط بالفدية، ولكن لم يرد في الصلاة نص يشبه ذلك، إلا أن السادة الأحناف قاسوا الصلاة على الصيام، ولكن السادة الشافعية قالوا: لا، فالصلاة لا يمكن أن تسقط بالفدية، ولو فرضنا إنساناً ما صلى وكان معذوراً عليه أن يدفع مقابل كل صلاة مد قمح فالشافعية لم ترضَ بهذا، فمن مات وعليه صلوات لا يكفي في إسقاطها الإطعام لحديث أنس:

((مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ  قَالَ مُوسَى قَالَ هَمَّامٌ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ وَأَقِمِ الصَّلاةَ للذِّكْرَى))

[مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 قضاؤها هو كفارتها، نتابع الموضوع، الآن لو فرضنا أن إنساناً صام في رمضان ثم مرض فعليه قضاء الأيام التي أفطر فيها خلال مرضه، ثم شفي من هذا المرض ولم يقض ما عليه و مات الآن وليه عليه أن يخرج من ميراثه إطعام مسكين عن كل يوم أفطره خلال المرض ولم يؤده في أثناء الصحة، وهذا النوع من الكفارة يسقط ما على هذا المريض الذي شفي من مرضه ولم يصم في أثناء الصحة. والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

((لا يصلين أحد عن أحد، ولا يصومن أحد عن أحد))

[رواه عبد الرزاق في " مصنفه - في كتاب الوصايا " عن ابن عمر]

 فإنسان معه قرحة في المعدة وصفنا له دواء فقال له أخوه: أنت متعب سوف آخذ الدواء عنك، هذا مستحيل، وسوف ننتقل في درس قادم إلى باب قضاء الفوائت.

 

* * *

العلم و العمل طريقا الوصول إلى الله عز وجل :

 من كتاب إحياء علوم الدين انتقلنا إلى الجزء الثاني بعد أن تمت بعض الفصول المختارة بفضل الله عز وجل وتوفيقه، وها نحن أولاء ننتقل إلى الجزء الثاني، والشيء الذي يثلج الصدر أن الجزء الثاني كله متعلق بالآداب، فهناك مقدمة في موضوع الآداب، و أول هذه الآداب آداب الطعام والشراب، وآداب النكاح، وآداب الفقه فقه المعيشة، وآداب الاختلاط، وآداب الاعتزال، وموضوعات ثمينة جداً، من منا لا يأكل في اليوم ثلاث مرات؟ إذا عرف هذا الموضوع طبقه من توه، المقدمة التي أردت أن أذكرها لكم كلمة كلمة.
 يقول الإمام الغزالي: أما بعد فإن قصد ذوو الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب - هذا الهدف الأكبر أن تلتقي بالله تعالى في دار الثواب ووجهك أبيض وعملك طيب - ولا طريقة إلى الوصول للقاء الله إلا بالعلم والعمل، وحضور هذا المجلس هو العلم والتطبيق في البيت هو العمل، ولا تمكن المواظبة على العلم والعمل إلا بسلامة البدن، تسلسل منطقي، هل تستطيع حضور هذا المجلس وأنت مريض؟ وهل تستطيع مباشرة هذه الآداب وهذه الأوامر وأنت مريض؟ مستحيل، ولا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوال، والتناول منها بقدر الحاجة على تكرر الأوقات، فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين: الأكل من الدين، أي العناية بهذا الجسد إطعامه، وتأمين حاجته، فهذا من الدين، لأن هذا الجسد مطيتك إلى الله، و إلى الجنة، ووسيلتك للعمل الصالح، وعليه نبه رب العالمين بقوله وهو أصدق القائلين:

﴿ يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة المؤمنون : 51 ]

 أمر إلهي، أما الدقة البالغة الآن: فمن يقدم على الأكل ليستعين به على العلم والعمل ويقوى به على التقوى فهذا هو من الدين، فلا ينبغي له أن يترك نفسه هملاً سدى، يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المرعى، فإنما هو ذريعة إلى الدين، ووسيلة إليه، ينبغي له أن تظهر أنوار الدين عليه، مادام الطعام والشراب كما قال بعض السلف الصالح من الدين، وسيلة الرجل إلى العلم والعمل فينبغي له أن تظهر أنوار الدين عليه.

التزام الإنسان بسنن الطعم و الشراب مدفعة للوزر ومجلبة للخير وللأجر :

 ما هي أنوار الدين على الطعام والشراب؟ الآن تأتي التفصيلات، وإنما أنوار الدين وآدابه وسننه، فإذا كان الإنسان يأكل ليتقوى على طاعة الله عز وجل، حتى يتقوى على العلم والعمل اللذين بهما يلقى الله عز وجل في الجنة ينبغي أن تظهر أنوار الدين عليه، وأنوار الدين آدابه، و عندنا طائفة كبيرة جداً من الأحاديث الشريفة والسنن النبوية الطيبة متعلقة بالطعام والشراب بالذات، فما هذه السنن؟ العبد يجب أن يلتزم بها وأن يلتزم بلجامها حتى يتزن بميزان الشرع فيصبح بسببها مدفعةً للوزر، ومجلبةً للخير وللأجر، طبعاً كل هذا الكلام مأخوذ من قوله عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: عَجِبْتُ لِلْمُسْلِمِ إِذَا أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَ، وَإِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ احْتَسَبَ وَصَبَرَ، الْمُسْلِمُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِيهِ))

[ أحمد عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ]

 تقول: فم، فوه بالرفع، وفيهِ بالكسر، وفاهُ بالنصب، تقول: لا فض الله فاكَ، ولا فُض فوكَ، ووضعه في فيه أي في فمه. وإنما ذلك إذ رفعها بالدين وإلى الدين مراعياً فيها آدابه ووظائفه.
 هذه المقدمة يعني الطعام والشراب إذا كان وفق آداب الإسلام صار عملاً صالحاً ومن الدين، وإذا خالفت آداب الطعام والشراب صار الطعام والشراب هدفاً لذاته وصار ليس للدين بل للدنيا، وصار استمتاعاً بالطعام والشراب، ويأكل هذا الكافر كما تأكل البهيمة، وهكذا قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 12 ]

الآداب الواجب اتباعها قبل الطعام :

1 ـ أن يكون الطعام حلالاً :

 والآن يوجد ثلاثة آداب، آداب قبل الطعام، وآداب أثناء الطعام، وآداب بعده، فأما الآداب التي قبل الطعام فسبعة.
 الأول: أن يكون الطعام حلالاً، التأدب في لحم الخنزير ليس وارداً، أو اللحم المذبوح ذبحاً غير شرعي، أو لحم دمه فيه، والدم من المحرمات إذ يجب أن يكون الطعام حلالاً، وربنا عز وجل قال:

﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾

[ سورة البقرة: 168 ]

الحلال و الطيب :

 ما الفرق بين الحلال والطيب؟ العلماء بينوا الفرق، الحلال ما كان حلالاً في ذاته، والطيب ما كان الوصول إليه من طريق مشروع، فالتفاح حلال أكله، أما أن تأكل تفاحةً اغتصاباً أو سرقةً هذه حلال وليست طيباً، فالحلال الطيب أن يكون الطعام ذاته مباحاً أكله سمح به الشرع، والطيب أن يكون طريق وصول هذا الطعام إليه من طريق مشروع، فكل ما أخذ بسيف الحياء حرام، ولذلك أنا أقول دائماً: هذه التفاحة خلقها الله لك، وطريق وصولها إليك باختيارك، هي لك قد تصل إليك شراءً بمال حلال، وقد تصل إليك هديةً، وقد تأكلها ضيافةً، وقد تأخذها غصباً، وقد يسرقها بعض الناس، وقد يأخذها بعض الناس تسولاً، كل هذه طرق، وهذه الطرق اختيار الإنسان أما هي فلك، فلذلك أول أدب من آداب الطعام أن يكون الطعام حلالاً، أي مباحاً أكله كالليمون، أما طيباً فأن يكون طريق وصوله إليك من طريق مشروع موافق للسنة، والورع لم يغتصب بسبب مكروه في الشرع، و الآن يوجد مكاسب للرزق محرمة والإمام الغزالي رضي الله عنه يقول: يجب أن تكون هذه الأطعمة قد وصلت إليك من طريق مكروه، أي حلفت يميناً كاذبة وبعت هذه البيعة وربحت ثمانين ليرة فاشتريت بها فاكهة ولحماً وطعاماً فهذه اليمين كاذبة، واليمين كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ))

[مسلم عَنِ ابْنِ شِهَابٍ]

 ومن أكل لقمةً واحدة من حرام لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، الشطيرة كم لقمة؟ إذا الإنسان أخذ مبلغاً يطعمه خمسين سنة بالحرام فهذا المبلغ ما وضعه؟

المداهنة و المداراة :

 إذاً يجب ألا يكون كسب هذا الطعام من طريق مكروه بالشرع، ولا بحكم هوى، ولا مداهنة في الدين، أحياناً الإنسان يداهن، فما المداهنة؟ المداهنة يوجد شيئان قوله تعالى:

﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾

[ سورة القلم : 9 ]

 والمداراة، قال عليه الصلاة والسلام: "بعثت لمداراة الناس".
 المداهنة محرمة، أما المداراة فمستحبة، ما هي المداراة؟ بذل الدنيا من أجل الدين، أي ساعدت صديقاً لك مساعدة ثمينة أحبك فجاء معك إلى المسجد فجاريته، بعته بيعة وما ربحت منه شيئاً استجلبت قلبه، خدمته خدمة كبيرة، وعلمته شيئاً يجهله.
 حدثني أخ عنده محل حلويات، جاءه شخص من مكان بعيد قال له: علمني هذه المصلحة؟ قال له: نعم، قال لي: من ثلاثين سنة يأتي كل سنة أقرب لي من أخي من المودة، فتح محلاً في آخر الدنيا واشتغل، فالمداراة بذل الدنيا من أجل الدين، أما المداهنة فبذل الدين من أجل الدنيا، أي لك شريك وله مخالفات شرعية ويوجد منه ربح جيد فغضضت البصر عن هذه المخالفات، وعن الشبهات في كسب المال بغية الربح، فضيعت شيئاً من دينك من أجل الربح، هذه هي المداهنة، ولذلك ليس من شيمة المؤمن المداهنة بل من شيمته المداراة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: " بعثت لمداراة الناس "
 إذاً يجب ألا يكون كسب هذا الطعام من طريق مكروه في الشرع، ولا بحكم هوىً أو مداهنة في دين، وسيأتي هذا في التفصيل في موضوع آداب الكسب والمعاش، وقد أمر الله تعالى بأكل الطيب وهو الحلال، وقدم النهي عن الأكل بالباطل على القتل، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة: 188 ]

 نهانا عن أكل الطعام بالباطل، وحثنا على أكل الطعام الطيب الحلال،

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

 ثم قال:

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾

 أول أدب واضح جداً أن يكون الطعام حلالاً طيباً، الحلال ذاته، والطيب طريقه واضحة.

2 ـ غسل اليد :

 والآن الأدب الثاني: غسل اليد، قال عليه الصلاة والسلام:

(( الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم ))

[ مسند الشهاب عن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده]

 أي بركة الطعام، و في حديث آخر:

((بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ))

[الترمذي عن عن سلمان رضي الله عنه ]

 والعلماء قالوا: الوضوء هذا وضوء الطعام أي غسل اليدين فقط والفم، والإنسان أثناء عمله صافح إنساناً، أو مسك حذاءه، أو أمسك حاجة فيها جراثيم، أو هبت عاصفة شديدة وهناك غبار دخل إلى فمه، فغسل فمه وغسل يديه من الآداب قبل الطعام. قال: لأن اليد لا تخلو عن لوث في تعاطي الأعمال فغسلها أقرب إلى النظافة والنزاهة، ولأن الأكل بقصد الاستعانة على الدين عبادة فهو جدير بأن يقدم عليه ما يجري منه مجرى الطهارة من الصلاة، ومادام الطعام للمؤمن عبادة، والصلاة يسبقها وضوء، كذلك الطعام فيه وضوء وهو غسل اليدين والفم قبل الطعام.

3 ـ أن يوضع الطعام على الأرض :

 والأدب الثالث أن يوضع الطعام على الأرض، لكن هنا الإمام الغزالي ملخص الصفحة الطويلة قال: هناك بدع وهناك سنن، فالبدعة التي لا تلغي سنة ليست مكروهة، فإذا الإنسان ألِف أن يأكل هو وأولاده على الطاولة ويوجد كراسي ليست هذه بدعةً مكروهةً، فالنبي الكريم في عصره كانت الأرض هي أساس الحياة، فكان يأكل على الأرض كما يأكل العبد، يوجد وصف دقيق لطعامه وشرابه، ولكن حتى لا يكون هناك حرج فهنا توضيح طفيف، إذا كان هناك بدعة تلغي سنة فهي مكروهة باطلة، و لكن هناك بدع لا تلغي السنة ولا شيء عليها، مثلاً رسول الله كان يشعل سراجاً، فنسمي الآن الضوء بدعة؟ لا ليس بدعة لأنه ما غير شيئاً بمعايير الدين، وليس كل شيء ظهر جديداً يسمى بدعة.

4 ـ أن يحسن الجلسة على المائدة في أول جلوسه ويستديمها :

 والآن أن يحسن الجلسة على المائدة في أول جلوسه ويستديمها، يوجد جلسات لا تليق قال عليه الصلاة والسلام:

((أما أنا فلا آكل متكئاً))

[ البخاري عن أبي حجيفة]

 الاتكاء فيه كبر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما جثا للأكل على ركبتيه، وربما جلس على ظهر قدميه، وربما نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى، وكان يقول:

((أما أنا فلا آكل متكئاً))

[ البخاري عن أبي حجيفة]

(( إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد))

[ أحمد عن عطاء بن أبي رباح]

 والشرب متكئاً مكروه أيضاً ويكره الأكل نائماً ومتكئاً إلا لضرورة.

5 ـ أن ينوي بأكله التقوي على طاعة الله ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل :

 الأدب الخامس: أن ينوي بأكله أن يتقوى على طاعة الله تعالى ليكون مطيعاً بالأكل، ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل، قال إبراهيم بن شيبان: "منذ ثمانين سنةً ما أكلت شيئاً بشهوتي"، قال: "ويعزم مع ذلك على تقليل الأكل فإنه إذا أكل لأجل قوة العبادة لم تصدق نيته إلا لأكله دون الشبع"، أي أنت قل ما شئت، قل أنا نويت التقوي على طاعة الله بهذا الطعام، إذا أكلت دون الحد النبوي فهذا الفعل يتناقض مع هذه النية، لأن العبادة تحتاج إلى خفة، اللقمة تذهب الفطنة:

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾

[ سورة النساء: 142 ]

 الخير كله مجموع في خزائن الجوع.

من كانت نيته صادقة في التقوي على طاعة الله فيجب أن يأكل دون الشبع :

 إذاً الإمام الغزالي يبين مقياساً دقيقاً أنه إذا شئت من هذا الطعام التقوي على طاعة الله كُلْ ما شئت، لكنك إذا أكلت أكثر مما ينبغي لك وفوق السنة المطهرة فإن أكلك هذا ينفي نيتك تلك، فإن الشبع يمنع من العبادة ولا يقوي عليها، فمن ضرورة هذه النية كسر الشهوة، وإيثار القناعة على الاتساع، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ مِقْدَامِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا مَلأ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ))

[الترمذي عَنْ مِقْدَامِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ]

 ومن ضرورة هذه النية، أول شيء إذا كانت النية صادقة من أجل التقوي على طاعة الله يجب أن تأكل دون الشبع، فالسيدة عائشة تقول: "أول بدعة ابتدعها المسلمون بعد وفاة رسول الله الشبع"، وأول مخالفة للسنة بعد وفاته كانت الشبع، فمن أكل حتى الشبع فقد نقض نيته التي بدأها في أول الطعام وهي التقوي على طاعة الله، وطبعاً الحديث معروف ويعده العلماء قمة الطب الوقائي: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع".
 وإنه من الإسراف أن تأكل كلّ ما اشتهيت:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنَ السَّرَفِ أَنْ تَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْتَ ))

[ ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

من كانت نيته صادقة في التقوي على طاعة الله فيجب ألا يمد يده إلى الطعام إلا وهو جائع

 ومن ضرورة هذه النية ومما يؤكدها ألا تمد يدك إلى الطعام إلا وأنت جائع، و قد قيل: " نعم الإدام الجوع".
 أطيب طعام أن تكون جائعاً، فيكون الجوع أساساً لصدق النية، ثم ينبغي أن يرفع اليد قبل الشبع، ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب، هذا هو الطب الوقائي ألا يأكل حتى يجوع وإذا أكل لا يشبع، وفي ألمانيا مستشفى مكتوب عليها هذا الحديث: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع" محمد بن عبد الله.
 قالوا: الطب الوقائي كله في هذه الحكمة، أي في هذا الحديث، ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب، وسيأتي في فصول قادمة ممتعة عن فائدة قلة الأكل، والغزالي لخصها في كلمة: "الخير كله مجموع في خزائن الجوع، وطريقة التدريج في التقليل منه" وهناك كتاب "كسر شهوة الطعام من الأربعة المهلكات".

6 ـ أن يرضى بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام :

 الأدب السادس: أن يرضى بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام، ولا يجتهد بالتنعم وطلب الزيادة وانتظار الإدام، بل من كرامة الخبز ألا ينتظر الإنسان به الإدام، فالخبز إدام، وقد ورد الأمر بإكرام الخبز، قال عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ ))

[ متفق عليه عَنْ أَنَسٍ]

 وكان ابن عمر رضي الله عنهما ربما سمع قراءة الإمام ولا يقوم من عشائه، ومهما كانت النفس لا تتوق إلى الطعام ولم يكن في تأخير الطعام ضرر فالأولى تقديم الصلاة، أما إذا حضر الطعام فالأولى تقديم الطعام، دخلوا طبعاً في متسع كبير من الوقت والطعام حضر، والعلماء أجمعوا على أن الأكل أولى من الصلاة، لأنه يحصل انشغال بالطعام، فإذا الطعام خارج الغرفة فالصلاة أولى، حان وقت العشاء وقد استعدوا للعشاء نبدأ بالعشاء ولكن أدخلوا الطعام نبدأ بالعَشاء ثم العِشاء.

7 ـ أن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده :

 الأدب السابع أن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده، قال عليه الصلاة والسلام:

((حَدَّثَنَا وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبِ بْنِ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَحْشِيٍّ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَأْكُلُ وَلا نَشْبَعُ قَالَ فَلَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ ))

[ أحمد وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبِ]

 و:

((كان عليه الصلاة والسلام لا يأكل وحده أبداً))

[ الخرائطي عن أنس]

 وكان عليه الصلاة والسلام يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده، فإنّ خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي.
 كم حديث؟ ثلاثة، وفي درس قادم إن شاء الله نأخذ آداب حالة الأكل وآداب ما بعد الطعام.

 

* * *

من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم :

1 ـ شدة اهتمام النبي الكريم بمن يسأله عن أمور الدين من الرجال والنساء :

 والآن إلى بعض شمائله صلى الله عليه وسلم، كل هذه الحقائق والمعلومات والتوجيهات والأحاديث قابلة للتطبيق الفوري في أول وجبة طعام.

(( عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَقُلْنَا هَذَا الرَّجُلُ الأبْيَضُ الْمُتَّكِئُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَجَبْتُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ فَقَالَ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ أَاللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَاللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَاللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ قَالَ اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَاللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ نَعَمْ فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ))

[ النسائي عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ]

 المغزى هذا الرجل جاء نيابةً عن قومه كلهم، وشدد في السؤال، واستيقن من النبي عليه الصلاة والسلام فإذا آمن هو آمن معه قومه جميعاً، فهذه القصة وردت هنا تحت عنوان شدة اهتمامه بمن يسأله عن أمور الدين من الرجال والنساء.
 " وعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: - كانت من ذوات العقل والدين- وروي عنها أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله إني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين كلهن يقلن بقولي، وكلهن على مثل رأيي، إن الله بعثك إلى الرجال والنساء فآمنا بك واتبعناك، ونحن معشر النساء مقصورات مخدرات في البيوت - قواعد في البيوت - وإن الرجال فضلوا بالجمعات، وشهود الجنائز والجهاد، فإذا خرجوا إلى الجهاد حفظنا لهم أموالهم، وربينا لهم أولادهم أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت عليه الصلاة والسلام بوجهه إلى أصحابه وقال: هل سمعتم مقالة هذه المرأة؟ إنها أحسنت السؤال عن دينها، فقالوا: بلى يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: انصرفي يا أسماء وأعلمي من ورائكِ من النساء أن حسن تبع إحداكن لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته، يعدل كل ما ذكرتِ للرجال، قال: فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر استبشاراً لما قاله النبي عليه الصلاة والسلام لها "
هذا الحديث مروي ثلاث روايات:
 " قال: جاءت امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله أنا واثبة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال، فإن أصيبوا أجروا، وإن قتلوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون، ونحن معاشر النساء نقوم عليهم فما لنا من ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أبلغي من لقيتِ من النساء أن طاعة الزوج واعترافاً بحقه يعدل ذلك وقليل منكن من تفعله "
 كأن النبي عليه الصلاة والسلام عرف ما سيكون وقليل منكن من تفعله.
 الرواية الثالثة: " أن امرأةً جاءت النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: إني رسول النساء إليك ما منهن امرأة علمت أو لم تعلم إلا وهي تهوى مخرجي إليك، الله رب الرجال والنساء وإلههم وأنت رسول الله إلى الرجال وإلى النساء، كتب الله الجهاد على الرجال فإن أصابوا أجروا، وإن استشهدوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون فما يعدل ذلك من أعمالهم من الطاعة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: طاعة أزواجهن ومعرفة حقوقهن وقليل منكن يفعله "
إذاً هذ الروايات الثلاث والأولى تحت عنوان شدة اهتمامه صلى الله عليه وسلم بمن يسأله عن أمور الدين من الرجال والنساء.

2 ـ مكافأته صلى الله عليه وسلم الإكرام بأفضل الإكرام :

 مكافأته صلى الله عليه وسلم الإكرام بأفضل الإكرام، روى البيهقي في الدلائل وابن إسحاق عن أبي قتادة أنه قال: " وفدَ وفدٌ النجاشي على النبي صلى الله عليه وسلم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه: يا رسول الله نحن نكفيك ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وأنا أحب أن أكافأهم على ذلك "
نبي هذه الأمة كان يخدمهم بنفسه.

3 ـ مقابلة الإحسان بأجمل منه :

 ومقابلة الإحسان بأجمل منه من شمائل النبي عليه الصلاة والسلام.
 فعن عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال: "استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بقدح فيه ماء فكانت فيه شعرة فأخذتها، فقال عليه الصلاة والسلام مقابلاً هذا الصنيع الجميل: اللهم جمله ".
 ماذا فعل هذا الصحابي؟ قدم كأس ماء وجد فيه شعرة أزالها فدعا له الرسول عليه الصلاة والسلام أن يجمله، قال الراوي: "فرأيت عمراً وهو ابن تسعين سنة وليس في لحيته شعرة بيضاء لأنه قال له: اللهم جمله.
 " وعن أبي أيوب الأنصاري قال:

((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة فسقطت على لحيته ريشة فابتدر أبو أيوب فأخذها- أحياناً يكون على كتف أخيه شعرة، أو قشة، أو نملة- فقال عليه الصلاة والسلام: نزع الله عنك ما تكره ))

[الطبراني عن أبى أيوب]

 ما نسيها، سيدنا أبو أيوب أزال ريشةً عن لحيته صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام:

((...نزع الله عنك ما تكره ))

 ما هذه الدقة في ملاقاة الجميل؟ مسلم راوي الحديث الشهير روى عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال:

((حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: سَلْ؟ فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ ))

[ مسلم رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ ]

 ملك قال لابنه: ماذا تريد أن تكون يا بني؟ قال له: أريد أن أكون رئيس الجامعة، فقال له: هذه تحتاج إلى دراسة، أنا أعطيك بيتاً فوراً، وطائرة، و يختاً، أما أعينك مدير الجامعة هذه تحتاج إلى دكتوراه، يجب أن تعينني، إذا أنت ما عملت لن تنال هذا المنصب، فهذا سيدنا ربيعة طلب طلباً عالياً جداً أن يكون رفيق رسول الله في الجنة، هذا المقام لا ينال إلا بالتعب الشديد.
 قال ربيعة: فكنت أخدم النبي عليه الصلاة والسلام نهاري فإذا كان الليل أويت إلى باب رسول الله فبت عنده فلا أزال أسمعه يقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله حتى أمل أو تغلبني عيني والنبي لا ينام، قال تعالى:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾

[ سورة المزمل: 20]

 يا ترى إذا الناس كلهم ناموا، وكل حبيب أوى إلى حبيبه، فأنت من حبيبك؟ هل تقوم في الليل تصلي؟

(( عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ نَزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَهُ عَنْهُ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ]

 هل لك ركعتان قبل الفجر بينك وبين الله عز وجل؟ في رواية ثانية قال:
 " يا ربيعة سلني فأعطيك، قال: أنظرني حتى أنظر - مادام لي عندك هذه الحاجة أنظرني- وتذكرت أن الدنيا فانية منقطعة فقال يا رسول الله: أسألك أن تدعو الله لي أن ينجيني الله من النار ويدخلني الجنة، فسكت النبي عليه الصلاة والسلام ثم قال: من علمك هذا؟ قلت: والله ما علمنيه أحد ولكني علمت أن الدنيا منقطعة فانية وأنت من الله بالمكان الذي أنت منه فأحببت أن تدعو الله لي قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود ".

 

4 ـ تفقد أصحابه و السؤال عنهم :

 النبي صلى الله عليه من شمائله الكريمة أنه كان يتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس، فإذا الناس في ضائقة يسألهم عن هذه الضائقة، فليس يعيش في برجه العاجي، يسألهم عما يعانونه، فأبو يعلى روى عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأله عنه، فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده.
 عندما يغيب الرجل عن الجامع ثلاثة أيام كان النبي عليه الصلاة والسلام يسأل عنه، فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده، أما إذا كان مقيماً وما جاء إلى المسجد فمعنى هذا أنه يوجد مشكلة، قد يكون عنده مشكلة، مثل ضـائقة نفسـية، أو قضية مادية حبسته عن المجيء، وإذا كان مسافراً دعا له، ولكن إذا الإنسان سافر وما أعلم النبي عليه الصلاة والسلام فهذا مخالف للسنة.

5 ـ حفظه للود :

 حفظه للود صلى الله عليه وسلم:

(( عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلاثِ سِنِينَ لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِي فِي خُلَّتِهَا مِنْهَا))

[ مسلم عَنْ عَائِشَةَ]

 إكراماً لخديجة، وحفظاً لودها، وحسناً لعهده معها بعد وفاتها، وروت عائشة أيضاً عن النبي عليه الصلاة والسلام: " أنه جاءت عجوز إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف أنتم بعدنا؟ فقالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خرجت قلت: يا رسول الله تقدم على هذه العجوز هذا الإقبال؟ قال: يا عائشة إنها كانت تأتينا أيام خديجة وإن حسن العهد من الإيمان ".
 ابن طفيل قال:" رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لحماً بالجعرانة وأنا يومئذٍ غلام أحمل عدو البعير، فأتته امرأة فبسط لها رداءه، قلت من هذه؟ قال: هذه أمه الذي أرضعته ":

(( حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ السَّائِبِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا فَأَقْبَلَ أَبُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ فَقَعَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ أَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَقَامَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ))

[أبي داود عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ]

 هكذا الوفاء تعيش مع الإنسان سنوات تكرمه وتدلله ثم يؤذيك‍! آخر قصة في الصحيحين:

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ ثُمَّ قَالَ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ))

[مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]

 وهناك أعرابي آخر جاء النبي عليه الصلاة والسلام يستعينه في شيء ثم قال له: أحسنت إليك، قال: لا ولا أجملت، قال: فغضب المسلمون وهموا أن يقتلوه ما هذا الكلام؟ فقام عليه الصلاة والسلام وبلغ إلى منزله ودعا الأعرابي إلى البيت - انتقل إلى البيت وطلبه لوحده - فقال: إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت - هكذا تقول أمام أصحابي؟ - فزاده النبي وقال له: أحسنت إليك، قال: نعم، جزاك الله من أهل عشيرةٍ خيراً -القصة لم تنتهِ - فقال عليه الصلاة والسلام: إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت، ولم يقل ماذا قال وفي نفس أصحابي عليك من هذا شيء فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي- سوف أجمعك معهم قل لهم ما قلت إلي حتى يذهب عن صدورهم ما هم فيه- قال: نعم، فلما جاء الأعرابي قال عليه الصلاة والسلام: إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وما أعاد مقالته، وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي كذلك يا أعرابي، فقال الأعرابي: نعم جزاك الله من أهل عشيرة خيراً، فقال عليه الصلاة والسلام: كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورها، فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها، وأنا أعلم بها، فتوجه إليها صاحبها وأخذ لها من خشان الأرض طعاماً، ودعاها حتى جاءت، واستجابت فشد عليها رحلها، وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار". الإنسان يجب ألا يكون عون الشيطان على أخيه، يجب أن يكون عون أخيه على الشيطان.

النبي أسوة لنا :

 هذه بعض شمائله صلى الله عليه وسلم ونحن اقتربنا من عيد المولد، إن شاء الله في هذه الأيام المباركات سوف أكثر من الحديث عن شمائله صلى الله عليه وسلم هو قدوة لنا، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب: 21]

 إن كنت ترجو الله واليوم الآخر فالنبي لك أسوة، وإن لم يكن لك أسوة فهذا الرجل الذي لم يكن النبي له أسوة قطعاً لا يرجو الله ولا اليوم الآخر، ومن علامة أنك ترجو الله واليوم الآخر أن تتخذه أسوة لك في معاملاتك اليومية، انظروا كيف وفاء العهد، والتحمل، والرقة، والوداعة، واللطف، والحلم، والشكر، والمودة، وهذه كلها من صفات النبي صلى الله عليه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018