بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الزكاة - الدرس : 10 - من هم أولى بالزكاة


1986-08-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

استحباب إعطاء الزكاة للصالحين :

 أيها الأخوة المؤمنون، لازلنا في موضوع الزكاة، وربما ينتهي معنا في هذا الدرس استِحباب إعطاء الصَّدَقة أي الزكاة للصالحين.
 حينما يُعطى غير الصالح المال ينفق هذا المال في غير الوجه الذي أمر الله به، أيْ إذا كان الفقير مُحتاجًا إلى هذا المال مرَّة، فالفقير المؤمن مُحتاج إلى هذا المال مئة مرَّة! فالفقير المؤمن مستقيم، وعنده حياء وعِزّة وكرامة، هذا ينفق المال في القربة من الله تعالى ، ينفق المال على عياله، فأن تبحث على الفقير فقط هذا ليس من الصَّلاح في شيء، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَمَثَلُ الْإِيمَانِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي آخِيَّتِهِ، يَجُولُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى آخِيَّتِهِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْهُو ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْإِيمَانِ، فَأَطْعِمُوا طَعَامَكُمُ الْأَتْقِيَاءَ، وَأَوْلُوا مَعْرُوفَكُمُ الْمُؤْمِنِينَ ))

[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 وإذا أحبَّ الله عبدًا جعل صنائعه في أهل الحِفاظ، فأحيانًا تلتقي مع إنسان تشعر أنَّه متألّم ألمًا لا حدود له، والسَّبب أنَّه قدّم خِدمة كبيرة لإنسان وكان هذا الإنسان لا يستحقّها، وكفر بها، وجحد هذا الفضْل، وتنكَّر له، فإذا أحبَّ الله عبدًا جعل صنائعه في أهل الحِفاظ، فهؤلاء الذين لا ينْسَون المعروف، وعلامة المؤمن أنَّه إذا فعل معروفًا لا يذكرُهُ أبدًا، وكلَّما ارتقى إيمانهُ لا يذكرُ ولا مرَّةً واحدة هذا المعروف، وعلامة المؤمن أيضًا أنَّه إذا فُعِل معه معروف لا ينساه أبدًا ما كان على قيْد الحياة، فإذا قال لك أحدهم: لك فضل عليّ، ولا أنساه لك، فهذه علامة إيمانه، وإذا أراد أن يُنكرَ هذا الفضْل فهذه علامة الفِسْق والفجور، لذلك الإنسان إذا كان عمله الطيِّب وضعه عند المؤمنين فأغلب الظنّ أنَّ هؤلاء المؤمنين تزداد محبَّتهم له، والمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، والمؤمنون بعضهم لبعض نصَحَةٌ مُتَوادُّون، ولو ابتَعَدَت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غَشَشَة متحاسدون، ولو اقتربَتْ منازلهم، أما أن يُلقي الإنسان ماله جزافًا هكذا، وانتهى الأمر، كهذا الحاج الذي يذبحُ الهَديَ ويُلقيه في الطريق، أهكذا أمر الله عز وجل؟! خالق السموات والأرض، وخالق هذه النِّعَم أهكذا أمرَك؟ قال تعالى:

﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[ سورة الحج: 36]

 أمر إلهي واضِح كالشمس.

ما من حكم إلا و له حكمة :

 الإنسان عليه أن يبحث عن حِكمة الأحكام، فالأصوليُّون قالوا: ما مِن حكمٍ فقهي إلا ووراءهُ حكمة، فإذا تعطَّلَت الحِكمة تعطَّل الحكم! فالنبي عليه الصلاة والسلام أوقفَ حدَّ قطع اليد في غَزْو، والله عز وجل يقول في القرآن الكريم:

﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

[ سورة المائدة: 38]

 أمر صريح وواضح، ويأتي النبي عليه الصلاة والسلام فيُعَطِّل هذا الأمر في الغَزْو ما حِكمة ذلك؟! لأنَّ هذا الذي يسرق في الحرب لو أردتَ أن تقطَعَ يدهُ ينضمّ إلى صفّ الأعداء فَوْرًا حتَّى ينْجُو من قطْع اليد فإذا انضمّ إلى صفِّهم نقل أخبار الطَّرف الثاني، فكان قَطْعُ اليد في الحرب وبالاً على المسلمين، فالنبي عليه الصلاة والسلام لِما أراه الله من حِكمة قَطع اليد رأى أنَّ هذا الحدّ لا يُطبق أثناء الحرب، فهو في السِّلم حياة قال تعالى:

﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 179]

 لكنّ قطع اليد في أثناء الغزو يعود على المسلمين بالضَّرر، فما من حكم إلا وله حكمة، هكذا تشتري الهَدي بأربعة آلاف ليرة، وتذبحها في الطريق، ثمّ ترميها كي تملأ الجوّ بريحها النَّتِن! أهذا هو الدِّين؟! قال تعالى:

﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾

[ سورة الحج: 36]

على المزكي أن يجتهد قبل أن يعطي زكاته :

 عنوان فصلنا استِحباب إعطاء الصَّدَقة أي الزكاة للصالحين، فحينما لا يبقى صالح محتاج أعْطِ غير الصالحين، أما إنسان مؤمن ومستقيم، ويُقيم الشَّرع في بيته، وهو محتاج إلى مبلغ من المال، تتركه وتعطي المال لآخر يمضي سهراته وراء أجهزة اللَّهو، و لا ينضبط بالشّرع، فهذا الذي قاله العلماء: الزكاة تعطى للمسلم إذا كان من أهل السِّهام، وذوي الاستحقاق إلا إذا عُلِم أنّ سيَسْتعين بها على ارتِكاب ما حرَّم الله تعالى: فإنَّه يُمْنعُ منها سدًّا للذَّريعة، فإذا عُلِم أنَّه سينْتَفِعُ بها فإنَّه يُعطى منها، وإن لم تعرف المحسنين فاسأل الذين يعرفون، فاجْتهِد قبل أن تعطيّ هذا المال أن يكون لِمَن يسْتَحِقَّه، ولك الأجر الكامل، أما لم تجتهد فليس لك شيء!

على المزكي أن يخصّ بزكاته أهل الصلاح و العلم :

 وينبغي أن يخصّ المزكِّي بِزَكاته أهل الصَّلاح، والعلم، وأرباب المروءة، قال ابن تيميَّة: فمن لم يُصَلِّ من أهل الحاجات لم يُعْط شيئًا حتى يتوب ويلْتزِمَ أداء الصَّلاة! بين الرجل والكفر ترك الصلاة، من تركها فقد كفر جهارًا، كحال الذي يُدَخِّن، ويُدَخِّن ماركة مشهورة، تعطيه مالك الذي حصَّلْتَهُ بِكَدِّك وعرقِ جَبينك لِيَشْتري الدُّخان!! ولِيَشتري ما يؤذيه ويؤذي غيره!! هذا رأي ابن تَيْمِيَّة رحمه الله تعالى، وهذا حقّ، فإنَّ ترك الصَّلاة إثم كبير، ولا يصحّ أن يُعانى مُقْترفها حتى يُحْدِث لله تعالى توبةً، ويُلْحقُ بِتارِك الصلاة العابِثُون والمستهترون الذي لا يتورَّعون عن منكر ولا ينتهون عن الغيبة، والذين فسَدَت ضمائرهم، وانطمست فطرهم، وتعطَّلت حاسَّة الخير فيهم، فهؤلاء حالهم الاستهزاء بالدِّين، وعدم المبالاة به، ومفرِّط، هذا الصِّنف لا يُعْطَون من الزكاة إلا إذا كان العطاء قِياسًا على المؤلَّفة قلوبهم، أو أنَّ هذا العطاء يُوَجِّهُهم الوِجهة الصالحة، ويُعينهم على صلاح أنفسهم بإيقاظ باعث الخير، إلا إن غلَبَ على ظنّك أنَّ هذا المقصِّر في الدِّين إذا أعْطَيتَهُ جلبْتَهُ، وألَّفْت قلبه، وحملتَهُ على التَّوبة فإذا غلب على ظنّك ذلك فأعطِه، فإنَّ إعطاءك إيّاه ينضوي تحت المؤلَّفة قلوبهم.
 عمر بن الخطاب رضي الله عنه عطَّل هذا السَّهم، حينما رأى أنَّ هؤلاء المؤلَّفة قلوبهم انتهى دوْرهم، كانوا عندما كان الإسلام ضعيفًا، فلما استغنى الإسلام وأصبح دولة قويَّة استغنى عن هؤلاء، فإذا ضعف الإسلام وأصبح أعداء الدِّين هم الأغنياء، وصار بإمكانهم أن يجلبوا الناس بالمال كأنّ سهم المؤلّفة قلوبهم في مثل هذه الحالة ينبغي أن يعود اسْتِجلابًا لقلبه.

جواز دفع الزوجة زكاة مالها لزوجها إن كان فقيراً :

 إذا كان للزّوجة مال تَجِبُ فيه الزكاة فلها أن تُعطيَ زوجها المستحقّ للمال من زكاتها لأنَّه لا يجبُ عليها الإنفاق عليه، وثوابها في إعطائه أفضل من ثوابها إذا أعطت الأجنبي لأنَّه أقرب الناس إليها، فلو ورِثَت الزوجة من أبيها ثلاثمئة ألف ليرة، فهذا عليه زكاة، وزوجها موظّف ودخله محدود، فأعْطَت هذا المبلغ لِزَوجها، هذه أجرها مُضاعف.

((عن أبي سعيد الخدري رَضِي اللَّه عَنْه خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ: جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ زَيْنَبُ فَقَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ فَقِيلَ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ نَعَمْ ائْذَنُوا لَهَا فَأُذِنَ لَهَا قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ ))

[البخاري عن أبي سعيد الخدري رَضِي اللَّه عَنْه]

 هناك بعض النِّساء من معهنّ مال، وعليه زكاة، وترى رأي العَين زوجها في المِقلاة، ولا تُبالي، فهذه الزَّوجة ليْسَتْ وَفِيَّة، والإمام مالك له رأي بهذا الموضوع فإذا كان الزَّوج يستعين بما أخذهُ منها على نفقتها فلا يجوز، فلو استحقّت سواراً من ذهب، فلم يستطع أن يشتريها لها، فدَفَعَتْ له زكاة مالها كي يشتري لها هذا السوار فهذا احْتِيال على الشّرع، أما إذا أنفقهُ على أولاده، ولِتأمين غرفة إضافيّة للأولاد، ولِفَصْل الذُّكور على الإناث فعندها يجوز.
أبو حنيفة رحمه الله له رأي ثان، أنها لا يجوز لها أن تدفع له من زكاتها وإنّ حديث زينب وردَ في صدقة التطوّع، لذا اختلاف أمَّتي رحمة.

جواز دفع الزكاة للأقارب :

 أما سائر الأقارب كالأخوة والأخوات والأعمام والأخوال والخالات فإنَّه يجوز دَفعُ الزكاة إليهم إن كانوا مُسْتحقِّين في قول أكثر أهل العلم، لِقَول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ ))

[النسائي عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ]

 قبل أن تُعطي مالك للآخرين انظر في أقاربك من الأخوال والأعمام وأبناء الأخ أو الأعمام، فقبل أن تُعطي الغريب أعْطِ القريب، فهذا الذي يخجل أن يسأل وتعرف أنت حاله فالذي يتفقَّد أقاربه وأحوالهم ومعيشتهم وأمراضهم وأفراحهم؛ صلة الرَّحِم أمر إلهي، وسنَّة نبَوِيَّة.

إعطاء زكاة العلم لطلبة العلم دون العبّاد :

 قال الإمام النَّووي رحمه الله: لو قَدَر إعطاء طلبة العلم من الزكاة دون العُبَّاد، العابد المعتكف في المسجد للعبادة والصلاة، فهذا لا ينبغي أن يُعطى من الزكاة، ورضي الله عن إمامنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد كان جريئًا، فقد رأى رجلاً يقرأ القرآن في النهار فقال رضي الله عنه: إنَّما أُنزل هذا القرآن لِيُعْمَلَ به أفاتَّخَذْتَ قراءته عملاً؟! إنّ لله عملاً بالليل لا يقبلهُ بالنَّهار، وإنَّ لله عملاً بالنَّهار لا يقبله إلا بالليل، أنت شاب ولك زوجة وأولاد وهم جِياع، ماذا تعمل في المسجد؟ أنت عابد والعابد لا يستحقّ من أموال الزكاة! ولكنَّ طالب العلم يُحصِّل العلم من أجل تعليمه، فهذا إنسانٌ مُنْتِج، فكَلِمَةٌ من العالم تنقذ أمَّة، ومن أحياها فكأنَّما أحيا الناس جميعًا، لذلك يُعطَى طالب العلم من أموال الزكاة دون العُبّاد! فطلبة المدارس الشرعيَّة، وكليَّات الشريعة في الجامعة، الذين جاؤوا من بلاد أخرى، يتعلَّمون الشريعة الإسلاميَّة لِيَعودوا إلى أقوامهم مُبلِّغين ومنذرين، هؤلاء يستحقُّون من أموال الزكاة، وهو حقُّهم، وكذا الذي يتفرَّغ لِطَلب العلم من دون مدرسة شرعيّة، فهذا جلس لِيَعرف الله عز وجل، ويُرْوى أنَّ الإمام أبا حنيفة قال: "سَمِعتُ حديثًا عن النبي عليه الصلاة والسلام وأنا في الحج، وهذا الحديث يقول: من طلب العلم تكفَّل الله له بِرِزْقه!" أنا أفهم هذا الحديث فهمًا خاصًّا، فليس المعنى أن يدرس الإنسان الشريعة، أو يلازم مجالس العلم، ثمّ ينتظر الباب كي تأتيه النقود، ليس هذا هو المعنى، ولكنّ المعنى أنَّه من طلب العلم يسّر الله له عملاً، فَتَجِد أنَّ وقته قليل، ودخله كثير، لأنّه ابْتغوا الحوائج بِعِزَّة الأنفس، فإنَّ الأمور تجري بالمقادير، ولا ينبغي للمؤمن أن يذِلّ نفسه، فليس معنى الحديث أن يجلس الإنسان بِبَيْتِه، وينتظر كي تأتيه الأموال، ولكنّ الحديث أن تقوم وتعمل، فالإمام أبو حنيفة تاجر، فالعمل شرف في الإنسان، ولكن هناك أعمالاً مرهِقة، وتستغرق وقتًا طويلاً.
 قال الإمام النووي: لو قدر طالب العلم على كسبٍ يليق بِحاله لفعل، إلا أنَّه مشتغل بِبَعض العلوم الشرعيّة، بِحيث لو أقبل على الكسب لانْقطَع عن التَّحصيل، حلَّت له الزكاة، ولأنّ تحصيل العلم فرض كفاية، أليس من العار أنْ يكون الكفار الأجانب بِمُعظم الجامعات طالب العلم يُعطونه عملاً بسيطًا في الجامعة وله أجر كبير؟ إذاً نحن أولى من الأجانب والكفار.

حكم دفع المعسر دينه كزكاة :

 الإمام النووي يقول: لو كان على رجلٍ معسِر دينًا فأراد أن يجعله على زكاته وقال: جعلتهُ عن زكاتي فوجهان؛ أصحُّهما أنَّه لا يجزئه، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة، لأنَّ الزكاة في ذِمَّته، والثاني يجزئه، وهذا مذهب الحسن البصري، حدَّثني شخصٌ قال: لنا مع شخص مبلغ بعناه بضاعةً وهذا الشَّخص تُوُفِّي، ترك طفلين صغيرين في السنة العاشرة، ولا يقوَيان على كسب القوت، فسامحناهما بهذا المبلغ، وأسقطناهما من الزكاة وهذا يجوز على رأي بعض الأئمة، فإذا كان هناك دينٌ ثابت، وأنت حينما وضَعتَ هذا الدَّين عن المدين، وكان هذا المدين مستحِقًّاً فلك أن تُسْقط هذا المبلغ من حساب الزكاة، والله سبحانه وتعالى يقبل ذلك إن شاء الله على رأي بعض الأئمة.
 هنا نقطة أخرى، إنسان له مع الثاني خمسة آلاف ليرة، ولم يعْطِهِا له، ومعه مئتا ألف زكاتها خمسة آلاف، فأعطاه خمسة آلاف زكاة، وقال له هذا دَيني، فهذه حيلة شرعيّة، دفع الزكاة بِشَرط أن يردّها إليه عن دينه فلا يصحّ الدَّفع ولا تسقط الزكاة بالاتِّفاق، تبقى الزكاة في ذِمَّته، ولا يُقبل هذا العمل منه.

نقل الزكاة من بلد لآخر :

 الأصل أنَّ هذه الزكاة التي جُمِعَت من مال نما في الشام، يجبُ أن تُعْطَى لِفُقراء الشام، فأسواق دمشق نمَّت أموال الناس، زكاة هذه الأموال يجبُ أن ترَدّ إلى فقراء دمشق، لأنّ الذين اشْتروا وباعوا اسْتَهلكوا أسواق دمشق، وجهود أبنائها، فَفُقَراء دمشق أولى من غيرهم، لذا قال العلماء رحمهم الله: أجمع الفقهاء على جواز نقل الزكاة إلى من يستحقّها من بلد إلى آخر بِشَرط أن يستغني أهل البلد المزكَّى عنها، فلو لم يبق في الشام ولا فقير عندئذٍ يجوز نقل الزكاة إلى فقراء حمص مثلاً، أما أبناؤكم فأولى بِزَكاة أموالكم من الفقراء.
 أما إن لم يستغن قوم المزكّي عنها فقد جاءت الأحاديث مصرِّحةً لأنَّ زكاة كلّ بلدٍ تُصرفُ على فقراء أهله، ولا تُنقلُ إلى بلد آخر، لأنَّ المقصود من الزكاة إغناء الفقراء من كلّ بلد، فإذا أُبيحَ نقلها إلى بلد مع وُجود فقراء بها أفضى إلى إبقاء فقراء ذلك البلد محتاجين، ففي حديث معاذ المتقدّم أنَّ عليهم صدقَةً تؤخذ من أغنيائهم وتُردّ على فقرائهم.
 وسوف نتابع هذا الموضوع وننْهيه في درس قادم، وقد تمنَّيتُ أن ينتهي ولكنَّه لم ينته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018