بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الصلاة - الدرس : 10 - فيما لايكره للمصلي - فضل مجالس الذكر


1985-09-15

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ما لا يكره للمصلي فعله :

1 ـ شد وسطه بحزام له أهداف عادية :

 أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الفقه إلى ما لا يكره للمصلي فعله، أي هناك أشياء إذا فعلها المصلي لا كراهة فيها مثلاً لا يكره له شد وسطه بحزام له أهداف عادية، إن كان الإنسان في الحج وفي هذا الحزام يضع ماله، وهناك حزام صحي يقي البطن من البرد أحياناً، وهناك نوع من اللباس يتممه الحزام، فالمصلي لا يكره له شد حزام على وسطه.

2 ـ التقلد بسيف :

 ولا تقلد بسيف، يتقلد سيفاً ليس مكروهاً ونحوه.

3 ـ التوجه لمصحف :

 ولا توجه لمصحف فلو أن أمامه مصحفاً وصلى وراء المصحف لا شيء عليه.

4 ـ الصلاة أمام سيف أو ظهر قاعد يتحدث :

 أو سيف معلق في حائط، أما إذا صلى أمام سيف أو ظهر قاعد يتحدث - أنت صليت في المسجد وأمامك إنسان قاعد ولكن لك ظهره ومادام ظهره لك فهو ستر لك - أو ظهر قاعد يتحدث.

5 ـ الصلاة أمام شمع أو سراج :

 شمعة تشتعل أمامك لا شيء عليك، أو سراج.

6 ـ السجود على بساط فيه تصاوير يداس عليها :

 السجود على بساط فيه تصاوير، و هذه الصور التي على البساط في العادة أنه يداس عليها إذاً هي ممتهنة لا شيء عليك.

7 ـ قتل حيةٍ أو عقربٍ خاف أذاهما وهو في الصلاة :

 وقتل حيةٍ أو عقربٍ خاف أذاهما وهو في الصلاة.

8 ـ نفض الثوب كي لا يلتصق بالجسد أثناء الركوع :

 ولا بأس بنفض ثوبه كي لا يلتصق بجسده بالركوع، فالإنسان إذا لبس ثوباً وكان رقيقاً، و رفع والتصق بظهره، وصار منظره مزعجاً جداً، وهذا الثوب وصف عورته بالكامل، فيجب على الإنسان أن يهتم ينفض ثوبه إذا وقف من الركوع، فلا بأس بنفض ثوبه كي لا يلتصق بجسده بالركوع.

9 ـ مسح جبهته من التراب :

 إذا صلى على التراب وعلق تراب على جبهته ومسح جبهته فلا شيء عليه، طبعاً إذا كان ببقاء التراب يوجد انزعاج وتشويش.

10 ـ النظر بمؤق العين من غير تحويل الوجه :

 ولا بالنظر بمؤق عينه، أي مؤق العين انحرف قليلاً، كأن يكون ابنه على اليمين ويوجد مدفأة فنظر هكذا لا شيء عليه من غير تحويل الوجه.

11 ـ الصلاة على الفرش والبسط والأفضل الصلاة على الأرض :

 ولا بأس بالصلاة على الفرش والبسط واللبود، والأفضل الصلاة على الأرض أو ما تنبته، ولكن يجب أن يكون الفراش أو البساط أو اللبد بثخانةٍ معقولة بحيث تحس من خلالها بقساوة الأرض، أما إذا كانت سميكةً ووضعت يدك فيها فغارت فهذه لا يجوز أن تصلي عليها، لكن إسفنجاً سماكته تقدر باثنين سنتمتر - أحياناً في الصيف لا يوجد سجاد في البيت حتى بالركوع والسجود لا يشعر بقسوة الأرض- لا يوجد مانع، إن الله غني عن تعذيبنا.

12 ـ تكرار السورة في الركعتين في النفل :

 ولا بأس بتكرار السورة في الركعتين في النفل، كررتها أو قرأتها في كل ركعة هي نفسها في صلاة النفل لا شيء عليك، هذه التي إذا فعلها المصلي فالأغلب أن الله سبحانه وتعالى لا يحاسبه على شيء.

ما يوجب قطع الصلاة أو تأخيرها :

1 ـ استغاثة ملهوف بالمصلي :

 والآن يوجد موضوع دقيق جداً فيما يوجب قطع الصلاة، هناك أناس جاهلون، لي قريب و زوجته تعسرت بالولادة فأخذها إلى المستشفى وليس في المستشفى طبيبة، فاتصلوا بالطبيبة هاتفياً وأخبروها أن الحالة خطيرةٌ جداً، فقالت: سوف أتوضأ وأصلي وآتيكم فوراً، هذه الطبيبة ليست فقيهة ينبغي أن تترك الصلاة وتصلي بعد الولادة ولو فاتها العصر، والآن فصل فيما يوجب قطع الصلاة أو تأخيرها، قال: يجب وليس يجوز يوجد فرق بين يجب ويجوز، يجب قطع الصلاة باستغاثة ملهوف بالمصلي، إنسان وقع في خطر وأصبح على وشك الهلاك فاستغاث بالمصلي والمصلي في خشوع، أي خشوع هذا ولم خلقت أنت في الحياة؟ من أجل العمل الطيب، فالشرع يأمرك أن تقطع الصلاة ولو كنت في الفرض.
 قال: الاستغاثة استغاثة ملهوف بالمصلي، مثلاً لو تعلق به ظالم وهذا المصلي بإمكانه أن يخلصه من هذا الظالم طبعاً يجب أن يقطع صلاته، أو وقع في ماء وكان على وشك الغرق تصلي على كتف نهر ورجل وقع في النهر واستغاث بك، تقطع الصلاة فوراً، أو طال عليه حيوان، إذا كان هناك طفلاً في حديقة وهجم عليه حيوان عقور ففزع وأنت تصلي تقطع الصلاة وتنقذ الطفل.
 والآن النقطة الدقيقة إذا استغاث هذا المستغيث بالمصلي أو أنه استغاث بغير المصلي وسمعه المصلي فينبغي له أن يقطع صلاته تحرزاً من أن يكون هذا المستغاث لم يسمع، وهذه نقطة إضافية في الموضوع.

قطع الصلاة لا يجوز إلا لضرورة :

 لكن المصلي لا ينبغي له أن يقطع صلاته إذا ناداه أحد أبويه، هنا يوجد موضوع دقيق سوف أفصله لكم.
 ولا يجب قطع الصلاة بنداء أحد الأبوين من غير استغاثة، الأم جالسة في غرفة ثانية وأنت تتم صلاتك يا سعيد وأنت في الفرض لا يجب أن تقطع الصلاة لنداء أحد الأبوين لأن قطع الصلاة لا يجوز إلا لضرورة.
 قال الطحاوي: هذا في الفرض وإن كان في نافلة فيوجد حكم آخر إذا كنت تصلي الفرض وناداك أحد والديك فلا ينبغي لك أن تقطع الصلاة، لكن إذا كنت في نافلة فإن علم أحد أبويك أنك في صلاة وناداك لا بأس بألا تجيبه إذا كنت في الصلاة وهو يعلم أنك في الصلاة وناداك وأنت في الصلاة لا ينبغي لك أن تجيبه، وإذا كنت في نافلة وأنت تصلي النافلة ولا يعلم أبوك أنك في صلاة وناداك أجاز الفقهاء أن تقطع الصلاة لتجيب والديك، فكم للأب من حق كبير على الابن.

2 ـ يجوز قطع الصلاة لسرقةٍ تخشى على ما يساوي درهماً :

 ويجوز قطعها ولو كانت فرضاً لسرقةٍ، تصلي في المحل بزاوية لا أحد يشاهدك، مرّ شخص وأخذ حاجة وإن كنت في الفرض لك أن تقطع الصلاة لتمنع هذا السارق، الحقيقة هنا الموضوع دقيق قد يقول قائل: ليس له قيمة، الحقيقة ليس الموضوع أن هذا الشيء الذي سرق له قيمة أو عدم قيمة، إلا أن المال الذي يسرق إن كان في موضع غير حرزٍ يأثم صاحب المال إذا سرق لأنه سبب لإنسان أن يقع في جريمة السرقة، وأحياناً الإنسان يتوهم أنه ما عمل شيئاً وضع ماله في مكان، في مصنع، فالذي يُسرق يحاسب على أنه ساعد السارق على السرقة، فصاحب المال آثم، صاحب المال إذا وضعه في مكان غير أمين وسرق هذا المال فهو آثم، لأنه سبب حدوث هذه الجريمة، أحياناً يكون هناك باعة لا يوجد عندهم أمانة، فالشخص إذا لم يدقق فهو آثم أيضاً لأنه سبب أن البائع يأكل مالاً حراماً.
 ويجوز قطع الصلاة لسرقةٍ تخشى على ما يساوي درهماً، ليس الموضوع موضوع درهم بل موضوع لا ينبغي للإنسان أن يكون سبباً في ارتكاب جريمة السرقة ولو كان درهماً لأنه مال، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ حَتَّى تَكُونَ مِنْ شُهَدَاءِ الآخِرَةِ أَوْ تَمْنَعَ مَالَكَ ))

[ أحمد عَنْ قَابُوسَ بْنِ مُخَارِق عَنْ أَبِيهِ ]

3 ـ المرأة لها حق أن تقطع صلاتها إذا خافت على طعام أن يتلف :

 والآن درجة أدنى لو أن قدراً على النار فيه حليب وشعر المصلي أو شعرت المصلية برائحة والقدر فيه ثمانية كيلو وعندهم مساءً سهرة، الحليب فار، يجوز أن تقطع صلاتها من أجل إنقاذ هذا المال، لو أنها قالت لزوجها: الحليب فار أحضر غيره، زوجها قد لا يتحمل هذا الكلام، كنت أصلي، يجوز أن يقول: كلمة قاسية، فالمرأة لها حق أن تقطع صلاتها إذا خافت على طعام أن يتلف، أو خافت على ولدها وولدها في غرفة فيها سكين، أو مدفأة، أو مروحة وضع يده عليها، والأم إذا قطعت صلاتها لا شيء عليها.

4 ـ يجوز قطع الصلاة لمنع سرقة :

 هناك حالة ثانية وهي من مستوى حفظ المال، أنت في محل تجاري تصلي يوجد محل مقابلك وليس محلك، جاء شخص وهم بسرقة شيء من هذا المحل، يجب أن تقطع صلاتك لمنع هذه السرقة، وهذا حكم الشرع.

5 ـ يجوز قطع الصلاة خشية ذئب ونحوه :

 يجوز قطعها خشية ذئب ونحوه، إنسان يصلي في البرية فلاح له شبح ذئب، أو كلب، فالصلاة انتهت، ما معنى انتهت؟ تشوش لم يبقَ وجهة خفت، أفعى، أو ذئب، أو عدو، فإذا حصل قلق وخوف لك أن تقطع الصلاة.
أو راعي خشي ذئباً على غنمه، لا على نفسه بل على غنمه من باب حفظ المال.

6 ـ يجب قطع الصلاة لإنقاذ أعمى من خطر ما :

 أو أنت تصلي فأعمى أمامه حفرة وليس منتبهاً فطبعاً من البديهي أن تقطع الصلاة لإنقاذ هذا الأعمى، أو يمشي على سطح وغير منتبه، أو على درج ولا يوجد سور فالبناء أول إنشائه يجب أن تقطع الصلاة.

7 ـ القابلة إذا خافت على المرأة التي تولدها :

 الآن القابلة إذا خافت على المرأة التي تولدها، قالت لها: أنا سوف أصلي العصر، الطلق تابع في أثناء الصلاة والمرأة لا يوجد عندها أحد، وكاد الجنين أن يخرج منها، فالقابلة عليها أن تقطع الصلاة، والأصح من ذلك ألا تصلي وأن تؤخر الصلاة إلى ما بعد الولادة.

8 ـ المسافر إذا أصابه الخوف :

 والآن المسافر إذا أصابه الخوف يجوز له تأخير الصلاة والوقتية، يمشي في فلاة فيها قلق وهو خائف، وكذلك المقاتلون في أثناء الحرب في الجبهة خائفون من كمين، من لغم، أو من استطلاع العدو فيجوز لهم تأخير الوقتية.

9 ـ تأخير قضاء الفوائت لعذر :

 ويجوز تأخير قضاء الفوائت لعذر، ويجب أن يصلى فور التذكر فإذا كان في أمر قاهر يجوز له تأخير قضاء الفائتة.
 أما تارك الصلاة عمداً، كسلاً، فيضرب ضرباً شديداً حتى يسيل منه الدم، ويحبس، وكذلك تارك الصوم أيضاً كسلاً، أما إذا ترك الصوم أو الصلاة استخفافاً وإنكاراً وجحوداً فهذا هو الكفر إن لم يسبقه إيمان، وهذا هو الارتداد إن سبقه إيمان، انظروا دقة الشرع في قطع الصلاة، الشرع الإسلامي يسع الحالات كلها، فالإنسان إذا اتصل بالله عز وجل صار على مستوى عال جداً من السمو النفسي، صار إنساناً إنسانياً، ولذلك فالعبادات في خدمة إنسانيته، في خدمة سموه، في خدمة أهدافه النبيلة.
* * *

للذكر معنى واسع جداً :

 والآن إلى فصل من إحياء علوم الدين، وصلنا في الدرس الماضي إلى فضيلة الذكر، وبينت لكم كيف أن الذكر له معنى واسع جداً، فتفسير آية ذكر، وتفسير حديث ذكر، وتلاوة القرآن ذكر، وأمر بالمعروف ذكر، ونهي عن المنكر ذكر، وتوضيح آية كونية تظهر تعظيماً لله عز وجل ذكر، وأي حديث هدفه تقريب الناس إلى الله عز وجل ذكر، وقد قال تعالى:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي ﴾

[ سورة البقرة: 152 ]

((أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى))

[ابن ماجة عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّهم عَنْهم]

 قال تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾

[ سورة الأحزاب : 43]

فضيلة مجالس الذكر :

 اليوم درسنا فضيلة مجالس الذكر، قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنِ الأغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))

[ ابن ماجة عَنِ الأغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ]

 نصيحة كريمة من النبي عليه الصلاة والسلام، في بيتك، مع أهلك، مع أصحابك، مع جيرانك، إذا كان هناك سهرة أسبوعية، وليمة، نزهة في السوق، وأنت في سيارة عامة إلى جانبك إنسان وجدت فيه الصلاح والحياء حدثه عن الله عز وجل، و اجعل الذكر هدفك الأول، لأن أي حديث آخر يسبب انقباضاً للناس، أما ذكر الله فيسبب راحةً، وقول الله عز وجل:

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد: 28]

 إن القلوب لتصدأ، فالإنسان في عمله التجاري حسابات، وصفقات، ومراسلات، وبضاعة لم تبع، وبضاعة بيعت، حديث ليس له نهاية يقول لك: والله صدأ قلبي، كلام صحيح لأن الدنيا طريق مسدود، في النهاية يوجد كسب للمال، وفي النهاية يوجد إنفاق للمال، تأكل وتشرب، أما إذا ذكرت الله عز وجل:

((إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد إذا أصابه الماء، قالوا: يا رسول الله فما جلاؤها؟ قال: كثرة ذكر الله))

[ابن عدي عن ابن عمر]

((مَا مِنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِلا وَجْهَهُ إِلا نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ قُومُوا مَغْفُورًا لَكُمْ قَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَاتٍ ))

[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

طرق الدنيا كلها مسدودة تنتهي بالموت :

 إنسان يذهب إلى سهرة، يذهب إلى مكان، لكن إذا جاء إلى مسجد ماذا يبتغي من ذلك؟ لا يوجد كرسي مريح تجلس عليه، ولا يوجد ضيافة نفيسة تقدم لك، لا يوجد إلا ذكر الله عز وجل، فعلاقة مادية لا يوجد، بيع شراء لا يوجد، أنت تأتي إلى هنا لا ترجو إلا رضا الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي يتكلم لا يرجو إلا رضا الله عز وجل ولذلك قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

((مَا مِنْ قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ إِلا رَأَوْهُ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

 سهرنا سهرة وذلك حتى الساعة الواحدة، وتكلمنا بأسعار العملات، وإلى أين ينتهي هذا الارتفاع، سهرنا سهرة تحدثنا عن البيوت، وأيهما أصح نركب الشوفاج مخفياً أو ظاهراً؟ صار نقاش حاد قالوا: أن الظاهر يدفئ أكثر وتصليحه أسهل، وأناس قالوا: المخفي أفضل وأجمل، وهذا الموضوع حتى الساعة الواحدة مساءً، ماذا استفدنا من هذه الموضوعات؟ موضوعات كثيرة جداً وقد تكون استفادة الإنسان منها محدودة جداً، ولذلك يوجد حديث آخر:

((مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَتَفَرَّقُوا عَنْ غَيْرِ ذِكْرٍ إِلا تَفَرَّقُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 جربوا جلسة فيها ذكر لله عز وجل، وجلسة فيها ذكر للدنيا، طرق الدنيا كلها مسدودة تنتهي بالموت ولو أنها مفتحة على مصارعها فإنها تنتهي بالموت، ومهما علا الإنسان لابد من ساعة يفقد كل ما كسبه من الدنيا، في لحظة واحدة.

 

الابتعاد عن مجالس الغافلين و التمسك بمجالس الذاكرين :

 هناك نص عثرت عليه وهذا النص منسوب إلى سيدنا داود فيما ترويه الكتب قال: "إلهي إذا رأيتني أجاوز مجالس الذاكرين إلى مجالس الغافلين فاكسر رجلي" - وكل إنسان له مجالس للذكر جالس عند بيت خالته، جهلة، يوجد اختلاط، وحديث عن الدنيا، وهم من أهل الترف والدنيا، وحديثهم عن الدنيا، والطعام، والنزهات، وعن فلان وعلان - فإذا الإنسان ذهب إلى هذا المجلس فهذا مجلس غفلة، ويخرج منه بانقباض، ويخرج منه بأنه أنت فوق هذا المستوى صغرت، أحياناً الإنسان يدخل إلى مجلس فيكبر وأحياناً يصغر، إذا كان مؤمناً ودخل إلى مسجد غافلين يصغر، يقيّمونه من دخله فقط، وإذا كان موظفاً، يقولون له: ما معاشك؟ يقول: ألفان، فيقال له: ألفان فقط لا يكفيان يومين، ما هذه الوظيفة؟ هذا هو الغافل يُقَيم الناس من المال فقط، فإذا الله عز وجل بارك بالألفين أفضل من مليونين، إذا كانت الصحة طيبة، و هناك اقتصاد، وتفاهم زوجي، وأولاد أبرار، ونظافة، وترتيب، فهذان الألفان أفضل من مليونين مع شقاق، مليونان مع مرض عضال، ومع زوجة شرق والزوج غرب، و مع معصية، لا يكفيان شيئاً، فإذا الإنسان دخل إلى الغافلين يصغر، وإذا جلس مع الذاكرين يكبر، ويشعر أنه استفاد، وانتعش قلبه، والنبي صلى الله عليه كان يقول:

((إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأغْنِيَاءِ وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ ))

[الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]

الغني المؤمن قوة للمسلمين :

 طبعاً إذا كان النبي الكريم ذكر الأغنياء فالمقصود بهم غير المؤمنين، لأن الغني المؤمن يشهيك الغنى، تواضع على سخاء، وعلى اعتدال، و قوة للمؤمن، و الغني المؤمن قوة للمسلمين، وتحتاج أحياناً مساعدة للإنسان يقول لك: تفضل هذه خمسة آلاف، والله هنيئاً لهذا الغني، وإنسان يريد بيتاً يساعده، وإنسان آخر يريد ديناً فيدينه، فالغني المؤمن على العين والرأس، والحديث عن الغني غير المؤمن مجلسه مجلس ظلمة.
 قال سيدنا عمر: "من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط"، فعنده بيت مستور، وعنده سجادة وطنية، وثريا صغيرة، فيدخل إلى بيت فينظر أنه ليس عنده شيء أبداً، و الذي عنده لا يذكر، عنده براد ثمنه ألف ليرة فوجد براداً ثمنه يقدر بثلاثة وعشرين ألف ليرة.
 "إلهي إذا رأيتني أجاوز مجالس الذاكرين إلى مجالس الغافلين فاكسر رجلي فإنها نعمة تنعم بها علي"، والإنسان يدع وجهته إلى الله عز وجل، و سهراته تكون كلها لله، و إذا كان أقرباؤه من أهل الغفلة لا يزورهم، ليس هذا قطيعة رحم، لا هذا وصله يقطع الصلة بالله عز وجل، من أين يأتيه ألم الرأس؟ من أقربائه.

المؤمن يعظم المؤمن أما الفاسق فيستصغر المؤمن :

 إذا وجدك الإنسان صغيراً لا تصاحبه، صاحب إنساناً يراك كبيراً في نظره، فالمؤمن يعظم المؤمن، أما الفاسق فيستصغر المؤمن فلا تصاحبه، ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( إن أهل السماء ليتراءون بيوت أهل الأرض التي يذكر فيها اسم الله تعالى كما تتراءى النجوم))

[ الزهد لابن المبارك عن أبي هريرة]

 لو فرضنا إنساناً ركب طائرة وحلق فوق مدينة فماذا يرى؟ هنا ساحة عامة صفراء اللون، وهنا طريق أبيض أوتوستراد، و أثناء الأعياد كل الأبنية الحكومية مزينة، والملائكة إذا نظروا إلى بلدةٍ ليلاً تتراءى بيوت الذكر فيها كما تتراءى النجوم في السماء، بالعكس لو أن الملائكة اطلعوا على بلدة لا يرون تألق الكهرباء بل يرون تألق مجالس الذكر، وأحياناً يضعون على الخارطة بعض المصابيح الكهربائية فتتألق، فلو أن دمشق مثلاً رأتها الملائكة يرون فيها المساجد التي يذكر فيها اسم الله عز وجل متألقة، هذا الحديث لطيف.
 وقال سفيان بن عيينة: "إذا اجتمع قوم يذكرون الله تعالى اعتزل الشيطان الدنيا - ليس له عمل- فيقول الشيطان للدنيا: ألا ترين ما يصنعون؟ تقول الدنيا له: دعهم فإنهم إذا تفرقوا أخذت بأعناقهم إليك، وإذا تفرقوا يرجعون إليك عن طريقي أي عن طريق الدنيا"، و هو حوار رمزي بين الدنيا والشيطان.
 " عن أبي هريرة رضي الله عنه تعالى أنه دخل السوق مرةً وقال لمن في السوق: أراكم هاهنا وميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم في المسجد وأنتم هنا؟ فذهب الناس إلى المسجد وتركوا السوق ولم يروا ميراثاً، فقالوا: يا أبا هريرة لم نرَ ميراثاً يقسم في المسجد، فقال: ماذا رأيتم؟ قالوا: رأينا قوماً يذكرون الله عز وجل ويقرؤون القرآن فقال: ذلك ميراث رسول الله "، فالإنسان إذا كانت له مصلحة، محل تجاري، وصار وقت الدرس فهذا الوقت ليس له وليس وقت بيع وشراء، هذا وقت لله عز وجل، فإذا آثر ما يبقى على ما يفنى فالله عز وجل يبارك له في عمله، ويأتيه الناس أفواجاً بعد الدرس وقبل الدرس.

((فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ هُوَ شَكَّ يَعْنِي الأعْمَشَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ فُضُلاً عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى بُغْيَتِكُمْ فَيَجِيئُونَ فَيَحُفُّونَ بِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ اللَّهُ أَيَّ شَيْءٍ تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ يَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ وَيَذْكُرُونَكَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لا، فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي، فَيَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ لَكَانُوا أَشَدَّ تَحْمِيدًا وَتَمْجِيدًا وَذِكْرًا فَيَقُولُ فَأَيَّ شَيْءٍ يَطْلُبُونَ فَيَقُولُونَ يَطْلُبُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ لا، فَيَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا قَالَ فَيَقُولُ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَعَوَّذُونَ فَيَقُولُونَ مِنَ النَّارِ فَيَقُولُ وَهـَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لا، قَالَ: فَيَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا فَيَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا هَرَبًا وَأَشَدَّ مِنْهَا خَوْفًا قَالَ فَيَقُولُ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ فَيَقُولُونَ فَإِنَّ فِيهِمْ فُلَانًا الْخَطَّاءَ لَمْ يُرِدْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُ هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ نَحْوَهُ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلاً يَبْتَغُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

البقاء في الدنيا محدود أما الآخرة فغير محدودة :

 ملخص الحديث أن الإنسان عنده فكرة عن الجنة، وفكرة عن النار، ولكن أؤكد لكم هذه الفكرة لا تعادل واحداً من مليون من الحقيقة، ولا واحداً من مئة مليون، ولا من ألف مليون، ولا ألف مليار، لو أن الإنسان أتيح له جدلاً أن يعرف الجنة على حقيقتها فاستحيا أن يشرب كأس ماء فلا يجد وقتاً لأكل الطعام، ولا للنوم، ولو عرف النار على حقيقتها وكيف العذاب الأبدي فيها لخشي أن يأكل سمسمة من حرام، ولذلك الإنسان إن جاءه ملك الموت يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا بها لهول الموقف، ويوجد أحاديث كثيرة بهذا المعنى، ومعنى هذا أن الإنسان كلما اجتهد لمعرفة الحقيقة يكون هذا أعون له عن السعي للجنة والخوف من النار.
 والإمام الشبلي رضي الله عنه قال: قرأت حديثاً عن رسول الله استغنيت به عن أربعين ألف حديث، ما هو هذا الحديث؟
 "اعمل له بقدر حاجتك إليه، واعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، واعمل للآخرة بقدر مقامك فيها، واتقِ النار بقدر صبرك عليها".
 هذا حديث جمع كل شيء، يوجد عندك الجنة والنار، والدنيا والآخرة، الدنيا بقدر مقامك فيها، قد تعيش سبعين أو ثمانين عاماً، يقولون: ما شاء الله، وعندما يموت الإنسان بالثمانين يستغرب الناس، أما الآن فيقولون: شبع من عمره، وإذا وصل الإنسان للأربعين ماذا يقولون له؟ على أقصى تقدير يقولون: له عشرون سنة أخرى، معترك المنايا بين الستين والسبعين هكذا قال صلى الله عليه وسلم، البقاء في الدنيا محدود، أما الآخرة فغير محدودة: "واعمل للآخرة بقدر مقامك فيها، واعمل لله بقدر حاجتك إليه، واتق النار بقدر صبرك عليها".

العلم والأدب أثمن ما في الدنيا وهذا عطاء الأنبياء :

 هذا فضل مجالس العلم أي كلمة من القلب للقلب، إذا الله عز وجل أحب عبداً أسمعه الحق، وما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب، ومعنى استرذله أي رآه شهوانياً، سخيفاً، أرضياً، متعلقاً بحطام الدنيا، وإذا رآه كذلك حظر عليه العلم والأدب، قال تعالى:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾

[ سورة القصص: 14]

 أي العلم والأدب أثمن ما في الدنيا، وهذا عطاء الأنبياء، فكل إنسان ينظر عطاؤه من الله من أي نوع؟ من نوع عطاء قارون أم من نوع عطاء الأنبياء؟ إن كان نصيبه من الله عز وجل من نوع عطاء قارون أو فرعون فهذا لا شأن له عند الله، أما إذا كان من نوع عطاء الأنبياء ولما بلغ أشده واستوى أتيناه حكماً وعلما فهنيئاً له؟ لذلك حافظوا على هذه المجالس؟ ولا تدعوها تفوتكم، والإنسان إذا دخل الجنة لا يتألم إلا لساعة مرت لم يذكر الله فيها.
* * *

الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها :

 والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة، يقول عليه الصلاة والسلام:

((الرَّوْحَةُ وَالْغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ))

[مسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم]

 مثلاً ذهبت مع أخ لخدمته، أو ذهبت إلى حضور مجلس علم، رجل جاء من دوما من باص إلى باص، فهذه في سبيل الله، والنبي الكريم يقول لك: "أفضل من الدنيا وما فيها"، من له بيت بعيد عن المسجد لا يتأسف، والله لو علم ماذا ينتظره في الجنة من أجر ومن سعادة لتمنى أن يكون في آخر الدنيا ويأتي لهذا المجلس، والثواب على قدر المشقة، أنا أسكن في زملكا، أو في دوما، أو داريا، أو كفرسوسة، من مكان بعيد نقول: هنيئاً لك لأن أجرك أعظم من أجرنا، على قدر المشاكل، والطريق، والتعب، والمواصلات، فالروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها، إن ذهبت لحضور مجلس علم، أو لتعليم الناس شيئاً من كتاب الله، وإن ذهبت لتعاون أخاً في الله، فالنبي الكريم قال: "والله لأن أمشي مع أخ لي في حاجته خير لي من الدنيا وما فيها".
 تعاون إنساناً، أو تعينه، أو تزور مريضاً، أو تساعد إنساناً، أو تغيث مستغيثاً خير لك من الدنيا وما فيها، فالروحة الواحدة، والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها، وبالمناسبة معنى راح أي عاد رجع، أي إذا رجل طرق الباب وقال لك: هنا والدك، تقول له: الآن راح، ما معنى هذا؟ أي أنه في البيت موجود أي الآن جاء، و إذا قال لك: سلم عليه، فهذا اسمه تدليس، هذا كذب شرعاً وصدق لغةً، إذا إنسان لغوي هل أنت كاذب أم صادق؟ الجواب أنت صادق لغةً كاذب شرعاً، فالشرع على المقاصد، فماذا فهم منك هذا الطارق؟ أن أباك ليس في البيت، إذاً هذا كذب لكن النص صحيح إذاً هذا هو التدليس، فالفقهاء قالوا: التدليس أخو الكذب، أخوه تماماً، صنوه، الغدو والرواح، غدوها شهر ورواحها شهر.

((الرَّوْحَةُ وَالْغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ))

[مسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم]

حضور مجلس العلم يحيي القلب و يسعد الإنسان :

 تقوم، وتلبس، وتهيئ نفسك، وتتوضأ، وتصلي، وتخرج من بيتك لحضور مجلس علم، فلو اطلعت على الغيب لرأيت أن هذا العمل خير من الدنيا وما فيها قال العلماء: ما فيها من ثروات، إذاً الإنسان له حق النفط لوحده شخصياً، كل برميل ثمنه ثلاثة وثلاثون دولاراً وعنده ستة ملايين برميل مثلاً، فلو كانت هذه الحقول لإنسان وليست لدولة، وهذا لحسابه الخاص، قال: الروحة والغدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، لتفسير هذا الحديث في كتاب فتح القدير أشار إلى هذه الناحية، ما فيها من ثروات، ومناجم الذهب والألماس، ومناجم البترول، وحضور مجلس علم خير من الدنيا وما فيها، وحضور مجلس العلم يحيي القلب، وإذا القلب أصبح حياً سعد إلى الأبد.

الرهن :

(( بَاب الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ وَقَالَ مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: تُرْكَبُ الضَّالَّةُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا وَتُحْلَبُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا وَالرَّهْنُ مِثْلُهُ ))

[ البخاري عن إبراهيم]

 فإذا وضع إنسان عندك رهناً - مثلاً فرس- لك أن تركبها بنفقتها وتنفق عليها من مالك، مقابل النفقة تركبها، وإذا رهن عندك مثلاً غنمة لك أن تشرب من حليبها مقابل أن تطعمها، فتركب وتحلب من نفقتها، يوجد عدل، تركبها بنفقتها وتحلبها بنفقتها، ويوجد حديث آخر:

((الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ وَيُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]

الرفق و العنف :

 والحديث الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام:

(( الرفق يمنٌ والخرق شؤم ))

[ البيهقي عن عائشة]

 الرفق يعني اللطف الحسن، والخرق بمعنى العنف، وإذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم باب الرفق.

(( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: يَا عَائِشَةُ ارْفُقِي فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا دَلَّهُمْ عَلَى بَابِ الرِّفْقِ ))

[متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ ]

((إنَّ الرِّفْقَ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ ، وَالْخَرْقَ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ شَانَهُ ))

[ البيهقي عن عائشة]

 فالعنف بكل الوجوه شائن، قال عليه الصلاة والسلام:

(( علموا ولا تعنفوا فإن المعلم خير من المعنف ))

[أخرجه البيهقي عن أبي هريرة ]

 فالإنسان على قدر ما كانت القضية كبيرة تحل بالحسنى والاجتماع من دون كلام قاس، والقضية مهما تكن كبيرة تصغر، أما كلمة قاسية واحدة، ضرب على الطاولة، أغلق الباب بعنف فالموقف تفجر، بين زوجين، وشريكين، عود نفسك تتكلم كلاماً لطيفاً حتى في المشكلات التي تعانيها.
 " قال عليه الصلاة والسلام:

(( الرفق في المعيشة خير من بعض التجارة ))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

أي تجارة فيها حرام، وفيها مادة محرمة، ومواد حرمها الله وأنت تتاجر بها، اضغط مصروفك واقتصد فهذا أفضل لك من بعض هذه التجارة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018