بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الزكاة - الدرس : 14 - أنصبة الزكاة.


1988-05-08

 الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحقّ حقاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أنصبة الزكاة :

 أيَّها الأخوة المؤمنون، مازلنا في موضوع الزكاة، وقد وعدتُّكم في هذا الدرس أن نتحدث عن أنصبة الزكاة، وأنصبة الزكاة متعددة، وأكثر الأنصبة شيوعاً النقد المتداول -العملة الورقية - هذه المتداولة، وهذه الأكثر شيوعاً والأكثر اطمئناناً في تداولها، لذلك نصاب زكاة الأوراق النقدية يقاس على نصاب الفضة، وزكاة الفضة ليس فيما دون مئتي درهم زكاة، مئتا درهم فضة تساوي عشرة آلاف ليرة، فنصاب زكاة الأوراق النقدية يحسب على زكاة الفضة أو على زكاة الذهب أيُّهما أقرب إلى مصلحة الفقير، فزكاة الفضة ليس مادون مئتي درهم صدقة، أما زكاة الذهب فليس دون عشرين مثقالاً من الذهب صدقة، خبراء المال لهذا العام قدَّروا أنَّ مئتي درهم فضة تساوي عشرة آلاف ليرة، وقدَّروا أن العشرين مثقالاً من الذهب تساوي أربعين ألف ليرة، وفي رأي الفقهاء أنَّ زكاة الورق تتجه إلى زكاة الفضة أو إلى زكاة الذهب أيهما أفضل لصالح الفقير، لصالح الفقير يجب أن تقاس الأوراق النقدية لزكاة الفضة، وزكاة الفضة ثمن مئتي درهم فضة تساوي إلى عشرة آلاف ليرة سورية، على وجه التقريب أي مع زيادة قليلة أو نقصان قليل، لو فرضنا أن زكاة الذهب كانت أقل من عشرة آلاف تحسب زكاة الأوراق النقدية على زكاة الذهب، فالأوراق النقدية تتجه إلى قيمة الفضة أو إلى قيمة الذهب أيُّهما أقَّلُّ وأيُّهما أقرب و أصلح لمصلحة الفقير، فلذلك برأي الفقهاء زكاة الأوراق النقدية هي عشرة آلاف ليرة، إذاً نصاب زكاة الأوراق النقدية عشرة آلاف ليرة محسوبة على سعر مئتي درهم من الفضة ولا يؤخذ بسعر عشرين مثقالاً من الذهب، لأن هناك تفاوتاً كبيراً بين سعر الذهب وسعر الفضة.
 ربّما كان سعر الذهب أعلى بكثير لمنع التداول به أولاً، ولأن هناك طلباً على الذهب يفوق الطلب الحقيقي، إذاً تتجه زكاة الأوراق النقدية إلى قيمة تساوي قيمة مئتي درهم من الفضة أي إلى ما يساوي عشرة آلاف ليرة سورية، إذاً اتضحت في هذه المقدمة أنصبة الأوراق النقدية، و أنصبة الفضة، و أنصبة الذهب.

زكاة العروض :

 لكن الشيء الواقعي بقي زكاة العروض، العروض هي الأموال النامية، فهذا التاجر عنده إسمنت، وهذا التاجر عنده حديد، وهذا التاجر عنه إسفنج، وهذا التاجر عنده أقمشة، المال النامي رأس المال المتحرك الذي تبيعه، رأس المال الثابت؛ الدكان، البيت، المركبة، عدة الصناعة، أثاث البيت، هذه كله مستهلكات ليس عليها زكاة، لكن المال المعد للتجارة، أيّ نوع من أنواع البضاعة، صاحب معمل الحلويات عنده سكر وعنده سمن، هذا مال يصنَّع و يباع، يقيَّم المال بسعر السوق، بسعر السوق لا بسعر شرائه، قد تكون قد اشتريت هذه البضاعة بعشرة قروش والآن سعرها مئة قرش، إذاً من أجل ألا تأكل شيئاً من حق الله يجب أن تقيَّم البضاعة التي تملكها أيّاً كان نوعها بسعر السوق - سعرها الراهن - يمكن أن تحسم من قيمتها ما عليك من ديون أو من التزامات، شيء طبيعي عندك في المحل بضاعة بمئة ألف، عليك دين ثابت بخمسين ألفاً فالزكاة زكاة المال الفاضل، وهو الخمسون.
 إذاً تحسب الأموال المعدَّة للتجارة، الزكاة -كما تعلمون- ليس على دور السكن، وليس على الأراضي المعدة للزراعة، ولكن دور السكن التي اشتراها أصحابها من أجل أن يتاجروا بها فائضة عن حاجاتهم، عن سكنهم، هذا يعدُّ مالاً وعليه زكاة، فمن كان يملك مالاً سائلاً فعليه أن يدفع زكاة البيت، ومن كان لا يملك فله أن يدفع زكاته بعد البيع، بعد البيع حين يبيع هذا البيت يدفع زكاة المال، إذاً البيوت إذا كانت غير مستهلكة وليست معدة للسكنى، المحلات التجارية، يوجد عنده محل يستخدمه للبيع و الشراء واشترى محلاً و أغلقه وفي نيته أن يبيعه بسعر أعلى فينتفع بالربح،هذا المحل من أموال الزكاة وتجب فيه الزكاة، إذاً البيت والمحل و الأرض الزراعية، عنده سيارة واستطاع أن يقتني سيارة أخرى ليبيعها و يربح بها فالسيارة الثانية عليها زكاة - على ثمنها زكاة - إذاً زكاة الأوراق النقدية واحد في الأربعين أو اثنان ونصف في المئة، وكذلك زكاة الفضة لأن زكاة الفضة محسوبة على زكاة الورق، وكذلك زكاة الذهب، وكذلك عروض التجارة، إذاً كل إنسان يدير مؤسسة تجارية أو منشأة صناعية أو أرض زراعية اشتراها ليبيعها أو دار زائدة عن حاجته أو محل تجاري لا يستخدمه للبيع و الشراء وإنّما يستخدمه للتجارة، هذه كلها أموال تجب الزكاة فيها.

وجوب الزكاة في أصل المال و في رأس المال :

 بعض الأخوة الأكارم يتوهمون أن الزكاة تجب في الأرباح! لا تجب الزكاة في أصل المال و في رأس المال، والربح إذا بلغ النصاب القانوني تجب فيه الزكاة، فإن لم يبلغ، مثلاً إنسان ربح ثمانية آلاف دون النصاب لا تجب فيه الزكاة، ربح إحدى عشرة ألف فالربح يضاف إلى رأس المال وتحصَّل الزكاة على رأس المال وعلى الربح بوقت واحد، يا ترى هل يجوز أن ندفع الزكاة من عين البضاعة؟ العلماء قالوا: مصلحة الفقير هي الأساس، فلو أنَّ إنساناً وزع قماشاً - الفقير ليس بحاجة لقماش - بل بحاجة إلى طعام عنده ثياب تكفيه، عنده ثياب قديمة يستعملها، هو بحاجة إلى طعام، إذاً دائماً يُنظر إلى حاجة الفقير، لو فرضنا كان عندنا قمح فرضاً، والمكان قرية، وهذا الفقير عنده طاحونة يدوية و عنده تنور، فتقديم القمح له كزكاة عينية أفضل ألف مرة من أن تقدَّم له قيمة القمح.
 دائماً في دفع الزكاة ننظر إلى مصلحة الفقير هل أنفع له أن نعطيه طعاماً أو أن نعطيه قماشاً أو أن نعطيه أدوات أو حاجات أو قطن أو فول أم الأنفع له أن نعطيه مالاً؟ الأئمة رحمهم الله تعالى تنوعت مذاهبهم بين إجازة دفع زكاة المال عيناً أو دفع زكاة المال نقداً، ولكن الشيء المرجَّح في هذا الموضوع أن نتجه إلى مصلحة الفقير، فأيّهما كان الدفع في مصلحته كان الأولى أن نعطيه في هذا الاتجاه، والأصح من ذلك أنّ من كان يملك ذهباً أقلَّ من النصاب وفضة أقلَّ من النصاب وورقاً نقدياً أقلَّ من النصاب، فهل عليه زكاة؟ نقول له: نعم لو ضمَّ الأوراق النقدية إلى الفضة إلى الذهب تصبح المبالغ الثلاث فوق النصاب، لذلك يجب ضمُّ الأموال إلى بعضها، وزكاة الأموال تجب في حالة أن يحول عليها الحَول، وهناك في مذاهب الفقه تعنّت شديد أحياناً أنَّ المال يجب أن يحول عليه الحوَل بشكل مستمر، فلو نقص في بعض الأيام صار هناك مشكلة، ولكنَّ جمهور العلماء على أنَّ المال الذي يبلغ النصاب في طرفي العام تجب فيه الزكاة.
 معك عشرون ألفاً في واحد رمضان صاروا خمسة عشر، صاروا اثني عشر صاروا ثلاثة، صاروا ألفاً، رجعوا ثمانية آلاف، ما يهمّنا نحن في واحد رمضان أن يكونوا عشرين، وفي واحد رمضان الثاني عشرين، إذاً يجب عليك زكاة العشرين ألفاً، أمَّا تبدُّل المبلغ وارتفاعه و انخفاضه في أثناء عام الصدقة فهذا لا عبرة به إطلاقاً.

المال المعد للاستهلاك لا زكاة عليه :

 إذاً لو أنَّ الإنسان يملك أنصبة، لو يملك أموالاً دون الأنصبة متعددة يجب أن يضُّمها بعضها إلى بعض فإذا اجتمعت و شكلَّت نصاباً وجبت فيها الزكاة، وأمَّا شرط أن يحول عليها الحَول فيكفي أن يكون المال فوق النصاب في طرفيّ العام حتى تجب فيه الزكاة، مثلمّا اتفقنا على أنَّه عندما تتجه النفس على أنَّ هذا البيت اشتراه صاحبه ليتاجر به ففيه الزكاة، أمَّا إذا اتجهت نفسه إلى شراء هذا البيت ليكون دار سكنى لابنه الأعزب، هذا البيت المعدّ للاستهلاك ليس فيه زكاة، كلُّ شيء معدُّ للاستهلاك ليس فيه زكاة، وهذا من تيسير الشرع على الناس، ومن إثبات أنَّ الله تعالى رفع عن عباده الحرج، فهذا المال الذي يعدّ للاستهلاك لا تجب فيه الزكاة والعبرة هي النيَّة.

الأعمال بالنيات :

 من أجل توضيح موضوع النية، مثلاّ كان هناك شخص ماراً في الطريق فوجد ظرف فيه خمسة آلاف ليرة، فانحنى و التقط هذا المبلغ، هذا العمل حلال أم حرام؟ الذي يحدِّد ما إذا كان هذا العمل حلالاً أو حراماً هو النيّة، فإذا انحنى و التقط هذا المبلغ ليعلم من حول هذا المبنى - محلاّت تجاريِّة - أنني عثرت على مبلغ ما فمن كان قد ضيَّع هذا المبلغ فليتصل بيّ على الهاتف الفلاني، إذاً انحنيت لتأخذ هذا المبلغ وفي نيِّتك أن تعيده إلى أصحابه، فهذا عمل طيب، أمَّا إذا انحنيت لالتقاط هذا المبلغ وفي نيّتك أن تأخذه وحدك فهذا حرام، هذه لقطة، لها حكم فقهي آخر، فالقضيِّة الأعمال بالنيِّات، لو أنَّ امرأةً قالت: إنني لا أرغب أن أتاجر في هذا المال، الناس يخشى شرّهم ويخشى أن يأخذوا المال، والله سأشتري به سواراً من الذهب، فإنَّ أسعار الذهب في ارتفاع مستمر، ما نيِّتها؟ نيَّتها أن تستثمر هذا المال عن طريق شراء الذهب، هذه السوار عليه زكاة لأنَّه مال، أمَّا إذا أرادت المرأة أن تشتري سواراً من الذهب من أجل أن تستخدمه للزينة - ليس هناك شيء يزيّنني، عندما أذهب إلى مكان ما أستحي بحالي سأشتري سواراً و أضعه بيدي - إذا كانت هكذا النيِّة، فهذا السوار ليس عليه زكاة، إنّما الأعمال في النيَّات، التقاط المبلغ عمل مشروع وغير مشروع حسب النيِّة، وشراء هذا السوار تجب فيه الزكاة أو لا تجب بحسب النيِّة، فإذا كانت نيّة المرأة عند شراء الذهب أن يزداد مالها، وشراء الذهب أفضل طريقة للاحتفاظ بالمال، فهذه السوار يجب فيه الزكاة، أمَّا إذا كانت نيَّة الشراء أن تتخذ هذه الحلية للزينة فقط فهذا السوار ليس عليه زكاة في أصحّ الأقوال، بعض العلماء استدركوا استدراكاً لطيفاً، أنَّ المرأة التي تتزيَّن بالذهب بشكل غير مشروع، هذا الذهب مال، واستخدامه ليس مشروعاً، إذاً تجب فيه الزكاة، أي لو أنَّ امرأةً سافرة وضعت في يدها أساور من ذهب وحلق وعقد، وكانت سافرة للناس، تبدّي زينتها للناس، فهذا الاستعمال للحلي استعمال غير مشروع، لا يعفى الحليّ من الزكاة إلاَّ في حالتين: أن يقتنى للزينة للاستهلاك فقط، وأن يستخدم في الطريق المباح المشروع، هذه بعض أحكام الزكاة، زكاة العروض وزكاة الذهب وزكاة الفضّة.

زكاة البقر :

 زكاة البقر: ليس في أقلِّ من ثلاثين من البقر زكاة، ثلاثون من البقر عليهم زكاة، وزكاة الثلاثين بقرة تبيع، والتبيع هو عجل عمره سنة، سميّ تبيعاً لأنه يتبع أمَّه فزكاة الثلاثين بقرةً تبيع واحد أو تبيعة، أي بقرة أو جاموس صغير، وزكاة أربعين بقرةً مسِّنة أو مثيل، أي عجل عمره سنتان أو بقرة عمرها سنتان، زكاة الأربعين بقرة.
 وليس في أقلَّ من أربعين شاةً زكاة، فلو كانت أربعون شاةً سائمة وحال عليها الحَول ففيها شاة واحدة، كل أربعين شاة.
 وليس في البغال و الحمير زكاة - أيّ نصف مصيبة - ليس في البغال و الحمير زكاة، من الممكن أن تحمّله طوال العمر وليس عليه زكاة، إلاَّ أنَّ تكون للتجارة، الذي يشتري البغال ليتاجر فيها، أو الحمير،عندئذ تصبح هذه من عروض التجارة.

زكاة الزروع و الثمار :

 أمَّا زكاة الزروع و الثمار فالمراد بها هنا هو العشب، طبعاً زكاة الأوراق الفضيّة - الأوراق النقدِّية والفضَّة والذهب - واحد بالأربعين، أو اثنان و نصف في المئة، أمَّا زكاة البقر فالثلاثون تبيعاً والأربعون مٌسناً، والأربعون شاة شاةً، وهكذا...لكن في زكاة الزروع والثمار أرجح الأقوال بأصحُّ الأقوال أنَّ كل ما أخرجته الأرض عليه العشر إذا كان بعلاً ونصف العشر إذا كان ساقياً، الآن يحمل على ذلك العسـل، إذا كان مشروع عسل، إذاً مشروع العسل في الكهوف، في الأشجار، من دون ثمن خلايا، من دون مبيدات، عليه العشر أمَّا إذا كان العسل مناحل لها أثمان فيها نفقات صيانة و عناية وانتقال فعليها نصف العشر، أيّ يلحق الإنتاج الحيواني بالإنتاج الزراعي، فإذا كانت هناك نفقات كثيرة، كأن تكون الزراعة مسقية ففيه نصف العشر، وإذا كان نفقاته قليلة كأن تكون الزراعة بعلاً ففيه العشر، ويحمل الإنتاج الحيواني على الإنتاج النباتي في أصحِّ الأقوال، وربٌّنا عزَّ وجّل قال:

﴿ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

[ سورة الأنعام: 141 ]

 إذا إنساناً ما كان يملك بستان تفاح، كل تفاحهِ اُستهلِك وأُكِل من على الشجر قبل جنيّ التفاح، ليس فيه زكاة، لكن يوم الحصاد مثلاً قطف أربعين صندوقاً، لو فرضنا جاره كان إنساناً فقيراً وبحاجة إلى مساعدة، هل من المعقول مثلاً أن نعطيه خمسة صناديق تفاح أيضاً ننظر إلى مصلحة الفقير، ممكن أن أعطيه ثمن نصف العشر من هذا الإنتاج نقداً، أيّ إذا كان دفع الزكاة عيناً نقداً أفضل.
 فإذا كان عندي إنتاج قمح ، وهذا فقير وعنده مطحنة وعنده تنور، فكيس القمح يكفيه سنة تقريباً، والله أعطيه من زكاة القمح عيناً.
 أمَّا إذا كان عندي كرز، وجنيت مئة صندوق كرز مثلاً، فالعُشْر عَشْرُ صناديق فإذا أعطيت جاري عَشْرَ صناديق، كل صندوق وزنه يقدر بعشرين كيلو، ماذا يستفيد هذا الفقير من كل هذه الصناديق؟ هذا ليس من المعقول، إذاً أعطيه ثمن الخمس صناديق أو ثمن العشر صناديق، إذاً دائماً دفع الزكاة في الفواكه و الثمار و الزروع والمحاصيل والبستنة، أيُّهما أنسب للفقير؟ أن أعطيه من هذا الإنتاج أم أعطيه مالاً؟ ممكن أن يكون ساكن إلى جانبي وفقير، أعطيه سحَّارة أم صندوق فاكهة؟ صندوق تفاح والباقي أعطيه مالاً.
 هناك سؤال سألني به أ حد الأخوة، شخص ما جنى ألف صندوق تفاح، فهل الزكاة على الألف؟ يقول: دفعت خمساً وثمانين ألف ليرة مصاريف، كل ليتر مبيد ثمنه ألفا ليرة، وقد عملت أول رشِّة و الثانية و الثالثة، مبيد فطري و حشري، واشترى محرِّكاً، وهناك أجور عمال، فالنفقات التي أنفقت على هذه المزرعة حتى آخر هذا الإنتاج تحسم من ثمن الإنتاج، ليس من المعقول أن نقول له: على الألف صندوق زكاة وما دفعه؟ دفع خمساً وثمانين ألفاً كنفقات، أجور عمال، و أجور جني، وأثمان صناديق، وأثمان مبيدات ورش، لذلك نفقة الزراعة، النفقة تحسم من ثمن الإنتاج، فالتفاضل، إذا كان الإنتاج بعلاً من دون عناية، من دون مصاريف يكون عشراً، وإذا كان سقيّاً فنصف العشر.

وجوب الزكاة في كل محصول ثابت أساسي عليه استهلاك شديد :

 طبعاً، أنا موضوعاتي كلَّها موضوعات خلافية، النبيّ عليه الصلاة و السلام ذكر أنَّ الزكاة في القمح و الشعير والزبيب و التمر، أمَّا العلماء فاختلفوا، هل تجب الزكاة في هذه الأشياء لذاتها أم لعلة فيها؟ إذا كانت لذاتها إذاً لا تجب الزكاة سوى في هذه الأربعة محاصيل، إذا كان فقط في القمح، مثلاً إذا كان شخص يوجد عنده مشروع تفاح إنتاجه السنوي خمسمئة ألف ليرة، توجد مزارع ضخمة، وآخر عنده مشروع كرز، وآخر عنده مشروع فريز، و رابه عنده مشروع عسل ضخم، مشروع أبقار، مشروع دواجن، هذه ليس عليها زكاة، فقط القمح و الشعير والزبيب و التمر؟ لا، العلماء قالوا: تجب الزكاة لا في ذواتها بل لعلَّة فيها، أي المحاصيل الأساسية لها أسعار ثابتة وعليها طلب كبير، قد يكون هناك إنسان قد زرع توتة واحدة فقط ويستهلكها استهلاكاً هذا بحث آخر.
 أمَّا كل محصول ثابت أساسي عليه استهلاك شديد، فهذا المحصول تجب فيه الزكاة، مشروع فريز يُباع فيه الكيلو الواحد بسبعين ليرة، فهذا المشروع ناجح جداً، هناك مشروع مثلاً فطر، هل عليه زكاة؟ الفطر ثمنه غالٍ جداً!! كل مشروع إنتاجي زراعي أو حيواني؛ أبقار، أغنام، دواجن، عسلاً مثلاً، هذا كله عليه زكاة، ومقداره العشر إذا كان بعلاً، ونصف العشر إذا كان سقياً، الإنتاج الحيواني يقاس على ذلك، المناحل في كهوف الجبال، مثلاً عنده بستان، هذا العسل مادام في كهف فعليه زكاة العشر، ولكن عندما تكون قد دفعت ثمن مناحل، وثمن أجهزة، وأدوات وشمع، إذاً عندئذ نصف العشر.
 هذه بعض المعلومات، نحن لم ندخل بالتفصيلات ولا في الخلافيات، هذه معلومات دقيقة، نصاب الزكاة عشرة آلاف ليرة سوري، فضة، ذهب، ورق، مثل بعضها، لو كان عندك ثلاثة آلاف، وقليل من الفضة بألفين، و ذهب بألف، يصبح المجموع عشرة آلاف، يجب أن تضمٌّ الأموال إلى بعضها، أمَّا موضوع أن يحول عليه الحَول فإذا وجد معك النصاب في طرفيّ العام تجب فيه الزكاة، لكن إنساناً منشئاً خطاً بياناً، عشرة آلاف نقصوا ليرتين في شهر الكانون الثاني، إذاً ليس عليهم زكاة!!! زادوا خمس ليرات، نقصوا ألف ليرة، هذا أمر مستحيل، طبعاً هناك كتب تدخل في تفصيلات مزعجة، نحن نريد أن نقول: المال إذا وجد في طرفيّ العام فوق النصاب عليه زكاة، انتهى الأمر.
واحد رمضان ماذا يوجد معك من المال؟ إذا كان معك مال فوق النصاب ادفع زكاة، واحد رمضان الثاني معك مال فوق النصاب ادفع زكاتهم، وانتهى الأمر، هذا المال كالورق و الفضة والذهب وعروض التجارة وزكاة الإنتاج الزراعي والبقر والغنم والماعز وما شاكل ذلك.

زكاة الحلي :

 ردَّاً على جواب من أحد الحضور حول هذا الموضوع: معي جنزير واحد، زوجان من الحلق هذا هو الحليّ، أمَّا أملك ثلاثين جنزيراً ثمنهم مليون ليرة مثلاً فهذه ليست حليّ، لأن هناك عرفاً، هذه الزينة يمكن أن توضع في يد المرأة وفي آذانها وفي رقبتها، ممكن أن نضعهم كلَّهم فوق بعضهم فأغلب الظن الكمية المعقولة، أمَّا إذا كان الإنسان يدِّخر أمواله بشكل حليّ، هذا ليس بحليّ، حتى العلماء قالوا: لو أنَّ سواراً انكسر فوضعناه في الدرج، هذا أصبح الآن مالاً، مادام هذا السوار لا يُستَهلك أصبح مالاً انقلب من سوار إلى ذهب له ثمن.
 امرأة موسرة معها أموال فائضة، أموال مقضيّة كثيرة، وأرادت أن تتقرب إلى الله تعالى، بدفع زكاة هذه الأساور، فهذا من باب الإحسان، لكننا نحن نريد الفرض:

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة الذاريات: 19 ]

 الحليّ بالعدد المعقول، بالحجم المعقول، لكن جنزيراً ثمنه مئة ألف ليرة، هذا لم يعد حليّاً، هذا أصبح أموالاً مدّخَرة.

تلخيص لما سبق :

 على كلٍّ موضوع زكاة المال، زكاة الزراعة، شخص عنده إنتاج تفاح، لو فرضنا استقرض أجور العمال، استقرض ثمن المبيدات، استقرض مثلاً أجور فلاحة الأرض، أجور الجني، هذه كلها قروض، فلو كان الإنتاج مئتي ألف، وعليه قروض بخمسين ألفاً، فحسمه المصاريف من ثمن الإنتاج الكلي بقي التفاضل، فهذه المئة والخمسون ألفاً، لو كان البستان سقي، وبمحركات، المحرّك له صيانة ومازوت و... فالزكاة هنا نصف العشر، أي واحد من عشرين تقريباً، فهذه المئة والخمسون لهم مقدار، ويمكن دفع الزكاة من المحصول، فلو كانت الزكاة عشرين صندوق تفاح، وأنت تعرف عشرين أسرة فقيرة، فتوزع عليهم هذه الصناديق، لكنك لا تعرف عشرين أسرة فقيرة، فتعطي لأسرة فقيرة صندوقين، وتوزع الباقي نقداً.

***

سالم بن عبد الله بن عمر :

 بقي أن نتحدّث في درس اليوم عن التابعيّ الجليل سالم بن عبد الله بن عمر، التابعيّ الذي تحدّثنا عنه في الدرس الماضي له قصّة أخرى، سالم بن عبد الله بن عمر لم يُقبِل على الدنيا كما أقبل عليها غيره، ولم يحفَل بعرَضها الفاني، كما حفل بها سواه، وإنما زهد بما في أيدي الناس رغبةً بما عند الله، وأعرض عن العاجلة رجاء الفوز بالآجلة، جرّب خلفاء بني أميّة أن يغدقوا عليه الخير، كما أغدقوا على غيره، فوجدوه زاهداً بما في أيديهم، مُستَصغراً للدنيا وما فيها.
 ففي ذات سنَةٍ، قدِم سليمان بن عبد الملك حاجّاً، فلما أخذ يطوف طواف القدوم أبصر سالماً بن عبد الله بن عمر، يجلس قبالة الكعبة في خضوعٍ، ويحرّك لسانه بالقرآن الكريم في تبتّلٍ وخشوع، وعَبِرَاته تنهمر على خدّيه، حتى كأنّ وراء عينيه بحراً من الدموع، فلما فرَغ الخليفة من طوافه، وصلّى ركعتين سنَّة الطواف، توجّه إلى حيث يجلس سالم بن عبد الله فأفسح الناس له الطريق حتى أخذ مكانه بجانبه، وكاد يمَسُّ بركبتيه ركبته، فلم يتنبّه له سالم، لم ينتبه ولم يلتفت إليه لأنّه كان مستغرقاً بما هو فيه، مشغولاً بذكر الله عن كل شيء، وطفق الخليفة يرقب سالماً بطَرفٍ خفي، ويتلمّس فرصة ً يتوقّف فيها عن القراءة، ويكفّ عن النحيب حتى يكلّمه، فلما واتته الفرصة، مال عليه وقال: السلام عليك يا أبا عمر ورحمة الله، فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقال الخليفة بصوتٍ خفيف: سلني حاجةً أقضيها لك يا أبا عُمَر؟ فلم يجبْه سالمٌ بشيْ، فظنّ الخليفة أنّه لم يسمعه، فمال عليه أكثر من ذي قبلٍ وقال: رغبت أن تسألني حاجةً لأقضيها لك؟ فقال سالم: والله إني لأستحيي أن أكون في بيت الله عز وجل ثم أسأل أحداً غيره، فخجل الخليفة وسكت، لكنه ظلّ جالساً في مكانه، فلما قضيَت الصلاة نهض سالمٌ يريد المضيّ إلى رحْله، وحوله جموع الناس، هذا يسأله عن حديثٍ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وهذا يستفتيه في أمرٍ من أمور الدين، وثالثٌ يستوضحه في شأنٍ من شؤون الدنيا، ورابعٌ يطلب منه الدعاء، وكان في جملة مَن لحق به خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك، فلما رآه الناس وسّعوا له حتى حاز منكبه منكب سالم بن عبد الله، فمال عليه وهمس في أذنه قائلاً: ها نحن قد غدَونا خارج المسجد، فسَلني حاجةً أقضيها لك؟ - هل لك عذر؟ في الداخل تستحي أن تسأل غير الله وأنت في بيت الله، هنا هل لك عذر؟ - فقال سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ أي تريد أن تقضي لي حاجةً من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فارتبك الخليفة وقال: بل من حوائج الدنيا، ليس عندي شيء من الآخرة، سَلني من حوائج الدنيا، فقال له سالم: إني لم أطلب حوائج الدنيا ممن يملكها- وهو الله سبحانه وتعالى- فكيف أطلبها ممن لا يملكها؟ ظن الخليفة أنه قد يملك أحد حوائج الآخرة، قال: بل من حاجات الآخرة، فقال له: أسألك أن تنقذني من النار، قال: هذه لا أملكها، قال إذاً ليس لي عندك حاجة، فانصرف الخليفة، وقد خجل واستحيا، وقال: ما أعزّكم يا آل الخطّاب! ما أعزّكم! فقد أعزّكم الله بالزهد والتُقى، وما أغناكم يا آل الخطاب، بارك الله عليكم من آل بيته، ما هذه العزة والتعفّف والتجمّل؟! وهذا من صفات المؤمن، شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزّه استغناؤه عن الناس.
 قيل: وفي السنَة التي قبلها حجّ الوليد بن عبد الملك، فلما أفاض الناس من عرفات لقي الخليفة سالمَ بن عبد الله في مزدلفة، وهو مُحرِم، فحيّاه وبيّاه- بياه: دعا له برفع المقام- حياه وبيّاه، ثم نظر إلى جسده المكشوف، فوجده تامّ البنية، بادي القوّة، كأنه بناءٌ مبنيّ، فقال له: إنك لَحَسَن الجسم يا أبا عمر، فما أكثر طعامك، ماذا تأكل؟ فقال: الخبز والزيت، وإذا وجدت اللحم أحياناً أكلته، فقال: الخبز والزيت! قال: نعم، قال: أَوَ تشتهيه - هل يؤكل معك؟ - قال: إن لم أشتهِه أتركه حتى أشتهيه - إذا كان عندك طعام لا تشتهيه اتركه فتشتهيه فيما بعد - أتركه حتى أشتهيه.

الشبه بين سالم و جده الفاروق في الجهر بكلمة الحق :

 كما أشبَه سالمٌ جدّه الفاروق في الإعراض عن الدنيا، والزهد في عرَضها الفاني، فقد أشبهَه أيضاً في الجهَر بكلمة الحقّ مهما كانت ثقيلة الوطأة.
 قيل: هذا التابعيّ دخل مرّة على الحجّاج في حاجةٍ من حوائج المسلمين، لا يشرَع للمؤمن والتقي أن يدخل على الأمير إلا من أجل أن يقضي حاجةً من حوائج المسلمين، لا للتزلّف بل لقضاء الحاجات، وفيما هو كذلك إذ أتيَ الحجاج بطائفةٍ من الرجال، شُعْثِ الشعور، غُبْر الأجسام، صُفر الوجوه، مقرّنين بالأصفاد - مكبَّلين - فالتفت الحجاج إلى سالم وقال: هؤلاء بُغاةٌ مُفسدون في الأرض، مُستبيحون لما حرّم الله من الدماء، ثم أعطاه سيفه وأشار إلى أولهم وقال: عليك بهذا - اقتل هذا - فالحجاج أراد أن يغطي عمله، بأن يقوم هذا التابعي الجليل حفيد سيدنا عمر بقتلهم، فيكون هذا العمل مشروعاً، أعطاه سيفه، وفي هذا إحراجٌ كبير، وقال: عليك بهذا الأول، اقتله، فقم إليه واضرب عنقه، فأخذ سالم السيف من يدي الحجاج ومضى نحو الرجل، وقد شخصت أبصار القوم نحوه تنظر ماذا يفعل، أيفعلها؟ فلما وقف على الرجل قال له: أمسلمٌ أنت؟ قال: نعم، ولكن ما أنت وهذا السؤال؟ قال: امض لإنفاذ ما أُمرت به، قال له سالم: وهل صلّيت الصبح؟ قال الرجل: قلت لك إني مسلم وتسألني إن كنت صليت الصبح؟ طبعاً صليت الصبح، وهل تظنّ أنّ هناك مسلماً لا يصلي؟ فقال سالم: أسألك أجبني، أصليت الصبح هذا اليوم؟ هذا اليوم بالذات، فقال الرجل: هداك الله، قلت لك: نعم، وسألتك أن تنفذ ما أمرك به هذا الأمير، وإلا عرّضت نفسك لسخطه، أي نفّذ الأمر وإلا يسخط عليك، هكذا يقول له الرجل، وإلا يسخط عليك، فرجع سالم إلى الحجاج، ورمى السيف بين يديه وقال: هذا الرجل يقول: إنه مسلم، وقد صلّى الصبح هذا اليوم، وقد بلغني أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:

(( مَنْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَانْظُرْ يَا بْنَ آدَمَ لا يَطْلُبَنَّكَ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ ))

[أحمد عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ]

 وإني لا أقتل رجلاً دخل في ذمّة الله عز وجل، فقال له الحجّاج مُغضَباً: إننا لا نقتله على ترك فعل الخير، وإنما نقتله لأنه أعان مَن أعان على قتل الخليفة عثمان بن عفان، فقال له سالم: إن في الناس مَن هو أَولى مني ومنك بدم عثمان، فسكت الحجاج ولم يجب بأي جواب، ثم إن أحد شهود المجلس قدم على المدينة وأخبر عبد الله بن عمر - والده - فيما طلبه الحجاج من ابنه سالم، فلم يتريّث حتى يسمع بقية الخبر، وإنما بادر محدّثه قائلاً: "وما صنع سالمٌ بأمر الحجاج؟ فقيل له: صنع كذا وكذا، فسُرّي عنه وقال: كيّسٌ كيّس، أي عاقلٌ عاقل".

رسالة سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز :

 ولما آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز، كتب إلى سالم بن عبد الله: يا سالم بن عبد الله، يقول له، أما بعد: "فإن الله عز وجل ابتلاني بما ابتلاني به من ولاية أمر المسلمين، عن غير مشورة منيّ ولا طلب، فأسأل الله الذي ابتلاني بهذا الأمر أن يعينني عليه، فإذا جاءك كتابي هذا فابعث لي بكتب عمر بن الخطاب و أقضيته وسيرته، فإنيّ عازم على أن أتِّبع سيرته، وأسير على نهجه، إن أعانني الله على ذلك والسلام".
 فكتب سالم إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز، أمَّا بعد: " فقد وصلني كتابك الذي فيه أن الله عز وجل ابتلاك بإمرة المسلمين، من غير طلبٍ منك ولا مشورة، وإنك تريد أن تسير بسيرة عمر، فلا يفُتك أنك في زمانٍ غير زمان عمر، هذه أول ملاحظة، وأنه ليس في رجالك مَن يماثل رجال عمر.
 يحكى أن أحدهم تطاول على سيدنا علي، قال: أجبني أيها الأمير لماذا انصاع الناس لأبي بكرٍ وعمر أي أطاعوهم ولم ينصاعوا إليك؟ - فيه استفزاز - وكان سيدنا علي فطناً فقال له: لأن أصحابهم كانوا أمثالي، وأما أصحابي فهم أمثالك، قال له: ليس في رجالك من يماثل رجال عمر، ولكن اعلم أنك إن أردت الحق ونويته أعانك الله عليه - هذه أول ملاحظة، إن أردت الحق ونويته - وأتاح لك عمالاً يقومون لك به، وأتاك بهم من حيث لا تحتسب، فإن عَون الله للعبد على قدر نيته، فمن تمّت نيته في الخير تمّ عون الله له، ومن قصّرت نيّته نقص من عون الله له بقدر نقص نيته، وإذا نازعتك نفسك إلى شيء مما لا يرضي الله عز وجل فاذكر من كان قبلك من ذوي السلطان الذين سبقوك إلى الرحيل عن هذه الدنيا، يقال: إن عمر بن عبد العزيز ما دخل إلى مجلس الخلافة إلا تلا هذه الآية:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

[ سورة الشعراء: 205-207 ]

 وإذا نازعتك نفسك إلى شيء مما لا يرضي الله عز وجل، فاذكر من كان قبلك من ذوي السلطان الذين سبقوك إلى الرحيل عن هذه الدنيا، واسأل نفسك كيف تفقأت عيونهم التي كانوا يشهدون بها اللذات المحرّمة، وكيف تمزّقت بطونهم التي كانوا لا يشبعون بها من الشهوات، وكيف كانوا زيةً لو تركت إلى جانب مفاتننا ولم توار التراب لضججنا من ريحها، ولمسّنا الضرّ من نتنها، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته".
 يروى أنّ سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عمّر عمراً مديداً حافلاً بالتقى، والصلاح، وبالهدى، وقد أعرض عن زينة الدنيا وزخرفها، وأقبل بابتلائه على ما يرضي الله تعالى، فأكل من الطعام ما غلُب، ولبس من الثياب ما خشُن، وغزا الروم مع جيوش المسلمين جندياً، وقضى حوائج المسلمين وحنا عليهم حنوّ الأمهات، فلمّا أتاه اليقين ارتجّت المدينة حزناً عليه، وترك نعيه في كل قلبٍ لوعة، وعلى كل خدٍّ دمعة، و هبّ الناس، كل الناس يشيعون جنازته، ويشهدون دفنه، وكان هشام بن عبد الملك يومئذٍ موجوداً في المدينة، فخرج للصلاة عليه وتشييعه، فلما رأى تزاحم الناس وتدفقهم، هالته كثرتهم، وأثارت في صدره شيئاً من الحسد، فسأل نفسه: ترى كم يخرج من هؤلاء الناس لو أن خليفة المسلمين مات في بلدهم؟ ثم قال لإبراهيم بن هشام المخزومي واليه على المدينة: افرض على أهل المدينة أن يبعثوا أربعة آلاف رجلٍ إلى الثغور ليحاربوا، فسمي هذا العام بالأربعة آلاف، هكذا كان سالم بن عبد الله بن عمر، رحمه الله تعالى.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018