بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الحج - الدرس : 05 - أحكام العمرة


1988-07-24

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا، وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

أيها الإخوة المؤمنون ؛ بقي علينا من موضوع الحجِّ وهو الدرسُ الأخير من دروس الحجِّ أحكامُ العمرة، لأنَّ الحجَّ كما تعلمون على أنواع ثلاثة ؛ إمَّا أن تحجَّ مفردًا، وإما أن تحجَّ قارنًا، وإما أن تحجَّ متمتِّعًا.
والحجُّ المفرِد أن تنوي الحجَّ فقط، أما النوعُ الثاني من الحجِّ أن تنويَ الحجّ و العمرة مقترنين، و أما التمتُّع فهو أن تعتمر، ثم تتحلَّل من ثياب الإحرام، إلى أن يأتيَ اليومُ الثامن من ذي الحجَّة، وعندئذٍ تحرم من مكة، وتتابع الحجَّ، و كما قلتُ لكم من قبلُ: إن المفرِد لا يجب عليه الهديُ، ولكنَّ الهديَ في حقِّه سنة، بينما القارن والمتمتِّع فعليهما هديٌ، أي عليهما ذبحُ شاةٍ والهديُ للمتمتِّع هديُ جبرٍ، و للقارن هديُ شكرٍ.

تعريف العمرة:

أما العمرةُ التي نحن في صددها، فمعناها في اللغة الزيارةُ أو القصدُ، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) ﴾

[سورة التوبة]

إنما يقصد مساجد الله، و أما معناها في الشرع فهي زيارة بيت الله الحرام على وجه مخصوص.

أفعالُ العمرة:

تعتبر العمرة الحج الأصغر
وأفعال العمرة ؛ إحرامٌ وطواف و سعيٌ و حلقٌ أو تقصير، والعمرة ُتعتبرالحجَّ الأصغر أي هناك حجٌّ أصغر هو العمرة، وهناك الحجُّ الأكبر هو الحجُّ

 

(( فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ ))

 

[رواه الترمذي]

لأنه لا بدَّ للعمرة من نفقات، و داوني بالتي كانت هي الداء، و ما شكا إليه أحدٌ ضيقَ ذات اليد إلا قال له: اذهبْ فتزوَّج، وهو لا يتمكَّن من الإنفاق على نفسه وحده، فتأتيه النصيحةُ النبوية الشريفة: اذهب فتزوَّجْ و العمرة كما قال عليه الصلاة و السلام و الحج ينفيان الفقر و الذنوب معًا، كما ينفي الكِيرُ خبث الحديد، و ليس للحجة المبرورة ثوابٌ إلا الجنة، أي الصغير أو الكبير، الحجُّ الأصغر هو العمرة، والأكبر وهو الحجُّ.

 

حكمُ العمرة:

سنةٌ مؤكَّدة في العمر مرةً واحدة، وعلى موضوع السنَّة، إن شاء اللهُ هناك موضوع قصير ولطيفٌ، في تعريف الفرض والواجب و السنة المؤكدة، والسنة غير المؤكدة، والمباح والمكروه تنزيها، و المكروه تحريما، ثم الحرام، هذه أحكامٌ دقيقة جدًّا يجب أن نُلِمَّ بها فحكمُ العمرة سُنَّة مؤكَّدة في العمر مرة واحدة، لمن استطاع إليها سبيلاً، هذا في مذهب الأحناف، و عند بعض علماء الحنفية هي واجبة كصدقة الفطر و الأضحية، وصلاة الوتر، والأضحية تتراوح بين المذاهب بين أن تكون واجبا، وبين أن تكون سنة مؤكدة، بين أن تكون سنة، وبين أن تكون سنة مؤكدة.

وقت العمرة:

أمَّا وقتُ العمرة فجميع أيام السَّنة، إلا أنها تُكرَه تحريما في خمسة أيام، في يوم عرفة و في الأيام الأربعة بعدها، و يُزاد على هذه الكراهة فعلُها في أشهر الحج، هناك سؤال ؛ فما بالُ القارن يعتمر و المتمتِّع يعتمر ؟ أن تأتيَ بعمرة فقط من دون الحج في أشهر الحج، لذلك لا تمنح الجهاتُ المسؤولةُ عن الديار المقدسة تأشيرات الدخول للعمرة في أشهر الحج لأنه يُكره أن تُؤتى العمرةُ في يوم عرفة، وفي الأيام الأربعة من بعده عمرة في رمضان تعدل حجة
و تُكره أن تُؤتى في أشهر الحج، و أشهر الحج كما تعلمون شوال و ذو القعدة وذو الحجة، و عند الشافعية لا يُكره فعلُها في وقتٍ من الأوقات من جميع أيام السَّنة، هذا عند الشافعية، لكنْ يقولون: إن العمرةَ في يوم عرفة، وفي يوم العيد، وأيام التشريق ليس فضلُها كفضلها في أيام أخرى، أي أقلُّ ثوابًا في هذه الأيام، لأن الناس جميعا في عرفات، و الناس جميعا في منى،و هم جميعا في مناسك الحج، و تأتي وحدَك أيها المسلم لتعتمر، فهذا خروجٌ عن إجماع المسلمين.
ويُندب فعلُ العمرة في رمضان، لقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً ))

[رواه الترمذي عَنْ أُمِّ مَعْقِلٍ]

وفي رواية أخرى

(( عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ مَا مَنَعَكِ مِنْ الْحَجِّ قَالَتْ أَبُو فُلَانٍ تَعْنِي زَوْجَهَا كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ ؛ حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا، قَالَ فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي))

[رواه البخاري]

أي مع رسول الله صلى اللهُ عليه و سلم.
شروط التكليبف بالعمرة هي شروط التكليف بالحج نفسها، لا تنقص و لا تزيد، و شرطُها الوحيد - و كما تعلمون الشرط هو الفرض الذي يسبق الأركان - طهارة الثوب، والبدن والمكان، واستقبال القبلة، ودخول الوقت، هذه من شروط الصلاة فيجب أن تستمر مع الصلاة أما الركن فينقضي، تقوم وتركع وتسجد، فالقيام والركوع والسجود من أركان الصلاة، والركن ينقضي، لكنَّ الشرط لا ينقضي، فمن شروط العمرة الإحرام، و الإحرام بالعمرة كالإحرام بالحج تماما، فإحرام العمرة هو إحرام الحج نفسه.
أما ركن العمرة فمعظمُ الطواف حول البيت، أي أربعة أشواطٍ، وأما واجبات طواف العمرة فهي نفسُها واجبات طواف الحج، كالهرولة والاضطباع، وما شاكل ذلك، سبعة أشواط لكن الاتِّصالَ بالمرأة قبل الطواف مفسِد للعمرة، ويجب عليه عمرةٌ أخرى وذبحُ شاةٍ، أي إذا لم ينتبِخ الشخصُ و كان في زيارة أقربائه وأحرم بالعمرة، وبعدئذٍ أحجم عن العمرة، وبقي في البيت، وحصل بينهما اتِّصالٌ زوجي فعليه ذبح شاة، وأن يقضيَ هذه العمرة بدلاً عنها.

واجبات العمرة:

وأما واجباتُ العمرة فالإحرامُ من الميقاتِ لمَن كان خارجَ المواقيت، و الميقاتُ المكان والذي هو خارج المواقيت يُسمَّى الآفاقي، ومن الحِلِّ، الحِلُّ الحرم المكِّي له حدود تزيد عنه عشرات الكيلومترات، هذه الحدود محدَّدة من جميع الطرق المؤدِّية إلى الحرم، فمن طريق المدينة المنوَّرة هناك التنعيم أو مسجد السيدة عائشة، فمن كان آفاقيّا فميقاتُ العمرة هو ميقاتُ الحج، أهلُ الشام لهم ميقاتٌ و أهلُ نجدٍ لهم ميقاتٌ، و العراقيون لهم ميقاتٌ، و اليمنيُّون لهم ميقاتٌ، و هكذا، و من كان بيتُه بعد الميقات فميقاتُ العمرة بالنسبة إليه هو الحّلُّ، أي حدود الحرم، وليس حدود مكة.
و من واجبات العمرة، الإحرام من الميقات لمن كان خارج المواقيت، و من الحِلِّ، و يُفضَّل التنعيم لمن كان في داخلها، و السعيُ لها بين الصفا و المروة، السعيُ للعمرة بين الصفا والمروة كسعيِ الصفا و المروة في الحج تمامًا، والحلقُ أو التقصيرُ، والحلقُ أفضلُ للرجل، و يتعيَّن التقصيرُ على المرأة كما مرَّ بنا من قبل.

سنن العمرة:

أما سنن العمرة فالإكثارُ من التلبية، و الاضطباعُ في الطواف، و الَّرمَلُ فيه والهرولة بين الميلين الأخضرين للرجل.
وأمَّا طريقةُ أدائها فهو أن يُحرِم لها من كان خارج المواقيت الآفاقية من المواقيت، و أما بالنسبة لمن وُجِد بمكة فميقاته للإحرام بها منطقة الحلِّ، و ذلك ليتحقَّق نوعٌ من السفر يركب الآن الحاجُّ في سيارة عامَّةٍ من باب الحرم تنقله إلى مسجد التنعيم، و هناك يحرم بالعمرة، و يعود إلى الحرم فيطوف، ويسعى، ويصلِّي ركعتين، و يحلق أو يقصِّر، ثم يتحلَّل، وأفضل أمكنة الحلِّ للإحرام بها التنعيم ثم الجِعْرانة.
وأحكام الإحرام بالعمرة كأحكام الإحرام بالحج، وكذا فرائضُها، وواجباتها، وسننها ومحرَّماتها، ومفسداتها، ومكروهاتها، وبحثُ الإحرام هو نفسُه بكلِّ دقائقه وتفصيلاته ينطبق على العمرة، لكنْ أحكامُ العمرة تختلف عن أحكام الحج في بعض الأمور منها:
أنها ليست بفرض، والحجُّ فرضٌ، قال تعالى:

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) ﴾

[سورة آل عمران]

فمن أنكر الحجَّ فقد كفر، أما العمرةُ فتختلف عن الحج في أمور ؛ منها أنها ليست بفرض وليس لها وقتٌ معيَّنٌ، وليس لها وقوف في عرفات، و لا بمزدلفة، و ليس فيها رميُ الجمارِ و ليس فيها جمعُ الصلوات، و ليس فيها خطبة و لا طواف قدوم، ولا طواف وداع، و لا تجب البدنةُ بإفسادها بالجماع قبل الطواف لها، أو بطوافها جنُبًا، بل تجب شاةٌ.
وميقاتها للمكِّي وغيره الحلُّ بخلاف الحج، ميقاتُ الحج للمكِّي بيتُه أو المسجد الحرام لكن ميقاتُ العمرة للمكِّيِّ ولمن هو بعد المواقيت من التنعيم، من منطقة الحلِّ، والمعتمر يقطع التلبيةَ عند الشروع بطواف العمرة، لبيك اللهم لبيك منذ أنْ تُحرِم من الميقات، أو من التنعيم إلى أن تدخل البيتَ الحرامَ، وتشرع في الطواف، وعندها تقطع التلبيةَ، و لكنْ في الحج متى نقطع التلبية ؟ عند أول جمرةٍ نلقيها بعد الوقوف بمزدلفة، رميُ جمرة العقبة في يوم العيد، عندها تُقطَع التلبيةُ، ويحلُّ محلّها التكبيرُ.
وهكذا من أراد أن يعتمر عليه أن يتنظَّف و يتطهَّر بأن يغتسل إن تيسَّر و إن لم يتيسَّر يتوضَّأ، و يلبس الرجُلُ إزارًا و رداءًا، و يصلِّي ركعتين ثم يقول بعدهما: اللهم إني أريد العمرةَ فيسِّرْها لي و تقبَّلها مني.
هنا سؤال يطرح نفسه ؛ لو أن مسلمًا ذهب إلى الحج مُفرِدًا، فليس عليه عمرة، لأن القارنِ عليه عمرة وحجّ متَّصلان، وعلى المتمتِّعُ عمرة وحجُّ منفصلان، وعلى المُفرِد حجٌّ فقط لكنْ يُستحبُّ أن يأتيَ بالعمرة بعد أيام الحجِّ، أي بعد اليوم الرابع من أيام العيد، على المذهب الشافعي، أو بعد اليوم الثالث من أيام العيد، على المذهب الحنفي، فله أن يأتيَ بعمرة بعد الحج.
فإذا دخل مكةَ طاف بالكعبة سبعًا، ويّسنُّ الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى والاضطباعُ للرجُل، ويصلِّي ركعتين، ويسعى بعدهما بين الصفا و المروة سبعًا، ويهروِل بين الميلين الأخضرين، ثم يحلق أو يقصِّر، والقصرُ أفضلُ، وبهذا تتِمُّ عمرتُه، وتفعل المرأةُ ذلك إلا أنها تبقى بثيابها وحجابها، وتكتفي بالتقصير من دون الحلق، ولا ترمَل، ولاتضطبع، ولا تهروِل في السعيِ، ولا ترفع صوتَها بالتلبية، قال تعالى:

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾

[سورة البقرة]

إذاً العمرةُ واجبةٌ.
هذا ما يتعلَّق بالعمرة، و بهذا تنتهي أحكام الحج و العمرة بشكلٍ موجزٍ، أما من أراد الحجَّ أو العمرةَ فعليه أن يُلِمَّ بتفصيلاتٍ أكثر، و قد قلتُ لكم قبل أسبوعين: إنني خصَّصتُ درسًا في السبت الماضي لمن نوى الحجَّ من الإخوة الكرام، و جلستُ معهم و تحدَّثنا في بعض التفصيلات.
الآن عندنا بحثٌ في الفقه يجب أن يُلمَّ به كلُّ مسلم، ألا وهو هذه الأحكامُ السبعة التي تدور على ألسنة المسلمين، مثلاً، الصلاة فرضٌ، الوترُ واجب، و صلاة الجنازة واجبة و صلاة العيدين واجبة، و الأضحيةُ واجبةٌ، وهناك فرقٌ بين الفرض والواجب، الآن سنراه، و هذه سُنة، و من ترك السنة فلا شيءَ عليه، و هذه مستحبٌّ، و هذا حرامٌ، وهذا مكروه تحريما وهذا مكروه تنزيها، وهذا مباح، هذه الأحكام السبعة، بين فرض وواجب و سنة و مستحب و حرام و مكروه تحريما و مكروه تنزيها و مباح، ثمانية أحكام، ما تفصيلاتها ؟ و ما تعريفاتها ؟ و ما حدودها ؟
قالوا: الفرضُ ما طلَب الشرعُ فعلَه طلبًا جازمًا، وثبت الطَّلبُ بدليل قطعي، ونحن عندنا دليل قطعي، ودليل ظنِّي، فإذا قال الله عزوجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) ﴾

[سورة البقرة]

وثمَّة أشياء كثيرة تثبت بالدليل الظنِّي، وسنرى بعد قليل مثلَ هذه الأمثلة، والدليل القطعي ليس له تفسير آخر، أي إذا قلتَ مثلاً:

﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) ﴾

[سورة الواقعة]

بعض العلماء استنبط بطريقة الظن أنَّ الأَولى أن تأكل الفاكهةَ قبل الطعام مثلا، فهذا استنباط ظنِّيٌّ، وليس استنباطًا قطعيًا، وعلماء الأصول وصفوا القرآن الكريم بأنه قطعيُّ الثُّبوت أن يكون هذا الكتابُ من عند اللهِ قطعيٌّ مائةً في المائةِ، لكنَّ مدلولات آياته بعضها قطعية الدلالة و بعضها ظنِّية الدلالة، فالفرض ما طلب الشرعُ فعلَه طلبًا جازما، و ثبت الطَّلبُ بدليل قطعي لا شبهة فيه، ومن الأدلة القطعية القرآن الكريم، و السُّنة المتواترة، وأعلى درجة في الحديث الشريف هو الحديث المتواتر، أو الإجماع، إجماع الأمة، ويجب أن تكون الدلالة قطعيةً و هي أعلى مراتب التكليف الشرعي، كالأمر بالصلاة و الصيام، و من أنكر الفرضَ فقد كفر و خرج من الإسلام، أما من تركه من غير إنكار فقد ارتكب حراما، وعليه العقابُ من الله تعالى فالفرضُ ما طلبَ الشرعُ فعلَه طلبًا جازمًا بدليل قطعي، ومن أنكره كفر، ومن تركه يُعاقبُ عليه من قِبَل الله عزوجل.
حكمُ الفرض، لزومُ فعلِه مع الثواب و العقوبةُ على تركه.
والواجب ما طلب الشرعُ فعلَه طلبًا جازما ولكنه دون مرتبة الفرض، لأنه ثبت بدليل ظنِّي، كصلاة الوتر، فهذا واجب، ودليلها ظنِّي، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام في أحاديث تحدَّث عن صلاة الوتر، ومن أنكرالواجب لا يُعتبَر كافرًا، ومن ترك الواجبَ دون أن ينكره فهو فاسق آثمٌ.
هناك بعضُ الملاحظات حول الفروض والواجبات، فالفرض و الواجب كلاهما لازِمُ الفعل، لكنّ الفرقَ بينهما أنّ الفرضَ يكفَّر منكرُه، فمن أنكر الوقوف بعرفة، أو أنكر حجاب المرأة فقد كفر، لأنه أنكر أمرًا ثبت عن الشارع بدليل قطعي لا شبهةَ فيه، أما من أنكر السعيَ بين الصفا و المروة فإنه لا يكفر، لأن السعي من الواجبات.
أما حكمُ الواجب فهو لزومُ فعله أيضًا مع الثواب، و العقاب على الترك كالفرض تماما هذا التقسيم و التفريق بين الفرض و الواجب عند السادة الأحناف، أما عند السادة الشافعية فلا فرق عندهم بين الفرض و الواجب، الفرض و الواجب في مرتبة واحدة.
وأما السُّنة، فيقال: هذه سنة، وهي دون مرتبة الفرض و الواجب، وهي ما طلبَ الشرعُ فعلَه طلبًا غيرَ لازمٍ، الفرْضُ و السُّنة، و الفرض و الواجب طلبٌ لازمٌ بدليل قطعي، و الإنكارُ معه كفرٌ، و التركُ فيه عقابٌ، أما السنة ما طلبَ الشرعُ فعلَه طلبًا غيرَ لازمٍ، و حكمُها أنه يُثابُ فاعلُها، ولا يُعاقَب تاركُها، لكنَّه يُعاتب من قِبل النبيِّ عليه الصلاة و السلام، فإذا كنتَ تحبُّ النبيَّ عليه الصلاة و السلام فإيَّاك أن يعاتبك، و من ترَك السنة لا يُعاقَب و لكنَّه يُعاتب، و الفقهاءُ قسَموا السَّنة قسمين ؛ السنن المؤكدة، وهي ما واظب عليها النبيُّ عليه الصلاة و السلام على فعلها، ونبَّه على عدم فرضيتها، أو تركها أحيانا قليلة، كصلاة ركعتين قبل الفجر مثلا، هذه سنة مؤكدة، بل إن العلماء يلزمون الإنسانَ إذا ترك هذا السنة أن يقضيها بعد شروق الشمس هذه سنة مؤكدة، والنبيُّ واظب عليها، ونبَّه إلى عدم فرضيتها، أو تركها أحيانا، و الأذان سنة مؤكدة، فإذا صلَّيتَ بغير أذان فقد أدَّيتَ الفريضةَ، و لكنَّك تركتَ سنةً مؤكَّدة، والإقامةُ سنة مؤكدة، وصلاة الجماعة في المسجد سنة مؤكدة، من تركها يعاتبه النبيُّ عليه الصلاة و السلام.
وأما السنة غير المؤكدة، وهي التي لم يواظب عليها النبيُّ على فعلها، بل تركها في بعض الأحيان، كصلاة أربع ركعات قبل العصر، فهذه سنة غيرُ مؤكدة، وقبل العشاء سنة غير مؤكدة، فالسنة يُثاب على فعلها، ولا يُعاقب من تركها، ولكنه يُعاتب، هي نوعان ؛ مؤكدة واظب عليها النبيُّ عليه الصلاة والسلام، ولم يتركها إلا قليلا، وأما غير المؤكدة فعَلها النبيُّ أحيانا.
من الأمور المستحسنة الاقتداء الكامل بالنبي الكريم
والمستحبُّ دون السنة المؤكدة و غير المؤكدة، يُثاب فاعله، و لا يُعاتَب تاركُه ومثاله تعجيلُ الإفطار، أذَّن المغربُ يُستحبُّ أن تعجِّل الفطورَ، أخّرت إلى العشاء تركتَ المستحبَّ وليس واجبا، تأخيرُ السُّحور إلى الساعة الثانية عشر، تركتَ المستحبَّ لكنك لا تعاتَب، و المستحبُّ يُعدُّ من نوع الاقتداء بالنبيِّ عليه الصلاة و السلام، النبيُّ الكريم عليه أتمُّ الصلاة و التَّسليم كان بعد العشاء لا يسهر أبدا إلا في موضوعٍ ديني، سهرة في غير مجلس علمٍ لا يسهر أما إذا كان فيها دعوةٌ إلى الله، أو مجلس علم، أو في حَّلِّ قضية، أو في إصلاح بين فريقين أو في إصلاح ذات البين، فهذا مُستثنى، أما سهرةٌ في كلام فارغ كلام ليس منه جدوى، إلى الساعة الثانية عشر، أو الثانية ليلاً، فهذا غيرُ مقبول، لكن إذا خشي المسلمُ أن تفوته صلاة الفجر فما أدَّى إلى ذلك فحرام، والاقتداءُ الكاملُ للنبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم من الأمور المستحسنة لأن الأخذَ بها من قبيل الأخذ بأحسن الأساليب و أصحِّ الطرق، ومن قبيل المحبَّة الكاملة و التكوين الصَّحيح، وأن هذا الإنسانَ الذي يفعل المستحبَّاتِ لا يستحقُّ العقابَ ولا الملام ولا الذَّم والعلماءُ قالوا: هذه المستحبَّاتِ والسنن بمنزلة الحرس للفرائض والواجبات، فمن ترك المستحبات و السنن أوشك أن يترك الفرائض، و من حافظ على المستحبَّات و السنن فهو على الفرائض أحفظُ، فكأنها حارسٌ.
أمّا الحرامُ فما طلبَ الشرعُ تركَه طلبًا جازما، و ثبت هذا الطلبُ بدليل قطعيٍّ لا شبهة فيه، مثالُه قتلُ النفس، قال تعالى:

﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾

[سورة الفرقان]

دليل قطعي، آيةٌ قرآنية، وفي شربِ الخمرِ، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) ﴾

[سورة المائدة]

"فاجتنبوه" فعلُ أمرٍ، أي هذا حرام، وإلحاقُ الأذى بالآخرين، قال عليه الصلاة السلام: اثنان لا تقربهما ؛ الإشراك بالله و الإضرار بالناس.
حكمُ الحرام، وجوبُ اجتنابه، والعقوبة على فعله، بخلاف الفرض، الفرض وجوبُ فعله، والعقوبة على تركه.
وعندنا مرتبة اسمها المكروه كراهة تحريم، وهو ما طلب الشرع تركه طلبًا جازما ولكن ثبت طلبُ الترك بدليل ظنِّي، مثاله، لُبسُ الحرير، والتَّختُّم بالذهب بالنسبة للرجال، هذا مكروه كراهة تحريمية، لأن الدليل ظنِّي، أما الحرام فبدليل قطعي.
حكم هذا المكروه كراهة التحريم الثَّوابُ على تركه، والعقاب على فعله، أي إنه قريب من المحرَّم بعض الدرجة، والمقياس دقيق، فرَض، واجب، حرام، ومكروه كراهة تحريم ومن أنكر الحرامَ فقد كفر، و ارتدَّ عن الإسلام، أمَّا من أنكر المكروهَ تحريمًا فإنه لا يُكفَّر، بل يُفسَّق و يَأثم، و هذا التقسيم بين الحرام و المكروه تحريما انفرد به الأحنافُ، كما انفردوا في تقسيم الأفعال إلى فرض وواجب، فرض، واجب، حرام، مكروه تحريمًا، هذا التزم به الأحنافُ، أما السادةُ الشافعية وبقيَّةُ المذاهب عندهم الفرضُ كالواجب، والحرام كالمكروه تحريمًا.
وعندنا المكروه كراهة تنزيه، وهو ما طلَبَ الشرعُ تركَه طلبًا غيرَ جازمٍ، و من غير إشعارٍ بالعقوبة، بل يُرجَّح جانبُ الترك على جانب الفعل من غير إلزام، وهذا المقابل للسنة والمستحبِّ، فما دلَّ على أنه سنة أو مستحبٌّ فتركُه مكروهٌ تنزيهًا، و كما تتفاوت درجاتُ السنَّة تتفاوت درجاتُ الكراهة .
المباح ما لا يكون مطلوبا فعله ولا تركه كالطعام
وحكمُ المكروه، يُثاب تاركُه و يُلامُ فاعلُه، هذا تفسير المباح، واحد طبخ فاصولياء لا ثواب له و لا عقاب عليه، هذا طبخ فاصولياء، و هذا طبخ بطاطا، هذا جلس في غرفة القعود، و هذا نام على الفراش، هذه أشياء كلُّها مباحة، فالمباحُ ما لا يكون مطلوبًا فعلُه و لا تركُه، فلك أن تنام على سرير، أو على الأرض، ولك أن ترتديَ ثيابًا بيضاء، أو سوداء، أو ملوَّنة، ولك أن تجلس على كرسيٍّ أو على الأرض، ولك أن تأكل هذا الطعامَ، أو ذاك الطعامَ، هذه كلُّها مباحات،فليس مطلوبًا فعلُه و لا تركُه، قد يكون الإنسانُ فيه مخيَّرًا بين الفعل و الترك كاختيار نوع من الطعام و الشراب، و قد عرَّف العلماءُ المباحَ بأنه الفعلُ الذي لا يترتَّب عليه ثوابٌ و لا عقابٌ و لا عتابٌ، إلا في حالة واحدة، إذا قصد المسلمُ بالمباح أن يتقوَّى به على طاعة الله انقلب المباحُ عبادةً، كَمَنْ نوى أن يأكلَ ليتقوَّى على طاعة الله، نوى أن يرتدِيَ هذه الثيابَ ليدفع عن نفسه انتقادَ الآخرين، لأنه يمثِّل الدينَ، إذا فعلتَ المباحَ نويت بهذا الفعلِ أن تصُدَّ عن الإسلام الانتقادات، أو أن تتقوَّى على طاعة اللهِ، فهذا المباحُ يثابُ فاعلُه.
هذه المعلومات عن الفرض و الواجب و السُّنة و المستحبِّ و الحرام والمكروه كراهة تحريم و كراهة تنزيه و المباح، كلُّها أحكامٌ لا يحسُنُ أن تفعل فعلاً فيِ حياتك كلِّها، إلا وأن يُوصفَ ببعض هذه الأحكام.

والآن إلى قصَّةٍ من قصص الصالحين، حدَّث رجلٌ من مشيخة بلْخٍ ممن أدرك الأشياخَ و المعمَّرين قال: كان أبي رحمه اللهُ يحبُّ الصالحين، و يعجبه شأنُهم، فكان ممَّا حدَّثنا من أحاديثه عنهم قصة رؤيا رآها في بلخٍ، قال كان في بلخٍ منذ نَيِّفٍ وثلاثين عامًا أبو محمَّد سعيد بن إبراهيم اللَّخْمي البغدادي المحدِّث الزاهد الذي كان يُلقَّب بحكيم هذه الأمة، لِما أوتيَ من الحكمة و فصل الخطاب، فلكأنه يُلقَّى علمَ النورِ، وشواهدَ الحكمة الإلهية، وطرائف الفتح اللَّدُنِّي و كان رحمه اللهُ ؛ هذا العلم الجليل ؛ قِمَّةً في إهابِ رجُل، نسيجَ وحدِه، فلا تجده إلا صائمًا قائمًا تاليًا لكتاب اللهِ عزوجل، معلِّمًا للناس بحاله و مقالِه، رُزِق همَّةً دونها ههمُ الشباب، فهو لا يفتر طيلةَ ليله، و سحابة نهاره عن الدرس والتدريس، والذكر وتلاوة القرآن، حتى كأن اللهَ عزوجل مدَّ له في نهاره، ونسأَ له في ليله، فَلَيْسَا من نهار الناس، ولا ليلهم، وهو يعمل في اليوم الواحد عملَ غيره في سنة، فيه بركة، أحيانا - سبحان الله - تُنزَع البركةُ من وقت الإنسان، فلا يوجد إنجازٌ أبدًا، و يُستهلَك الوقتُ استهلاكا رخيصا، استهلاكا مُتعِبا، استهلاكا مزعجًا، و هناك إنسانٌ يبارك اللهُ له في وقته، و بعضُ الأحاديث تقول: من أخّر الصلاة عن وقتها أذهب اللهُ البركة من عمره
قال أبي رحمه اللهُ: و كان من شأن الشيخ أن أهلَ بلخٍ كانوا مُجمِعين على جلالته وكِبِر شأنه لِما يُشاهدونه من أحواله في خلواته وجلواته، و مع حاله مع الخلق، أما شأنُه مع الحقِّ تبارك و تعالى فكان أمرًا عجيبا، كان يتلو كتاب الله عزوجل فلا ترقأُ له دمعةٌ، و لا يجِفُّ له جفْنٌ، و لا يهدأ له شجنٌ، و كان رحمه اللهُ يقوم الليلَ فيُسمَع لصدره أزيزٌ كأزيز المِرْجل بعيدًا عمَّا يسخِط اللهَ، قريبًا ممَّا يرضيه، و كان في حياته بسيطًا بساطة الزاهدين متوضعًا تواضع العارفين، منكسِرا انكسار الوجِلين الخائفين، فما كان الشيخُ رجلا من أبناء الدنيا، بل كأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى أحبَّ أن يجعله حُجَّةً على عباده، فأقام شيخَنا في هذا المقام، مقام الملوك و كان الشيخ أبو محمد رحمه اللهُ تعالى ممَّن صحِب الحكماءَ، ورأى أحوالَهم، فكان لا يكاد يعجبه كثيرٌ من أحوال أبناء زمانه، و كان على جلالة قدره لا تكاد تجد عنده شيئا من نعيم الدنيا و لاغِياثها، فالدنيا كلُّها لا تساوي عنده خَرْدلةً، و لكأنه رجلٌ لم يُخلَق لزمانه، فهو بقيَّةٌ من السَّلف الصالح رضوان اللهِ عليهم، أطلَّ على أهل هذا الزمان من وراء سجاد الغيث.
قال أبي رحمه اللهُ: و في ليلةٍ قمراءَ من ليالي الصيف النَدية، تداعى القوم إلى ندِيِّهم في باحةٍ قوراءَ من دون إخوان الشيخ ومحبِّيه، فلما اكتمل الأصحابُ، وسلَّم كلٌّ على الآخر وأخذ مجلسَه من الشيخ، انطلق أحدُ إخوانهم يقول للشيخ: يا أبا محمَّد حدِّثْنا عن أوَّل أمرك كيف اهتديتَ إلى الله، و كيف صحِبتَ علماء زمانك ؟ ومن هو الشيخُ الذي تحدِّثنا عنه كثيرا في مجالسك ؟ تقول: قال شيخُنا، وقال شيخُنا، من هو شيخُك ؟ و ما إلى ذلك، وأنت قد أدركتَ بحمد اللهِ عليَّةَ العلماء و صحبتَهم، فحدِّثنا عنهم، ولقد واللهِ تتنزَّل الرحمةُ بذكرهم، و إن ذكرَ أحوالهم ليحيي القلوبَ الميِّتةَ كما تحيا الأرضُ العطشى بوابل السماء.
قال الشيخُ: - هذه القصة اخترتُها لكم لتمزَّقوا حظوظَ اليأس، و استمعوا إلى ماضي هذا الشيخ - قال الشيخُ: كنتُ في بداية أمري صافرًا، أي مخادعا، عيَّارًا، رجلَ سوءٍ، لا يكاد ينجو مني بيتٌ من بيوت بغداد، و كنتُ إلى ذلك مُدمِنا على الخمر، منقطِعًا إلى المعاصي و الموبقاتِ، غارقًا فيها، لا أكاد أفيق من سُكْرٍ حتى أرجع إليه، ولا أكاد أترك كبيرةً من الكبائر حتى أقع في أكبرَ منها، ونفذ المالُ من جيبي في يوم جمعة قائضٍ من أيام رمضان، و حدَّثتني نفسي المعصية و لكن لا سبيلَ إليها، فالشهرُ مباركٌ، وقد هلَّ هلالُه، والناسُ منصرفون إلى العبادة و الذِّكرِ و تلاوة القرآن، و حان وقتُ صلاة الجمعة، ولا مفرَّ من دخول المسجد الجامع لأداء الفريضة، فالعصاة يتوبون إلى الله في مثل هذا الشهر، و ينصرفون عمَّا هم فيه إلى طاعة الله عزوجل، و لا يبقى في الطريق وقتَ صلاة الجمعة في مثل هذا الشهر إلا ذمِّيٌّ كافرٌ أو زنديقٌ مارقٌ أو صاحبٌ عذرٍ مشروع، كسفر أو مرض شديد، و لستُ من هؤلاء و لا من هؤلاء، و ذهبتُ إلى داري فاغتسلتُ ثم دخلتُ الجامعَ، وتهيَّأتُ للصلاة، وجلستُ مُنصِتًا حتى انتهى الخطيبُ من الخطبة، فقمتُ إلى الصلاة، وأنا لا أكاد أفقه شيئًا ممَّا قال، ولما انتهت الصلاةُ و أزمعْتُ الانصرافَ لا ألوِي على شيءٍ، و أنا أفكِّر في حيلةٍ أستحوذ بها المالَ من أصحابه، فما راعني إلا ضجيجٌ يملاُ المسجدَ، فالتفتُّ فإذا جموعُ المصلِّين تتحلَّق حولَ ساريةٍ من سواري المسجد، يزحم بعضُهم بعضًا، حتى كادت الرِّقابُ تتخطَّفُ من شدَّة الزِّحام، و تكاثر القوم لهولِ الموقف، و امتدَّت الأعناقُ إلى السارية فوقفتُ أنظرُ، وكان جانبي رجلٌ مُسِنٌّ وقورٌ، تظهر عليه سِيمَ الصلاح والتقوى، فقلت له على استحياءٍ:يا سيِّدي على مَن يتحلَّق القومُ ؟ و يزحم بعضُهم بعضًا، و قبل أن يجيب الرجلُ حانتْ مني التفاتةٌ فإذا أنا بشيخٍ مجيدٍ جليلٍ تعلو مُحيَّاهُ مَسحةٌ من النور، تخطَّى القومَ بتواضع جمٍّ، و لطفٍ بالغٍ حتى وصل إلى السارية فقام فصلى ركعتين ثم استوى قائمًا أمام القوم، فلكأنه حين وقف إليها خبرٌ طلع على الناس بليل فارتفعت أصواتُ القوم بالتكبير و التَّهليل، و الشيخُ يبتسم عن ثغرٍ كأنه ثنايا اللؤلؤ، و هدأ القومُ والتفت الرجلُ الجالسُ بجنبي إليَّ، وقد امتلأتْ نفسي من الشيخ، و شُغِلتُ به، فلم يعُد فيها أثرٌ من باطلٍ، بل غسله الشيخُ بأنواره غسلاً، و أفاض عليها من بركات علمه ما حيَّرني و سمّرَني في مكاني، حتى و كأن الشيخَ كائنٌ روحاني هبط إلينا من الملإ الأعلى ليغسل نفوسنا من أدرانها و يملأها بأنوار الحقِّ، بعد أن امتلأت بظلمة الباطل، و التفت الرجلُ إليَّ قائلا: يرحمك اللهُ يا أخي أمَا تعرف الشيخَ ؟ إنه إمامُ المسلمين اليوم سفيانُ الثورِي، الفقيهُ المحدّثُ الزَّاهدُ، ووقع كلامُ الرجل في قلبي موقعَ الماء البارد من الظمإ، و زادني اسمُ الشيخ له حُبًّا و تعظيماً، فلقد كنتُ أسمع في مدارس بغدادَ عن كمال معرفته و سَعة علمه و ورعه و زهده، فلمَّا رأيتُه تضاءل عندي ما سمعته عنه أمام ما ما رأيتُه عنه، و لقد كان شيخُنا سفيان الثوري قد رأى علِيَّةَ العلماء و أكابرَ الفقهاء و المحدِّثين، و سالفَ الصالحين، و سمع منهم و أخذ عنهم، فقال الشيخُ أبو محمَّدٍ: و نفضَ الشيخُ القومَ بنظره، و أجال فيهم بصرَه، ثم حمِد اللهَ، وأثنى عليه، وبدأ في شرح قوله عليه الصلاة و السلام:

(( الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))

[رواه أحمد عَنْ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيد]

قال: هذا الحديثُ يُعدُّ من جواهر السُّنة، ودلائل النبُوَّة، فليس الجهادُ محصورًا في قتال الكفَّار، بل في محاربة الشيطان في النفس الإنسانية، فحينما يخالف المرءُ هوى نفسه لطاعة ربِّه، فيكبح جماحَها عن بعض المباح كي لا تطالبَّه ببعض المشبوه أو الحرام، يورث اللهُ له في قلبه حلاوةً ما ذاق عبدٌ أطيبَ منها في الدنيا.
من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه
فإذا تركتَ المباحَ خوفًا من الله عزوجل تذوقتَ في قلبك حلاوةً لا تذوق أطيب منها في الدنيا، حيث تتصاغر أمامها كلُّ حلاوة، و تروم اتِّجاهها كلُّ لذَّةٍ، فمن ترك شيئا لله عز وجل عوَّضه اللهُ خيرًا منه، و حسبُ العبدِ حين يفعل ذلك أن يجعل اللهُ تبارك و تعالى في لسانه نورًا و فرقانًا، و في قلبه علمًا و حكمةً، يتفجَّران من قلبه على لسانه، و ترى لكلامه صولةً في النفوس، ولنظراته دولةً في القلوب، لا تكادُ تجدها لغيره من الناس ممَّن لا يزالون يتعبون أنفسهم في تنميق الكلام و ترصيفه، و ما يزيدون على أنهم يجهدون في تحويل تمثالِ من الجِصِّ إلى عروسٍ عن طريق وضع الزينة عليها، الأطراف في أذُنها، و العقدُ في صدرها و ثيابُ العرس على بدنها، فهل هذا كلُّه يصنع من هذا التمثال عروسًا تنطق و تعقِل ؟
فمهما بيَّنتَ لي التمثالَ، فإنه يبقى تمثالاً، فالكلامُ دون قلبٍ، و دون حالٍ، ومن دون إخلاص وتأثُّرٍ، والتزامٍ و إقبالٍ لا يؤثِّر، لهذا و أمثاله كان الزُّهادُ هم ملوكُ الدار الآخرة، لا تخضع ملوكُ الدنيا إلاّ لهم، و لا تسمع إلا منهم، ولا تلين إلا معهم، بل إن عظمة الملِك لتذوب أمام عظمة الزُّهاد، وإن للزهَّادِ دولةً أين منها دولة الملوك.
قال الشيخُ: بلغنا أن محمد بن واثق رحمه اللهُ - وقد مرَّ معنا في سير من التابعين - دخل على بلال بن أبي بردة الأمير في يومٍ حارٍ، و بلالٌ في ظلٍّ ظليلٍ و عنده الثلجُ، الآن يدخل الرجل إلى بيته المُكيَّف، و خارج البيت تسعة وثلاثون درجة، فيجد الجوَّ ثمانية عشر مُريحًا، فقال هذا الأميرُ لهذا الشيخ الزاهد: كيف ترى بيتَنا هذا، إن شاء اللهُ سُرِرتَ ؟ فقال: إن بيتَك لطيِّبٌ، والجنةُ أطيبُ منه، وذكرُ النار يُلهِي عنه، قال: ما تقول في القدَر أيها الشيخُ ؟ فقال: جيرانك أهلُ القبور، ففكِّر فيهم، فإن فيهم شُغلاً عن القدَر، هذه الموضوعات لا تُجدي هؤلاء الذين دُفِنوا هم في شُغلٍ عن هذه الموضوعات، قال: اُدْعُ لي، قال: و ما تصنع بدعائي و على بابك ألفٌ من الخلق يقولون: إنك ظلمتَهم، فيُرفع دعاءُهم قبل دعائي، لا تظلم فتحتاج إلى دعائي، هذا موقف عالمٍ زاهدٍ.
قال أبو محمد: و نظرتُ إلى الناس و قد أجهشوا بالبكاءِ، ورفعتُ عينيَّ إلى الشيخِ فإذا عيناه مُغْرَورِقتان بالدموع، يمسحهما بيده وهو يقول:

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) ﴾

[سورة السجدة]

باب الجنة مفتوح لكلِّ الناس، ولكلِّ عاصٍ، مفتوح لكلِّ من ارتكب الكبائرَ، ولا بدَّ أن تتوب، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىأَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) ﴾

[سورة الزمر]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018