بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الحج - الدرس : 01 - حكم الحج


1987-08-23

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإسلام عقيدة و شريعة :

أيها الأخوة المؤمنون ؛ بعض الأخوة الأكارم رَغِبَ أن يكون موضوع هذا الدرس عن حِكَمِ فريضة الحج التي فرضها الله علينا ، وكنت قد ذكرت في الخطبة يوم الجمعة بعضاً من هذه الحِكَم ، وأنا أستجيب لهذه الرغبة ، فأجعل جُلَّ هذا الدرس أو بعضه بحسب التيسير في موضوع الحج .
بادئ ذي بدء أقول : الإسلام عقيدةٌ وشريعة ، لخَّصها الله سبحانه وتعالى في آيةٍ واحدة فقال :

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

هذه العقيدة " لا إله إلا الله " فلو ضغطتها كلها ضغطاً كثيفاً كثيفاً ، لانتهت بقوله تعالى :

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة محمد : 19 ]

لذلك قال العلماء : نهاية العلم لا إله إلا الله ، هي كلمةٌ خفيفةٌ على اللسان ، ثقيلةٌ في الميزان .
وهنا نقطة دقيقة أتمنى على الله عزَّ وجل أن يوفقني إلى توضيحها ، وهي أنّ فهم الآية شيء وأن تكون في مستواها شيءٌ آخر ، بل شتانَ بين فهم الآية وبين أن تكون في مستواها ، فقد تفهم قوله تعالى :

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة محمد : 19 ]

يكتمل إيمان المرء عندما يكون بمستوى لا إله إلا الله
ولكن إذا كنتَ في مستواها فإن إيمانك بهذه الكلمة ، أو بأنه لا إله إلا الله يحملك قطعاً وحتماً على طاعة الله ، فمن كان في سلوكه خَلَل ففي عقيدته خلل ومن كان في سلوكه معصية فإيمانه بأنه لا إله إلا الله لم يُسْتَكْمَل بعد ، فنحن إذا قسَمنا الإسلام إلى عقيدة ، فهذه العقيدة تنتهي بقول لا إله إلا الله ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ لا يَسْبِقُهَا عَمَلٌ وَلا تَتْرُكُ ذَنْبًا ))

[ ابن ماجة عَن أُمِّ هَانِئٍ ]

وإذا تركنا العقيدة جانباً ، فهناك جانب العبادات التي تتمثَّل بقوله تعالى :

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف : 110 ]

في الإسلام جانب نظري ، وجانب اعتقادي ، وجانب فكري ، وجانب عقلي هذه كلها مرادفات ، وفي الإسلام جانب سلوكي ، وجانب عملي تطبيقي ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال يؤكِّد ذلك :

(( تعلموا ما شئتم فوالله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم ))

[رواه ابن عدي في الكامل ، والخطيب البغدادي في كتاب اقتصاد العلم للعمل عن معاذ ابن جبل]

وقال أيضاً : كل علمٍ وبالٌ على صاحبه ما لم يعمل به ، فجانب العمل قَسَمَهُ العلماء قسمين ، عباداتٌ ومعاملات ، علاقتك مع الله تنظِّمُهَا العبادات ، وعلاقتك مع الناس تنظمها المعاملات ، لذلك أحكام البيع والشراء ، والزواج والطلاق ، والإيجار والشرِكات ، والمُضاربة المُزارعة والمساقاة ، وأحكام الوديعة واللقطة والأيْمَان ، كل هذه الأحكام مهما اتسعت وتعددت وتشعَّبت فإنها تنضوي كلها تحتها تحت عنوان المعاملات ، وهي علاقتك بالخلق .
أما علاقتك بالحق فهذه تنظمها العبادات ، وفي مقدمتها الصلاة ، والصلاة في كل مكان وزمان ، في الصحة والمرض ، والغنى والفقر ، وفي الحَضَر والسفر ، فلا يمكن أن ينقطع الإنسان عن الصلاة إلا في حالتين ؛ الإغماء والجنون ، ولو كان في مرضٍ شديد فله أن يصلّي بالإيماء ، أو بجفنه ، أو بعينه .
قلت لكم قبل قليل : الله سبحانه وتعالى أمرنا بأوامر بعضها عبادات وبعضها مُعاملات ، والمعاملات جاءت أحكامها الكُلِّيَةَ في كتاب الله وسُنَّةِ رسول الله ، وجاء العلماء المجتهدون فاستنبطوا الأحكام التفصيلية من هذه النصوص الكلية فكان الفقه ، فالفقه هو أحكامٌ مستنبطةٌ من الكتاب والسُنَّة ، والفقه أحكام اجتهادية ، وأما العبادات فأحكام الله التي أَلْزَمَ عباده بها ، فالصلاة مثلاً " الصلاة عماد الدين من أقام فقد أقام الدين " ، فهدف الصلاة أن تصل بها إلى الله ، والصيام لعلكم تتقون ، وهو أن تصل به إلى الله ، والصلاة عبادة بدنية ، والصيام عبادة بدنية ، أما الزكاة فعبادةٌ مالية ، وأما الحَج فهو عبادةٌ بدنيةٌ ، وماليةٌ ، وروحيةٌ ، مكانيةٌ وزمانيةٌ في وقتٍ واحد ، ويبدو أن الحج من أعلى العبادات مستوىً ، لأسبابٍ كثيرة . .

 

العبادات طريق لمعرفة الله عز وجل :

بادئ ذي بدء ، الله سبحانه وتعالى خلق الكون لنستدلَّ به على ذاته ، وعلى أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، فالكون تجسيدٌ لأسمائه الحسنى ولصفاته الفضلى ، ومن أسمائه العليم ، فهو العليم الحكيم ، وهو الرؤوف الرحيم ، وهو القدير الغني ، وهو السميع البصير ، فكل هذه الأسماء الحسنى لا بدَّ أن تعرفها من خلال الكون ، فالكون دالٌ على عظمته، والشيء الثاني أن العبادات لو تأمَّلت فيها تأمُّلاً صحيحاً لكان هذا التأمُّل طريقاً إلى معرفة الله سبحانه وتعالى .
الكون تجسيد لأسماء الله الحسنى ولصفاته الفضلى
فالحج بشكلٍ مختصر أن الله سبحانه وتعالى يقول لك : أن يا عبدي تعالَ إليّ أمَّا الصلاة فصلِّ وأنت في بيتك ، وأنت في بلدتك ، وأنت بين أهلك ، وأنت في مجتمعك ، وأنت بين قومِك ، والزكاة ادفع من مالك ، والصوم دعِ الطعام والشراب ، لكن الحجَّ تعالَ إليّ ، كما قال الله عزَّ وجل على لسان سيدنا إبراهيم :

﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

[ سورة الصافات : 99]

إنّ الإنسان يسافر بدافع التجارة ، وقد يُسافر بدافع التعلم ، وقد يسافر بدافع الاستجمام والسياحة ، فالحج بشكلٍ أو بآخر رحلةٌ إلى الله عزَّ وجل ، تعالَ إليّ واترك همهومك، دع عنك هذه الشهوات التي أثقلت ظهرك وتعال إليَّ ، دع هموم المعاش في بلدك وتعالَ إليّ ، دع هموم العمل في بلدك وتعالَ إليّ ، دع هموم صحَّتك في بلدك وتعالَ إلي ، وأكثرُ الذين حجوا بيت الله الحرام يؤكِّدون هذه الحقيقة ، وهذه حكمة الله البالغة ؛ أن الهموم التي يحملها الإنسان في بلده سواءٌ أكانت هموم المعاش ، أو هموم العمل ، أو هموم الأُسرة ، أو هموم الصحة ، ُيجَمِّدُها الله سبحانه وتعالى كلها ، ويريحك منها ما دمت في ضيافته في بيت الله الحرام ، فهذه فرصة للإنسان لكي ينسلخ عن هموم الدنيا ، خلِّ عنك وتعالَ ، دع عنك الهموم كلها ، تعالَ إليّ يا عبدي ، فهو أمر إلهي ، وخالق الكون يقول لك :

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾

[ سورة آل عمران : 97 ]

تترك أهلك وولدك ، وتتحمل مشاق السفر ، وتنفق من مالك عشرات الألوف من أجل أن تلبِّي هذه الدعوة ، ثم ترجع كما ذهبت ؟ هذا مستحيلٌ في حق الله عزَّ وجل ، ولا تصدِّق أن إنساناً يترك بيته وأهله وبلده وعمله ، ويدفع عشرات الألوف ، ويتحمَّل المخاطر والازدحام والحَرَّ من أجل أن يتواجد جسمياً في عرفات ، أو من أجل أن يطوف حول الكعبة طوافاً مادياً ، أو من أجل أن يسعى بين الصفا والمروة سعياً مادياً ، فالله سبحانه وتعالى جلَّ وعلا أن يكون أمره كذلك . قال لك : تعالَ إليّ لأذيقك طعم القرب ، تعال إليّ لتعرف طعم المحبَّة ، تعال إلي لترى أن الله عزَّ وجل هو كل شيء . . وأن كل شيء سوى الله باطل ، وأن كل نعيمٍ لا محالة زائل . .

ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
***

فالحج فرصةٌ واحدة في العمر ، وقد تكررها مراتٍ كثيرة بحسب الذي حَصَّلْتَهُ في هذه المرة .

 

حكم الحج :

1 ـ الإقبال على الله يعينك على أن تقبل عليه و تنعم بقربه :

إذاً يجب أن نستنبط عظمة الله عزَّ وجل لا في خلقه فحسب بل في تشريعه ، وليس في تشريعه فحسب بل في عباداته ، ولا في الصلاة والصيام والزكاة فحسب بل في الحج، فلو أن إنساناً كان بعيداً بُعداً كبيراً عن الدين ، ورأى الحجاج يطوفون ويسعون ويرجمون ، ولم يعرف الأحوال النفسية التي ترافق هذه المناسك لظنَّ بالحج الظنون .
حكمة عبادة الحج أن تغادر الدنيا وتقبل على الله
إذاً أول شيء كما أن الكون خلقه - هذه الكلمة دققوا بها - ومن خلال الكون تتبدَّى عظمته ، كذلك هذه العبادة أمره ، ومن خلال هذه العبادة يجب أن تتبدَّى عظمة الله عزَّ وجل سواءاً بسواء ، فالله عزَّ وجل حينما قال لك : تعال إليّ قطع عنك الهموم ، وحينما أمرك أن تنفق من مالك الحلال من أجل أن تصل إلى بيته الحرام ، جعلك تنفق من أجله حتَّى تُحِسَّ أن لك عنده حظوة ، فإذا دعوت إنسانًا وتكلَّفتَ في الدعوة تشعر أنك قدَّمت له شيئًا ، والله عزَّ وجل غني عنك . .

﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الحج : 37 ]

فقد أمرك أن تبتعد عن مكان الهموم ، وعن هموم المعاش وهموم العمل والأسرة والصحة ، وقال لك : تعالَ ، وأنفق أجرة الطريق ، ورسم الدخول ، وأجرة الإقامة ، وثمن الطعام والشراب ، وثمن الهدي ، وبهذا الإنفاق تشعر أنك قدَّمت شيئاً ، كأن الله عزَّ وجل يعينك على أن تُقبل عليه ، فيقدِّم لك المبرر والمسوِّغ كي تُقبِل عليه ، إذاً حكمة هذه العبادة أنْ تغادر بيتك، وبلدتك ، ومكان إقامتك ، وأهلك ، وزوجتك ، وأولادك ، وعملك ، وعزك ، وشأنك ، وجاهك ، وهذه الأشياء التي تَسْعَد بها دعها كلها وتعالَ إليّ ، هذا أول معنى ، تركتها وتجشَّمت مشاق السفر ، فشعرت أن لك عند الله حظوة ، وكأن الطريق إلى الله عزَّ وجل صار سالكاً وأبواب السماء قد فُتِحَت لك ، حتّى أصبح الإقبال على الله ميسراً لك ، وكأن أنوار الله عزَّ وجل أصبحت قريباً منك ، وأصبحت المناجاة في مقدورك وكأنك تصنعها ، وكأن القرب والإقبال أصبحا قريبي المنال ، هذا هو المعنى الأول . فقد حملك على أن تقبل عليه ، فحملك على أن تَنْعُمَ بقربه ، فحملك على أن تسعد بالاتصال به ، فهذا هو المعنى الأول .

 

2 ـ الحج يحجم الإنسان و يريه حقيقته :

أما حينما أمرك أن تُحْرِم هناك ، وأن تدخل بيته الحرام من المواقيت مُحرماً ، وتخلع عنك الثياب المخيطة ، فلو أن الحج سُمِحَ فيه بالثياب ، لجاء هذا بالزي الفلاني ، وهذا بالثوب الفلاني ، وهذا الثوب غالي الثمن ، وهذا ألوانه زاهية ، وهذا خيط خياطةً راقية ، لعادَ التفاوتُ بين الناس ، ويعود النظر إلى ما عند الناس ، فأمَرَك أن ترتدي ثوبين أبيضين بسيطين غير مخيطين من أجل شيءٍ واحد ؛ من أجل أن يكون الناس كلهم سواسيةً في نظر الله عزَّ وجل وهم كذلك ، لذلك لا فرق بين الكبير والصغير ، ولا الغني والفقير ، ولا الذي له سيطٌ ولا خامل الذِكْر ، الكل عند الله سواء ، كأن الله يشعرك أن يا عبدي هناك رحلة أخيرة تُنزَع منك كل هذه الأقنعة المُزَيِّفة ، فالمال تتركه والجاه والأهل تتركهم ، وكذا الزوجة والأولاد ، وكل الميزات التي تنعم بها في بلدك لا بدَّ من التخلِّي عنها ، إذاً كأن الحج رحلة قبل الأخيرة .
في الرحلة الأخيرة تدع كل شيء بلا عودة ، إنها مغادرةٌ بلا عودة ، لكن الرحلة قبل الأخيرة مغادرةٌ موقوتةٌ مع العودة ، من أجل التدرُّب على الرحلة الأخيرة التي لا عودة فيها ، فدع عنك الدنيا قبل أن تدعك ، دعها عنك قبل أن تدعك هي ، وتخلَّ عنها قبل أن تتخلى عنك ، اعرِفْ حقيقتها قبل أن تصطدم بها ، هذا هو حجمك ، عبدٌ ضعيفٌ فقيرٌ ، أشعث أغبر ذو طمرين ، يقف على أرض الله الواسعة في الموقف في عرفات ، أو حول البيت الحرام ، أو بين الصفا والمروة ، عبد حجمك صغيرٌ ، وشأنُك حقير ، فهذا الحج إن صح التعبير يُحَجِّمُ الإنسان يريه حقيقته كما قال الله عزَّ وجل :

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾

[ سورة الأنعام : 94 ]

لقد تركت هموم المعاش ، وتجشَّمت مشاق السفر ، وخلعت عنك كل الزينة ، هذه كلها تمهيدات لإِحكام الصلة ، لأن الإنسان قد يصلي في بلده ، قد يصلي صلاةً شكلية ، ويعيقه عن هذه الصلاة همومه ، ومشكلاته ، أو دنياه ، وقد يُعيقه ماله ، أو شأنه ، فالله عزَّ وجل أعانك على نفسك في الحج ، وقال لك : تعالَ إليّ لأحُطَّ عنك ذنوباً أثقلت ظهرك ، لذلك " إذا رجع العبد إلى الله عزَّ وجل نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله " . . فبشكل أو بآخر الحج صُلْحٌ مع الله ، بالتعريف الدقيق هو صلحٌ مع الله . فإذا صالحت إنسانًا له شأن لم تَنَمْ من فرحك ، وأحياناً يصالحُ إنسانٌ زوجتَه فيقول لك : الحمد لله كابوسٌ زال عني ، أو إذا هي صالحته ، يقول لك : يا أخي الحمد لله الأمور رجعت إلى مجاريها ، فكيف إذا صالحت رب السموات والأرض ؟! كيف إذا صالحت من بيده ملكوت كل شيء ، من بيده أمر حياتك وموتك ، إذا صالحته فهنيئاً لك ، فالحج مشروع صلح مع الله .

3 ـ الإحساس بمغفرة الله عزَّ وجل :

مغفرة الله عز وجل لا يعرفها إلا من ذاقها
لكن أيها الأخوة الأكارم ؛ والله الذي لا إله إلا هو كما ذكرت لكم في درس العقائد قديماً أن في الكون شيئًا واجب الوجود ، وممكن الوجود ، ومستحيل الوجود ، فالله سبحانه وتعالى واجب الوجود ، ونحن من باب ممكن الوجود ، أما المستحيل فأن يكون مع الله إلهٌ آخر وهذا مستحيل ، بل من هذه المُستحيلات أن تذهب إليه ولا يكرمك : " إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوارها هم عمارها ، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثم زارني ، وحُق على المزور أن يكرم الزائر " فالإنسان ذاهبٌ إلى بيت الله ، لا يبتغي إلا الحج ، لا يبتغي شيئاً آخر من حطام الدنيا ، فإذا ذهبت كذلك فمن المستحيل على الله عزَّ وجل أن ترجع بِخُفِّي حُنَيْن ، بل لا بد أن ترجع إلى بلدك وقد جبرك الله عزَّ وجل ، جبر كسرك ، وحقق رغبتك ، وأعانك على أمر دينك ودنياك . هناك تشبيهٌ رأيته مناسباً لهذا المقام ، وكأنك إذا ذهبت إلى هناك . .

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

[البخاري عن أَبَي هُرَيْرَةَ]

كأنك فتحت مع الله صفحةً جديدة بيضاء ، وانتهى الحساب ، ودخلتَ في مسامحة وعلى كلٍّ انتهى الحساب القديم ، وفُتِحت صفحةٌ بيضاء ، وهل من شعورٍ أعظم عند المؤمن من أن تفتح لك مع الله صفحةٌ جديدة ؟ إذاً أنت الآن عُدْتَ من ذنوبك كيوم ولدتك أمك ، وهذا الشعور لا يعرفه إلا من ذاقه ، إنه الإحساس بمغفرة الله عزَّ وجل لك ، ومغفرة الله عزَّ وجل لا يعرفها إلا من ذاقها .

4 ـ في الحج يحس الإنسان أنه ضيف الرحمن :

شيء آخر قد بدا هو أن الحج بشكل يغلبُ عليه أنه دعاء كله ، ففي طواف القدوم دعاء ، وفي السعي بين الصفا والمروة دعاء ، وفي الإقامة بمنى دعاء ، وفي الوقوف بعرفة دعاء ، وفي الوقوف بمزدلفة دعاء ، وفي أثناء رمي جمرة العقبة دعاء ، وفي طواف الإفاضة دُعاء ، وفي الإقامة بمنى في أيام النحر وأيام التشريق ورجم الجمرة الأولى والثانية والكُبرى دعاء، وفي طواف الوداع دعاء ، وكما قال عليه الصلاة والسلام :

(( الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ ))

[الترمذي عن أنس بن مالك ]

إنّ مخ العبادة الدعاء ، فإذا دعوته لا بدَّ أن يستجيب لك ، فإذا كان الدعاء مستجابًا وأنت في بلدك فكيف بالدعاء وأنت في بيته ؟ فإذا طلبت من إنسان وأنت في ضيافته حاجة ، أعتقد اعتقاداً جازماً أن إمكان تلبيتها مئةٌ في المئة ، فأنت في بيته ، وفي إكرامه وضيافته لذلك فالإحساس بأنك ضيف الله عزَّ وجل ، ضيف الرحمن ، هذا الإحساس صارخ ، وتستطيع أن تحسَّ به وأنت هناك في بيت الله الحرام .

5 ـ تشريف الإنسان بزيارة بيت الله الحرام :

وثمّة شيء آخر ، أنك إذا ذهبت إلى هناك لا ينبغي أن تشعر أنك قد حججت البيت ، لا ، ينبغي أن تشعر أن الله عزَّ وجل جلَّ وعلا سمح لك أن تزور بيته ، وشرَّفك وتفضَّل عليك بأن أعانك على زيارة بيته ، وهذا الشعور يجب أن يكون واضحاً عند الحاج ، لأنك إذا قلت : يا رب لقد شرَّفتني بزيارة بيتك الحرام ، وهذا كرم منك ، فقد أكرمك الله بزيارته وبتجلِّيه على قلبه .
فلذلك هذه الأحوال التي يعانيها الحاج لا أقول لكم إن قلةً قليلةً يعانيها ، لا والله بل تشمل كل حاج ، لأنّ رحمة الله وفضله يسع كل عباده ، بشرط واحد أن يكون الانطلاق إلى الحج بإخلاص ، لا تبتغي لا سمعةً ولا رياءً ، ولا زينةً ولا وجاهةً ، ولا تجارةً ولا عملاً ، ولا إقامةً ولا ولا ، فإذا كان الهدف خالصاً لوجه الله عزَّ وجل ، فهو سبحانه وتعالى يتكفَّلُ أن يُكرمك إكراماً لا تنساه مدى الحياة .

الإكثار من الدعاء في الحج لأن الدعاء مستجاب :

أنت إذا طُفْتَ حول الكعبة ، تدعو الله عزَّ وجل : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار "
ماذا بقي ؟ في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً ، هذا الدُعاء الذي أؤثر عن النبي عليه الصلاة والسلام ادعُ به :

((اللهم إنك عفوٌ كريم تحب العفو فاعفُ عني يا كريم))

[ الترمذي عن عائشة ]

و يحب أن يعفو عنك ، وها أنت ذا تطلب منه العفو ، إذاً لا بدَّ أن تشعر بالعفو وكما قلنا قبل قليل : فتحت لك مع الله صفحةٌ جديدة ، فإذا قلت :

(( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها مردي ))

[ الترمذي عن عائشة ]

الدعاء في بيت الله الحرام أو عند النبي العدنان لها طعم مختلف
وإذا قلت : واجعل الحياة زاداً لي من كل خير ، فما دامت الحياة فيها زيادةٌ لي من الخير فأحيني يا رب . . واجعل الموت راحةً لي من كل شر ، تشعر أن حياتك خير ، وأن انتهاء الحياة خير ، فهذه الأدعية في بيت الله الحرام أو عند النبي العدنان تحس أن لها وَهْجًا ، لأنك لو دعوت بها آلاف المَّرات وأنت في بلدك لا تذوق طعمها ، إلا إذا دعوت بها وأنت في بيته ، وأنت في في ضيافته ، وأنت متعرضٌ لكرمه في الطواف دعاء ، فإذا وصلت إلى الحجر الأسود ، والنبي عليه الصلاة والسلام قّبَّلَ الحجر الأسود وبكى كثيراً ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ :

(( اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَرَ ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلا ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي فَقَالَ : يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ ))

[ ابن ماجة عن ابن عمر ]

لذلك أجمع أهل العلم على أن الحجر الأسود يمينُ الله في أرضه ، لذلك عند تقبيله تدعو وتقول :

(( بسم الله الله أكبر ، اللهم إيماناً بك ، وتصديقاً بكتابك ، واتباعاً لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ، ووفاءً بعهدك ، وعهداً على طاعتك ))

[ ابن ماجة عن ابن عمر ]

لكن أيها الأخوة الأكارم ؛ أتمنى أن كل من أتيح له أن يقبِّل الحجر الأسود ألا ينسى هذا التقبيل طوال حياته ، كلما شعر بالتقصير تذكَّر أنّه قبَّل الحجر الأسود ، وعاهد الله عزَّ وجل على طاعته ، فهل أنت في مستوى هذه الطاعة ؟ وهل أنت ذاكرٌ لهذا العهد ؟ "عهداً على طاعتك" ، فكلما قطعتَ شوطاً وقفتَ أمام الحجر الأسود ، وسرتَ أمامه عَرْضَاً ، وقلت : " بسم الله ، الله أكبر ، اللهم إيماناً بك ، وتصديقاً بكتابك ، واتباعاً لسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم ووفاءً بعهدك ، وعهداً على طاعتك " ، وبعد هذا الطواف الذي هو سبعة أشواط ، تتوجَّهُ إلى المسعى ، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام : " بسم الله الرحمن الرحيم نبدأ بما بدأ الله به " . . تتلو قوله تعالى :

﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾

[سورة البقرة : 158]

وأيضاً في الطواف دعاء ، فالله عزَّ وجل أعطاك أمكنة وحركات يجب أن يرافقها الدعاء ، فهل أنت في مستوى الدعاء ؟ لذلك إذا أزمع الإنسانُ الحجَّ فأنا أنصح له أن يكثر من حفظ الأدعية ، لأنك لو فتحت الكتاب هكذا فإنّ رونق الدعاء يتلاشى ، وروحانية الإقبال تذهب، وهناك أشخاص يفتحون الكتاب ويرفعون أصواتهم بالدعاء إلى درجة أنهم يشوِّشون على كل من يسعى ويطوف ، وهناك من يرفع صوته ليرُدَّ النساء خلفه ، وصوت المرأة عورة لذلك تفقهوا قبل أن تحُجّوا ، فيجب أن تدعو من ذاكرتك ، فإذا أعدَّ الإنسانُ نفسَه قبل الحج بشهرين أو ثلاثة ، وجمع الأدعية كلها ، وحفظها إلى درجة أنه أصبح يدعو بها من ذاكرته وقلبه فعندئذٍ يستطيع أن يلتفت إلى الله ، أما إذا فتح الكتاب وفُتِحت ورقة معه بالخطأ فغيَّر ، فإنّ هذا الحال الطيب الذي يظن أنه سيصل إليه قد يتفلَّت منه .
ثم إن الدعاء إذا تعلمته أو أمسكت بهذا المفتاح السحري ، فإنّه أكبر سلاح ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " الدعاء سلاح المؤمن " . لأنك بالدعاء تنتصر على أقوى إنسان، لأن الله معك ، قال له : "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ " ما قولك ؟ وما ظنك بإنسان الله سبحانه وتعالى معه ؟ فإذا دعوت الله في الحج ينبغي أن يصبح الدعاء رفيقاً لك في بلدك ، كلما واجهتك مشكلة ، أو ألمَّت بك مُلِمَّة أوشعرت بالضيق ، أو لاح لك شبحُ مصيبة ، أو أخافك إنسان ، أو أوقعك القلقُ في شعورٍ وحزن ، في هذه الحالات ادعُ الله عزَّ وجل . .

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

[ سورة غافر : 60 ]

لا تسألن بُنَيَّ آدم حاجـــــــةً وسل الذي أبوابه لا تُحجَــــبُ
الله يغضب إن تركتَ سؤاله وبُنَيَّ آدم حين يُسألُ يغضب
***

إنَّ العبدَ إنْ سألته يغضب ، أما الله عزَّ وجل فيغضب إن تركت سؤاله . فالطواف إلى صلاة ركعتين في مقام سيدنا إبراهيم ، وأكثر الحجَّاج يصرون على أن يصلُّوا خلف المقام ، وفي أيام الطواف الشديد يصبح هذا المصلي عقبةً كؤودًا أمام الطائفين ، مع أن العلماء أجمعوا على أن أي مكانٍ في الحرم المكي الشريف صالحٌ لصلاة ركعتين بعد الطواف ، فهناك أشخاص يضعون حواجز من أجل أن يصلي بعضهم في هذا المقام في ازدحام وتعسر ، فهذا الذي يذهب إلى هناك من دون فقه يؤذي المسلمين كثيراً . فأنا اصبحت أُلِحّ كثيراً على أن الإنسان ينبغي أن يفحَص قبل أن يذهب إلى الحج هل تعرف مناسك الحج وواجباته وأركانه والسنن المُستحبات ؟ فمن أجل أن يفعل سنة يرتكب معصية كبيرة ، أهكذا الحج ؟ من أجل أن تُقَبِّل الحجر تؤذي عشرات المسلمين ، أبهذا أمرك النبي عليه الصلاة والسلام ؟ فلذلك : " تفقهوا قبل أن تحجوا" .

حاجة الحج إلى إعدادين فقهي و نفسي :

الحج يحتاج إلى إعداد فقهي وإعداد نفسي
قلت في نفسي : إن الحج يحتاج إلى إعدادين ؛ إعداد فقهي ، وإعداد نفسي، فالإعداد الفقهي يجب أن تدرُسَ أحكام الحج الكُبْرَى والفرعية ، إلى أن تصل إلى دقائق الأعمال لأنك هناك قد تواجه مشكلة ، ما حكمها ؟ أعليها دم ؟ أهي سنةٌ أم هي واجبٌ ؟ هل عليَّ شيءٌ أم لا شيء عليَّ ؟ هذا الأمرُ ينبغي أن يكون واضحاً عند كل أخ ، فلا بدَّ من أن يتلقَّى دروساً مكثفةٌ في أحكام الحج ، وأركانه ، وواجباته ، وسننه ، ومستحبَّاته ، وآدابه ، وحكمته ، من أجل أن تكون هذه المعلومات زاداً للأخ الذي يحجُّ البيت ، أما الإعداد النفسي فأنْ تكون قد أَنَبْتَ إلى الله إنابةً صحيحة ، وتبتَ إليه من كل الذنوب ، فتوبتك واستقامتك ، وعملك الطيِّب وتحرِّيك المالَ الحلالَ هو الإعدادُ النفسي للحج ، لذلك قال الله عزَّ وجل في الحديث القدسي :

(( إذا أصححت لعبدي جسمه ، ووسعت عليه في المعيشة ، فأتت عليه خمسة أعوام لم يَفِد إليَّ لمحروم ))

[البيهقي في السنن الكبرى ومسند أبي يعلى والترغيب والترهيب للمنذري]

إضافة الله عز وجل إلى ذاته النبي و البيت الحرام و الكعبة :

الإمام البوصيري رضي الله عنه قال واصفًا النبي عليه الصلاة والسلام :

خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديت بالرفع مثل المُفْرَدِ العلم
***

في هذا البيت حقيقتان ؛ أولاً : في القرآن آيةٌ واحدة أضاف الله عزَّ وجل النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذاته ، قال تعالى :

﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾

[ سورة الجن : 19]

من هو عبد الله ؟ إنه النبي عليه الصلاة والسلام ، أضافه اللهُ إلى ذاته ، لذلك قال البصيري :

خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديت بالرفع مثل المُفْرَدِ العلم
***

وقد خاطب الله عزَّ وجل الأنبياءَ بأسمائهم صراحةً ، فناداهم بأسمائهم . .

﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى ﴾

[ سورة مريم : 7 ]

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

[ سورة المائادة : 116 ]

لكن الله عزَّ وجل لم يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام إلا باسمين ؛ يا أيها النبي، ويا أيها الرسول ، ولم يقل له : يا محمد ، ولقد ذكر اسمَه في معرض الإِخبار ، لا في معرض النداء ، فقال تعالى :

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾

[ سورة الفتح : 29 ]

﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾

[ سورة الأحزاب : 40 ]

أما إنّه لم يقل له : يا محمد . .

خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديت بالرفع مثل المُفْرَدِ العلم
***

وقياساً على هذه الحقيقة ، فقد أضاف الله عزَّ وجل البيت الحرام إلى ذاته فقال :

﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾

[ سورة البقرة : 125]

إذاً الكعبة المُشَرَّفة أضيفت إلى الله عزَّ وجل ، فهي أقدس مكانٍ على وجه الأرض.

 

الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة :

ثم إن الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة ، وهذا الشيءُ - سبحان الله - ملموسٌ لأنّ الإنسان أحياناً حتى تنعقد الصلة يحتاج إلى بذل جهد كبير ، وهناك في بيت الله الحرام بجهدٍ بسيط تنعقد هذه الصلة ، فكأن الله عزَّ وجل أزال الحُجُب ، وكما يقول الله عزَّ وجل في الحديث القدسي عن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

وفي حديث آخر :

(( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]

وكأن الله سبحانه وتعالى هنا نزل إلى السماء الدنيا ، وخاطب عباده فغفر لهم ورحمهم ، وقذف في قلبهم النور ، وتجلَّى عليهم ، فسَعِدوا وأسْعَدوا . فلا أريد أن أطيل عليكم ، فمن ذاق عرف ، ومن سار على الدرب وصل ، ومن توجَّه إلى بيت الله الحرام فلا بدَّ أن يعود وقد امتلأ قلبه محبةً لله عزَّ وجل .

يوم عرفات أشرف يوم في السنة :

هناك شيء آخر أنّ الله عزَّ وجل في عرفات يُباهي الملائكَةَ ، فيقول : "انظروا عبادي ، جاؤوني شعثاً غبراً ، فاشهدوا أني قد غفرت لهم " أشرف يوم في العام يوم عرفة ففيه اللقاء الأكبر مع الله عز وجل
فلا يستطيع الإنسان بعرفات أن يكون في حالة غفلةٍ ، لأن هذا اليوم أشرف يومٍ في السنة ، فأشرف الشهور رمضان ، وأشرف أيام السنة يوم الموقف . . عرفات . . وأعظم أيام الأسبوع يوم الجمعة ، فالجمعة أشرف أيام الأسبوع ، ورمضان أشرف أشهر السنة ، والموقف في عرفات أشرف أيام السنة قاطبة ، فلذلك حينما يأتي الإنسانُ وكأن عرفات موعد اللقاء الأكبر مع الله عزَّ وجل . .

﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 198 ]

كما هداكم إليه ، فهذه المناسك المتنوعة ؛ من طوافٍ ، إلى سعيٍ ، إلى صلاةٍ ، إلى وقوفٍ في عرفة ، إلى وقوفٍ في مزدلفة ، إلى رمي الجمار ، هذه المواقف المتعددة جعلها الله عزَّ وجل مناسبةً كي تقبل عليه منها ، فإذا وصل الإنسان إلى رمي الجمرات ، وقد سألني أخ كريم فقال لي : والله أنا لما حججت لم يستقِم الرميُ معي ، بعض الحصيات وصلت ، وبعضها لم يصل ، بعضُها كبير ، وبعضُها صغير ، يا ترى يصح رجمي ؟ سبحان الله ، خطر ببالي هذا الخاطر فقلت له : لو اخترت حصيات من وزنٍ واحد ، وكان الوزن مناسباً ، ووقفت أمام مكان الرمي ، ورميت وفق الأصول الشرعية مئةً في المئة ، وأصبت المرمى إصابةً صحيحة ، وعدتَ إلى بلدك ، وعصيت الله عزَّ وجل ، فإن الشيطان هو المنتصر ، فمهما أتقنت رمي الجمرات وعصيت الله عزَّ وجل فالشيطان هو المنتصر ، فإذا أطعتَ الله عزَّ وجل بعد الحج ، فأنت المنتصر ، لذلك قال الإمام الغزالي : " لا يحصل إرغام أنف الشيطان إلا بطاعة الله " .
فأنت مِن الآن إذا أردت أن ترغم أنفه من دون أن ترجمه فأطع الله عزَّ وجل وأنت في بلدك ، وانتهى الأمر ، طاعتك لله عزَّ وجل وأنت في بلدك إرغامٌ لأنف الشيطان ، عليه لعنة الله .
شيءٌ آخر ، أن الإنسان حينما يرجم الشيطان يشعر أن هذه المعرفة التي حَصَلَت له تقتضي معاداة الشيطان ، وهذه المعرفة التي حصلت له من لوازمها الحقيقية أن تعاديَ الشيطان ، وأن تبعدهُ عنك ، وعن خواطرك ، وسلوكك ، وعاداتك ، وعن كل أعمالك اليومية ولا أملك إلا أن أقول لكم : من ذهب إلى بيت الله الحرام مخلصاً بهذا الذهاب ، ومن أحرم من الميقات ، وضبط نفسه . .

﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾

[ سورة البقرة : 197 ]

ومن سعى وطاف وصلى ووقف ورمى ، وأقام بمنى ، فهذه المشاعر لا بدَّ أن تكون بالنسبة إليه معالم الهُدَى التي ينتظرها من الله عزَّ وجل ، وبعد الحج إذا توجَّهَ إلى الحرم النبوي الشريف ، فالمشاعر هناك من نوعٍ آخر ، أي إن هذا الهدى كان على يد النبي عليه الصلاة والسلام .

 

من وقع في ضيق فوقف أمام قبر الرسول أكرمه الله :

قلت لكم يوم الجمعة في الخطبة أن العتبي وهو أحد التابعين كان في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام أمام حجرته الشريفة ، فجاء أعرابي وسلم على النبي عليه الصلاة والسلام وقال : أشهد أنك بلغت الرسالة ، وأديت الأمانة ، ونصحت الأمة ، وكشفت الغمة ، وجاهدت في الله حق الجهاد ، وبعدها قال : يا رسول الله سمعت الله يقول :

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾

[ سورة النساء : 64]

وهأنذا يا رسول الله قد جئت إليك فاستغفر لي الله عزَّ وجل ، يروى أن هذا التابعي الجليل العُتبي أدركته سنةٌ من النوم ، فنام ، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام يقول له : يا عُتبي الْحَقْ الأعرابيَّ ويشِّره أن الله قد غفر له ، يقول العالم ابن كثير رحمه الله في تفسيره هذه الآية:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾

[ سورة النساء : 64]

هذه الآية تَصِحُّ بعد وفاة رسول الله ، فتصحُّ في حياته ، وتصح بعد مماته ، فكل إنسانٍ ضاقت به الدنيا ، وضعفت حيلته ، أو أخافه شيء ، أو أقلقه شيء ، إذا ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وتلا هذه الآية :

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾

[ سورة النساء : 64]

هذا الأعرابي قال بيتين من الشعر :

يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكمُ
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنــــــــــــت ساكنـــه فيــه العفاف وفيه الجود والكرمُ
***

وقد سمعت من أناس كثيرين واللهِ وهم صادقون أنَّ أشياء كثيرة أقلقتهم ، فلما وقفوا أمام قبر النبي عليه الصلاة والسلام ، وتلوا هذه الآية ، واستشفعوا به ، فَرَّجَ الله سبحانه وتعالى عنهم كربهم ، وما هم فيه .
وتعليل هذه القصة أن الأب أحياناً يريد أن يقيم علاقةً طيبةً بين ابنه وأمه ، فإذا سأل الابن أباه شيئاً فإنَّه يُمَكِّن الأمَّ من تلبية هذه الرغبة ، وبهذا تنمو العلاقة الطيِّبة بين الأم وابنها ، فالله سبحانه وتعالى إذا وقع الإنسان في ضيق ، فوقف أمام هذا القبر العظيم ، أمام مقام رسول الله عليه أتم الصلاة و التسليم ، فإنّ الله يكرمه إكراماً لهذا النبي ، لذلك أنا حيٌ طري في قبري وقال : حياتي خيرٌ لكم ومماتي خيرٌ لكم .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018