بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الزكاة - الدرس : 25 - زكاة عروض التجارة - الترغيب بالزكاة والترهيب من منعها .


2002-01-27

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الترغيب بالزكاة والترهيب من منعها :

 أيها الأخوة الكرام ، هذا الدرس الخامس والأخير إن شاء الله تعالى في موضوع الزكاة ونحن في هذه الدروس الأربعة السابقة لم نتحدث إلا عن زكاة عروض التجارة ، هذا الدرس الأخير متعلق في الترغيب بالزكاة والترهيب من منعها ، والحقيقة أن الله سبحانه وتعالى يؤيد تشريعه بمؤيدات ترغيبية وترهيبية ، لذلك أحد كبار علماء الحديث ألّف كتاباً كبيراً في الحديث الشريف : سماه الترغيب والترهيب ، ذلك أن الله سبحانه وتعالى حينما وصف أنبياءه الكرام وصفهم بأنهم يعبدونه رغباً ورهباً ، وحينما ورد في بعض الآثار القدسية أن يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال : أحبّ عبادي إلي تقي القلب نقي اليدين لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني وأحبّ من أحبني وحببني إلى خلقي ، فقال هذا النبي الكريم : اللهم إنك تعلم أنني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي .
 أي يستنبط من هذا النص أن العبد لابد من أن يمتلئ قلبه محبةً لله عز وجل من خلال النعم التي أسبغها علينا ، ولابد من أن يمتلئ قلب المؤمن من الخوف من الله من خلال النقم التي نراها من حولنا ، ولابد من أن يمتلئ قلب المؤمن تعظيماً من الآيات الدالة على عظمة الله ، فينبغي أن يكون في قلب كل مؤمن تعظيم وخوف ومحبة ، ولابد من توازن هذه المشاعر ، محبة بلا خوف مشكلة ، وخوف بلا محبة مشكلة ، تعظيم بلا محبة ولا خوف مشكلة ، لابد من أن يمتلئ قلب المؤمن بالحب بسبب النعم التي أسبغها الله عليه ، وبالخوف من جراء النقم والمصائب التي تحل بمن حوله ، والتعظيم لله من خلال الآيات الدالةً على عظمة الله جل جلاله ، لذلك لابد من الترغيب في دفع الزكاة والترهيب من منعها .

الله عز وجل حينما يأمر يعلل :

 بالمناسبة قلّما يحتاج القوي إلى أن يعلل أوامره لمن يأمره بها ، افعل كذا لكن حينما يأتي القوي ويعلل افعل كذا من أجل كذا ، افعل كذا لأن هذا ينفعك ، فهذا كمال كبير جداً في الآمر ، خالق الأكوان رب العباد من بيده ملكوت كل شيء إذا أراد شيئاً أن يقول له : كن فيكون حينما يأمر يعلل ، يعطيك العلة:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة العنكبوت: 45 ]

 شيء جميل:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم ، اسم الزكاة مريح من تزكية النفس ، النفس تزكو عن الإنفاق ، النفس تطهر ، والنفس تسمو إلى الله ، بخلاف كلمة ضريبة من أي فعل اشتقت الضريبة ؟ من الضرب أما الزكاة فمن التزكية ، واضعو الأنظمة الأرضية يعجبون ، الإنسان يحتال احتيالاً لا حدود له ليتهرب من دفع هذه التي تفرض عليه، لكن يقبل المؤمنون على دفع الزكاة طواعيةً من دون مطالبة ، من دون قهر ، من دون جبر ، لأن أمر الله عز وجل مقدس عند المؤمن .

الإسلام منهج كامل :

 أخواننا الكرام ، هناك من يعتقد أن في الإسلام أولويات ، وأنا مع هؤلاء لكن إياك أن تقول : إن في الإسلام جوهراً وقشوراً ، لا ، هذا كلام فيه سوء أدب ، الإسلام منهج كامل حتى الأشياء التي تبدو لك صغيرة هي لها قيمة كبيرة جداً ، أي تبسمك في وجه أخيك صدقة ، أن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة ، أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر هو لك صدقة .
 حدثني أخ وقال لي : أنا سبب توبتي وإقبالي على الله واصطلاحي مع الله سائق تكسي ، كنت أحمل حاجات من بين هذه الحاجات شراب محرم خمر ، فلما لمح السائق هذه الحاجة أوقف المركبة وطردني ولم أستطع أن أركب لنصف ساعة تقريباً ، فشعرت بالذل فكان هذا الموقف من هذا السائق سبب توبتي .
 أنت أمامك أشياء كثيرة ، لا أدري إن كان المثل واضحاً ؟؟ يمكن أن تضرب إنساناً ضرباً مبرحاً حتى تكسر عظامه ثم تقول له : ادفع لي أجرتي لقد أتعبتني ، والأجرة ألف ضعف ، ثم تقول له : اشكرني ، ينبغي أن تشكرني ، أي هل هناك قهر كهذا القهر ؟ تضربه ضرباً مبرحاً وتهينه ويدفع لك أجرتك على هذا الضرب ثم يشكرك . هذا حال المسلمين اليوم ، هذا الحال لا يرضي أحداً ، فهناك إحباط عام لكن هذا الإحباط العام يحتاج إلى إيمان قوي بالله عز وجل ، يحتاج إلى ثقة أن الله لن يتخلى عن المؤمنين ، وأن هذا امتحان صعب ، ونرجو الله أن ننجح فيه ، أن ننجح بثقتنا بحكمة الله ، وثقتنا برحمته ، وثقتنا بأنه سينصرنا .
 لا يوجد في الإسلام جوهر ، لب وقشر ، لكن هناك أولويات ، أوضح مثل مستحيل أن تدخل إلى بيت تجد فيه صورة معلقة على الحائط وأنت تعلم علم اليقين أن أهل هذا البيت لا يصلون إطلاقاً ، وليسوا منضبطين إطلاقاً ، ونساءهم سافرات ، وبناتهم فاجرات، مثلاً ، فأن تقول له : هذه الصورة مكروهة أو محرمة كلام ليس له معنى ، أكبر دليل على أن في الإسلام أولويات هذا الحديث الشريف الصحيح :

((عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه ))

[متفق عليه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 العقيدة كلها مجموعة في هاتين الكلمتين لا إله إلا الله ، لا معبود بحق إلا الله ، لا فاعل إلا الله ، لا رافع إلا الله ، لا خافض إلا الله ، لا معز إلا الله ، لا ناصر إلا الله ، لا معز إلا الله ، لا مذل إلا الله ، لا معطي إلا الله ، لا مانع إلا الله ، هو المسير المتصرف ، يد الله تعمل في الخفاء ، يد الله فوق أيديهم ، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ، هذه كلمة التوحيد وما تعلمت العبيد أفضل من كلمة التوحيد والدين كله توحيد ، بل إن شرائع السماء كلها توحيد والدليل:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 25 ]

 أن تعرفه إلهاً موجوداً ، واحداً كاملاً ، وأن تبادر إلى طاعته هذه واحدة ، فاعبدوه ، الإسلام عقيدة وعمل ، العقيدة التوحيد والعمل العبادة ، لا إله إلا أنا فاعبدون .

(( . . . فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه ))

[متفق عليه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

الله تعالى لا يقبل أن يترك عباده من دون توجيه :

 لكن هذا الإله العظيم لا يقبل ولا يعقل أن يترك ويدع عباده من دون توجيه ، يوجد أب في الأرض يرى ابنه يقترب من المدفأة وسوف تحرقه المدفأة ويبقى ساكتاً ؟ لا يبقى جالساً ، بل يندفع إليه ليمنعه ، هذه رحمة الأب ، لذلك أن يدع الله عباده من دون توجيه، من دون رسائل ، من دون كتب سماوية ، من دون أنبياء مستحيل ، قال تعالى:

﴿ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾

[ سورة الدخان: 5]

(( . . . فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه ))

[متفق عليه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 هذا الدين كله ، إله موجود واحد كامل رحيم ، بعث رسلاً وكتباً ، ونحن نبينا رسول الله قال:

(( . . . فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . . . ))

[متفق عليه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 بعد أن نطق بالشهادتين بادر إلى الصلاة :

(( . . . فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ . . . . ))

[متفق عليه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 فكأن هذا التقدير الحكيم أن أموال الزكاة في مجتمع المسلمين تكفي فقراء المسلمين ، فإذا قال لي أحدهم : أين النظام المالي في الإسلام ؟ أقول له : الزكاة نظام تكافلي ، نظام تعاوني ، نظام عبادي ، هي الزكاة لأنها تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم.

 

ليس في الإسلام لبّ ولا قشور ولكن في الإسلام أولويات :

 بالمناسبة من أعطى زكاة ماله لمن لا يصلي جاحداً بحقها لا تسقط عنه الزكاة ، انتبه من أعطى زكاة ماله لمن لا يصلي جاحداً بحقها لا تسقط عنه الزكاة ، وكأنه ما دفع الزكاة ، لأن الزكاة تؤخذ من أغنيائهم أي من أغنياء المسلمين وترد إلى فقرائهم أي إلى فقراء المسلمين واضح .

(( . . فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ . . . ))

[متفق عليه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 عنده أربعون بقرة ومن هذه الأبقار بقرة غالية عليه كثيراً ، أي هذه أرقى بقرة عنده فيأتي عامل الزكاة ويأخذها منه ؟! قال:

(( . . فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ . . . ))

[متفق عليه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 دعه يختار هو لك البقرة التي يريد ، هذه رحمة .

(( . . . وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ))

[متفق عليه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 إذاً ليس في الإسلام لب ولا قشور ولكن في الإسلام أولويات ، من تطبيقات هذه القاعدة أن أخاً كريماً يدخل في حوار مع إنسان ملحد يذكر له الجن ، يقول له : أين الجن؟ أثبت لي وجود الجن ، لا يوجد دليل علمي يوجد دليل إخباري لأنك آمنت بالله إيماناً علمياً من خلال هذا الكون ، ولأنك آمنت بالقرآن إيماناً علمياً من خلال إعجازه ، ولأنك آمنت بمن جاء بهذا القرآن إيماناً علمياً من خلال الكتاب الذي معه انتهى دور العقل جاء دور النقل ، أخبرك الله أن هناك مخلوقات من الجن فأنت إيمانك بالجن إيمان تصديقي لا إيمان تحقيقي ، إيمان إخباري أو إيمان سمعي ، هذه كلها مصطلحات لمعنى واحد ، إيمان سمعي ، إيمان إخباري ، إيمان تصديقي ، لأن الجن ليس لهم أثر نراه بأعيننا حتى نحكم على المؤثر لا يوجد شيء ، خبر فقط ، فأي أخ يدخل في حوار مع إنسان ينكر وجود الله ويأتي على ذكر الجنة مثلاً يقول أين الجنة والنار والجن والملائكة ؟ هذا طريق مسدود ، هذه كلها موضوعات إخبارية يؤمن بها من آمن بالله أولاً .

الإيمان باليوم الآخر عقلي أم نقلي ؟

 لكن من لطيف ما قرأت الإيمان باليوم الآخر عقلي أم نقلي ؟ عقلي أم إخباري ، تحقيقي أم تصديقي ؟ من يجيبني ؟ تصديقي عند كل علماء العقيدة ، الإيمان باليوم الآخر إيمان تصديقي لأن الله أخبرنا ، أنا أرى جبلاً ، أرى سهلاً ، أرى بحراً ، أرى مطراً ، أرى ثلجاً ، لكن لا أرى اليوم الآخر ، ولا يوجد دليل ، طبعاً لو أن مركبةً سارت في طريق ترابي أقول : سارت مركبة هنا من آثار عجلاتها ، البعرة تدل على البعير ، الماء يدل على الغدير، الأقدام تدل على المسير لكن لا يوجد أثر للجنة والنار في الدنيا ، إلا أن ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وهو من كبار العلماء ينفرد من بين العلماء بأن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي تحقيقي كيف ؟ يقول لك: لا يمكن ولا يقبل ولا يعقل ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تجد غنياً وفقيراً ، إنسان لا يوجد طعام إلا وأكله ، ويسكن في أجمل بيت ، وراكب أجمل مركبة ، ويرتدي أجمل الثياب ، وكل يوم باحتفال ، وكل يوم بسفر ، وكل يوم بلقاءات ، ومستمتع بالحياة الدنيا إلى قمة رأسه ، وإنسان لا يجد ما يأكله ثم تنتهي الحياة هكذا ؟! الآن أقوياء يقتلون الناس بمئات الألوف هكذا برآء وقد انتصروا وتنتهي الحياة ؟ شعوب بأكملها دمرت قصفت أذلت نهبت ثرواتها وشعوب . .
 هل تصدقون المواطن العادي في بلدنا العادي أو المواطن الذي فوق الوسط أو القريب من الجيد ليس بإمكانه أن يزرع أسناناً زراعةً ، كل سن بخمسين ألفاً ، يحتاج إلى مليونين ، بينما هناك يزرعون الأسنان لكلابهم ، يجرون عملية قلب لكلب ، توسيع شريان ، يجرون زرع مفصل لكلب ، اختصاص طب نفس للكلاب ، كلب معه كآبة ، له طبيب نفسي ، الغنى الذي يتمتعون به لا يصدق كله ثروات الشعوب وقهر الشعوب ونهب ثروات الشعوب ، واستغلال الشعوب وتنتهي الحياة هكذا ، شعوب بأكملها تموت من الجوع في العراء و في البرد بلا طعام ، تقصف و تهدم بيوتها ، وإنسان قوي معه أسلحة فتاكة بغفلة من الزمن صار قوياً ويملي إرادته على كل البشر وتنتهي الحياة هكذا لا يوجد شيء بعد هذا . . .
 شهد الله لا يوجد عبارة أملكها لأعبر عن دهشتي لمن يقبل بهذا الخبر مستحيل قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93]

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾

[ سورة فصلت: 40]

 تهديد .

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[سورة إبراهيم: 42]

طريق الفقر وسام شرف إن كان طريق الغنى أساسه معصية :

 قصص لا تعد ولا تحصى كلها تؤكد أن في السماء إلهاً عظيماً عادلاً ، نحن في دار امتحان ، بربكم لو خيرتم اختياراً صعباً إما أن تكون مظلوماً وإما أن تكون ظالماً أيهما أهون ؟ أن تكون مظلوماً أهون ، إما أن تكون فقيراً إلى الجنة وإما أن تكون غنياً إلى النار ، أما غني إلى الجنة فأفضل طبعاً . المؤمن يسعى لفردوس الآخرة فإذا جاء مع فردوس الآخرة فردوس الدنيا أنعم به وأكرم ، لا يوجد مشكلة قال تعالى:

﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ﴾

[ سورة الأعراف: 32]

 أما لو الموازنة بين أن تكون غنياً مع النار ، وفقيراً مع الجنة ، لا فقير ، أن تكون صحيحاً وينتهي الأمر إلى النار أم أن تكون مريضاً لا سمح الله ولا قدر وينتهي الأمر إلى الجنة ؟ لا المرض .
 لذلك يوجد نقطة دقيقة جداً أن النبي عليه الصلاة والسلام أثنى على أن تكون مسكيناً ، قال: "اللهم اجعلني مسكيناً واحشرني مع المساكين" ، كلام جيد يوجد أحاديث أخرى قال:

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 عجيب كيف نجمع بين الحديثين ؟ سهلة إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون قوياً ، لأنك إذا كنت قوياً قوة مال أو قوة منصب أو قوة علم خياراتك في العمل الصالح كبيرة جداً ، خياراتك في العمل الصالح واسعة جداً ، أما إذا كان طريق القوة أن تكون منافقاً ، أو أن تكون كاذباً ، أو أن تكون عاصياً لله ، أو أن تبيع دينك من أجل هذه الرفعة في الدنيا ، فلا عندئذ يكون الضعف وسام شرف لك .
 خذها قاعدة : إذا كان طريق الغنى أو طريق القوة أو طريق العلو في الأرض أساسه معصية ونفاق وبيع الدين لا أن تكون فقيراً ضعيفاً وسام شرف كبير بحقك .
 لذلك من أسباب قوة شخصية المؤمن عنده لاءات كثيرة ، لا أقبل بهذا ، ولا أفعل هذا ورب الكعبة ، ولا يليق بي أن أكون كذلك ، عنده موانع ، عنده منظومة قيم ، عنده انضباط .

(( . . . ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ))

[متفق عليه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

الفقر ناتج من سوء التوزيع لا من حجم الرزق :

 يوجد حديث آخر في الحقيقة أنا أعده من أصول الأحاديث في باب الزكاة يقول الإمام علي رضي الله عنه فيما يرويه صلى الله عليه وسلم عن ربه:

((إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بالقدر الذي يسع فقراءهم))

[الطبراني في الأوسط والصغير عن علي]

 أتمنى أن آتي بمثل أوضح ، حقيقة خطيرة جداً أب عنده خمسة أولاد ، جاءهم بخمسين كيلو برتقال ، أحد أولاده أكل والثاني لم يأكل ، شيء كثير ، خير كثير ، أكل أربع برتقالات بجلسة واحدة ، هذا لم يأكل ، بهذه الكمية الكبيرة ما عرفنا نفسية الأولاد ، مثلاً الأولاد خمسة ، وجاء الأب بعشر برتقالات ، إذا أحد الأولاد أكل ثلاثة حرم أخاه واحدة إذا أكل أربع ترك أخاه بلا برتقال ، العدد مدروس حتى يكشف حقيقة الأولاد الخمسة لذلك هناك حكمة بالغة ، الأرزاق مقننة تقنيناً حكيماً ، لا يوجد أمة تغتني إلا على حساب أمة تفتقر ، لا يوجد إنسان يبطر إلا على حساب فقير جائع ، هذه النقطة دقيقة جداً وخطيرة جداً ، كميات الأرزاق مدروسة - إن صح التعبير- أو موزعة بحكمة بالغة جداً ، بحيث لو أن إنساناً أخذ ما ليس له ظهر أثر طمعه في إنسان آخر ، لو إنسان أخذ ما ليس له ظهر أثر ذلك في إنسان آخر .
 أي لو فرضنا مولدة تولد كذا كيلو واط ساعي ويجب أن نأخذ ثمن هذا التوليد مليون ليرة مثلاً ، فإذا إنسان أخذ الكهرباء ولم يدفع الثمن ، حملنا إنساناً سعراً أعلى مما ينبغي أن يدفعه ، مشكلة ، يوجد دقة بالغة في كل شيء ، أي انحراف في أخذ ما ليس لك ينعكس على إنسان آخر ، كأن الله سبحانه وتعالى يريك عملك ، عدوانك انتهى إلى هذه الحالة لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بالقدر الذي يسع فقراءهم ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياءهم))

[الطبراني في الأوسط والصغير عن علي]

 الله أعلم ، كل الأرزاق تكفي كل العباد ، لكن لسوء توزيع هذا الكم عن طريق الظلم والعدوان هناك فقر ، الفقر ناتج لا من حجم الرزق ، لا ، ناتج من سوء التوزيع ، فرضاً حفلة بخمسة وثمانين مليوناً ، حفلة عرس يقابلها كم شاب لا يملك أن يتزوج ؟؟ إذا كان صنبور ماء في بيت ثمنه بثمن بيت ، يوجد صنابير مذهبة ثمنها بثمن بيت ، إذا كان هناك بذخ وإسراف في جهة يقابل هذا البذخ والإسراف فقر مدقع ، يوجد توازن عجيب هذا كله مأخوذ من هذا الحديث:

(( . . . ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياءهم ))

[الطبراني في الأوسط والصغير عن علي]

 أوضح مثل البرتقال ، خمسة أولاد جاء الأب بعشر برتقالات إذا أكل أحد أولاده ثلاث حرم أخاه واحدة ، إذا أكل أربع حرم أخاه كلياً ، إذا أكل ثماني برتقالات لوحده حرم أخويه ، إذا أكلهم كلهم ما ترك شيئاً لذلك قالوا: تسعون بالمئة من ثروات الأرض بيد عشرة بالمئة ، أحد الناس يستغرب ، الزنا زنا والقتل قتل ، لكن أقرضنا قرضاً وانتفعنا أين الحرام ؟ لأن قضية الربا تدمر مجتمعاً بأكمله ، بشكل مختصر الربا يجعل الثروة بأيدي قلة من الناس، أي الوضع الصحي السليم الذي يبعث على نمو المجتمع أن تكون الكتلة النقدية متداولةً بين كل الناس ، كل الناس عندهم بيوت صحية ، ويأكلون طعاماً صحياً ، ويرتدون ثياباً سابغة وجيدة ، وينتقلون بمركبات ، وبإمكانهم أن يعالجوا أولادهم معالجة طبية ، وأن يشتروا لهم اللعب والألبسة الجميلة ، لو أن الكتلة النقدية موزعة توزيعاً وفق هدى الله عز وجل ، أما إذا دخل الربا تجمعت الثروات بأيدٍ قليلة وحرمت منها الكثرة الكثيرة .
 يرون أن أحد الفلاسفة البريطانيين كان كث اللحية له لحية كثة ممتلئة بالشعر ، وكان رأسه لا شعر فيه ، فسأله آخر ما هذا ؟ قال له: غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع . هذا الفيلسوف البريطاني مرة سئل عن الحرب العالمية الثالثة التي نعيشها الآن نحن نعيش حرباً عالمية ثالثة معلنة ضد الإسلام في كل مكان ، سئل عن الحرب العالمية الثالثة قال : لا أعلم عنها شيئاً ولكن الحرب العالمية الرابعة بالحجارة . أي الحرب العالمية الثالثة لا تبقي ولا تذر ، حرب نووية واحدة ، سألته مرة مذيعة يبدو أنها على جانب من الجمال قالت لهذا الفيلسوف : لو تزوجتني جاءنا طفل يجمع بين ذكائك وجمالي وكان ذكياً جداً قال : وإذا كان العكس ؟ أي يجمع بين غبائك وذمامتي .

الترغيب في أداء الزكاة :

 أيها الأخوة ، الترغيب في أداء الزكاة أقوى آية:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا أخذ الزكاة من غني صلى عليه يقول: " اللهم صلِّ عليه " ، لأن الله عز وجل قال :

﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 قد يقول أحدهم : كيف أصلي عليه أهو ميت حتى أصلي عليه ؟ نقول له : قل له جزاك الله خيراً ، إن شاء الله لك قصر في الجنة ، جعل هذا العمل الطيب في ميزان حسناتك، حفظ الله لك مالك وأهلك وصحتك وأولادك وبناتك وأصهارك ، الدعاء للمزكي شيء لطيف جداً .

 

التألق و النجاح يبنيان على جهود كبيرة :

 لو دخلت إلى إنسان ناجح في الحياة ، نجاحه مطلق وجدت له دخلاً كبيراً ، إنسان ساذج قد يحسده لكن هذا الإنسان حصّل شهادات عليا ، وأمضى أربعاً وثلاثين سنة في الدراسة المتعبة حتى وصل إلى هذه المرتبة ، النتائج الباهرة لها مقدمات صعبة جداً ، دققوا النتائج الباهرة لها مقدمات صعبة جداً ، إنسان يتألق وهذا التألق مبني على جهود بذلها لا يعلمها إلا الله ، هذه الآية:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة الذاريات: 15-16 ]

 شيء عظيم إله يكرم عباده ، ما هو السبب ؟ قال تعالى:

﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة الذاريات: 16-19 ]

 أحياناً إنسان يعمل طوال النهار بثلاثمئة ليرة لا يملك شيئاً ، يملك جهده العضلي يحمل رملاً ، يحمل أحجاراً ، يوجد إنسان يسأل سؤالاً فالجواب بمئة ألف ، خبير ، خبراء لهم دخل فلكي ، حدثني أخ من أخواننا الكرام قال لي: معمل نسيج أسس ، وقوام هذا المعمل أربعون آلة نسيج مستوردة جديدة صبت لها قواعد إسمنتية وثبتت عليها ، بدأ المعمل الخيط يقطع أحضروا خبيراً اثنين ثلاثة أربعة ، النسيج لا يستمر ، جاؤوا بهذا الأخ الكريم طلب مبلغاً ضخماً - القصة قبل عشرين سنة - قريباً من نصف ثمن بيت ماذا فعل جاء بخشب السنديان عمله قواعد ، خشب السنديان يستعمله الحدادون أليافه متينة جداً و هو مرن فحينما يتحرك المكوك في آلة النسيج إذا القاعدة إسمنتية يوجد رد فعل عنيف ، أما إذا كان هناك قاعدة مرنة فهذه القاعدة المرنة تسهل عمل هذه الآلة ، يوجد أشياء دقيقة جداً تحتاج إلى خبير، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر: 14 ]

بطولة الإنسان أن يكون في أحسن حال مع الله ومع خلقه :

 و قال تعالى :

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة الذاريات: 15-19 ]

﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ ﴾

[ سورة الحج: 41]

 أي إنسان في الأرض وظيفته الأولى أن يقيم الصلاة للناس ، أن يسمح ببناء مساجد ، أن تفتح بيوت الله عز وجل ، أن يدرس الدين

﴿ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ ﴾

 أحياناً أنا أشعر أن الدين ملخص بكلمتين كله قالهما سيدنا عيسى:

﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾

[ سورة مريم: 31]

 الصلاة اتصال بالخالق ، والزكاة إحسان إلى المخلوق ، لذلك العبد الفقير حينما أكتب رسالة أدعو لمن أرسلت له الرسالة أقول له : أرجو أن تكون في أحسن حال مع الله ومع خلقه . هناك إنسان حاله مع الخلق جيد جداً ، ذكي جداً ، لكن مع الله حاله سيئ جداً ، يوجد إنسان حاله مع الله جيد لكن مع الناس محدوداً جداً أي عنده مشكلات كبيرة جداً ، فالبطولة أن تكون في أحسن حال مع الله ومع خلقه في وقت واحد .

أثر الصدقة في حياة المؤمن :

 وفي حديث آخر:

((عَنْ سَعِيدٍ الطَّائِيِّ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقر ))

[ الترمذي عَنْ سَعِيدٍ الطَّائِيِّ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ]

 ما نقص مال من صدقة ؛ هذا كله من المرغبات في أداء الزكاة ، ألا يكفيك أن الله يأخذ الزكاة بيمينه ؟ قال: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير ، ألا يكفيك أن الله يسترضى بالصدقة ، قال:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ عَنْ مِيتَةِ السُّوءِ))

[ الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 الأقوياء لا يسترضون ، لا يوجد طريق لهم أساساً ، لكن الله يسترضى بالصدقة:

(( باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها ))

[ الطبراني عن علي بن أبي طالب]

 و الله أيها الأخوة هذا خير كبير ، ما من مشكلة ، ما من أزمة ، ما من عدو متربص ، ما من خطأ ، ما من شبح مصيبة يلوح إذا بادرت بصدقة لوجه الله عز وجل ، فلعل الله عز وجل يرفع هذا البلاء عن هذا الإنسان ، لي قريب أجرى عملية تفتيت البروستات ، هذه العملية لها احتمالان أحدهما أن يفتح البطن و أن تجرف هذه الغدة ، يوجد الآن تفتيت عن طريق القسطرة ، لكن ما كل إنسان معه التهاب بروستات يمكن أن تجرف عن طريق القسطرة ، قال له الطبيب: أنا أتمنى عليك و هو من كبار الأطباء أن تدعو الله عز وجل ، و أن تتصدق كي نجري هذه العملية عن طريق القسطرة ، هذا الأخ وزع عشرة خراف و دعا الله ، العملية جرت كما يتمنى ، لكن قال له الطبيب : و الله لي في هذه العمليات عشر سنوات لم أجرِ عملية أسهل من هذه العملية ، أنا أقول دائماً : المؤمن إذا أجرى عملية يد الطبيب بيد الله ، فالله يسترضى بالصدقة و يطفأ غضبه بالصدقة و تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير ، لذلك يقول عليه الصلاة و السلام:

((عن أبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَلَا يَقْبَلُ مِنْهَا إِلَّا الطَّيِّبَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَيُرَبِّيهَا لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ اللُّقْمَةَ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى يُوَافَى بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ أُحُدٍ))

[ متفق عليه عن أبي هُرَيْرَةَ ]

 وهناك آية واضحة جداً :

﴿ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ﴾

[ سورة التوبة: 104]

 و :

((عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ثَلَاثٌ أَحْلِفُ عَلَيْهِنَّ لَا يَجْعَلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلَامِ كَمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ فَأَسْهُمُ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةٌ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالزَّكَاةُ وَلَا يَتَوَلَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا فَيُوَلِّيهِ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُحِبُّ رَجُلٌ قَوْمًا إِلَّا جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَعَهُمْ وَالرَّابِعَةُ لَوْ حَلَفْتُ عَلَيْهَا رَجَوْتُ أَنْ لَا آثَمَ لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

[ أحمد عَنْ عَائِشَةَ]

 شخص سأل النبي الكريم قال: يا رسول الله أرأيت إن أدى رجل زكاة ماله ، فقال عليه الصلاة و السلام:

(( من أدى زكاة ماله ذهب عنه شره ))

[ الطبراني عن جابر ]

الكنز :

 الآن استعدوا للقسم الثاني من الدرس: الترهيب:

﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾

[ سورة التوبة : 34-35]

 العلماء أجمعوا على أن أي مبلغ من المال مهما كبر إذا أديت زكاته فليس بكنز ، و أن المال مهما قلّ إذا كان فوق النصاب ، أي سبعة آلاف على نصاب الفضة إن لم تؤد زكاته فهو كنز ، ما هو الكنز ؟ المال الذي بلغ النصاب و لم تؤد زكاته ، ما هو المال المبارك ؟ أكبر مبلغ إن أديت زكاته فليس بكنز :

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

[ سورة آل عمران: 180]

الحديث التالي من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة و السلام :

 الآن سأتلو عليكم هذا الحديث: و الله أيها الأخوة ، لا أمل من تلاوته ، كأن النبي معنا من هذا الحديث قال:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا . . .))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 دولة عظمى أرسلت سفيراً إلى بلد في أوربا من عادة هذه الدولة أن السفير قبل أن يغادر بلده يقام له حفل بحضور وزير الخارجية ، و الحفل مختلط في بلاد الغرب دائماً، المرأة تكون مع الرجل في مناسباته أي الإيجابية ، سفير بلد كبير تسلم أوراق اعتماده من وزير الخارجية و إلى جانبه زوجته أي رجل زوجته لأنه شاذ ، إلى جانبه رجل هذا شريكه الجنسي ، و سيسافر معه ، و له تعويضات ، و الوضع طبيعي جداً ، الآن بألمانيا و هولندا و بريطانيا و أعتقد إيطاليا أصبح الزواج المثلي له إجراء معترف به ، الآن بكندا يستحق الجنسية الكندية من تزوج فتاة كندية ، و يستحقها أيضاً من له شريك جنسي كندي أي مثلي ، هذه الجريمة عقابها في الإسلام القتل ، لذلك:

((يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 كم إنسان مصاب بالإيدز الآن ؟ عندي خطبة إذاعية ألقيتها في عام ألف و تسعمئة و ثلاثة و ثمانين ، و آخذ رقماً دقيقاً جداً من منظمة الصحة العالمية ، أي عدة ملايين ، الآن سبعة و خمسون مليون إنسان في العالم مصابون بالإيدز ، و يوجد سبعة و خمسون مليوناً يحملون هذا المرض ، إلا فشت فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ، أليس النبي معنا ؟ هذا الحديث أيها الأخوة من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة و السلام .

(( . . .وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ . . .))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 نقص المكيال و الميزان أي الغش ، أقسم رجل بالله أنه ذهب إلى معصرة زيتون و دفع لصاحب معصرة الزيتون و الزيتون عصر أمامه ، ووضع في عبواته ، و انطلق به و هو متأكد مئة في المئة أنه أخذ عصير زيتونه، ثم فوجئ أن نصف هذا الزيت مغشوش بزيت نباتي ، أمامه يضعون مستودعاً على السقيفة ، و هذا المستودع موصول بأنابيب إلى قعر حوض الزيت ، أنت أمامك يكون العصر جمع لك ، و عصر نصف زيتونك دون أن تشعر و أعطيت كمية تقابل زيتونك ، طبعاً كلمة و لم ينقصوا المكيال و الميزان إلا أخذوا بالسنين و شدة المؤونة و جور السلطان .

(( . . . . .وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا . . .))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 ذكرت من قبل أنا كنت أسمع كل عام بالخمسينات أو بالستينات يموت سبعة أشخاص أو ثمانية غرقاً ، هل سمعتم الآن أن أحداً غرق بنهر بردى ؟ و لا شخص ، و لا قطة لأنه لا يوجد ماء أبداً ، و لم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، الأمطار الجيدة التي أكرمنا الله بها أنا لي كلمة دقيقة جداً هذا عطاء تفضلي لا استحقاقي .
الآن اسمعوا الرابعة:

(( . . . . وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ . . .))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 يوجد بلد من البلدان الغنية الإسلامية عجزها المالي ألف و خمسمئة مليار:

(( . . . وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 و هذه أكبر مصيبة تصيب المسلمين ، أن بأسهم بينهم ، ممزقون .

الزكاة ضرورة من ضروريات الدين :

 أخواننا الكرام : أجمعت الأمة و اشتهرت شهرة جعلتها من ضروريات الدين، أي الزكاة اشتهرت شهرة جعلتها من ضروريات الدين التي ينبغي أن تعلم بالضرورة ، شيء بديهي ، بحيث لو أنكر أحد وجوبها خرج من الإسلام ، أما من امتنع عن أدائها مع اعتقاده بوجوبها يأثم و يعصي و يفسق لكن لا يكفر ، من يكفر ؟ إذا أنكر أحد وجودها ، أما إذا أقرّ بوجودها لكنه مقصر هذا عاص ، و إن شاء الله تحدثت ما فيه الكفاية عن الترغيب و الترهيب ، و كانت هذه الدروس بفضل الله عز وجل متعلقة بأكثر شيء متداول في المدن طبعاً لو كنا في الريف أهم موضوع زكاة المواشي و الأنعام ، أو زكاة الزروع ، أما من يعيش في المدينة فأكبر حجم للزكاة زكاة التجارة فحدثتكم في خمسة دروس بفضل الله عز وجل عن زكاة عروض التجارة ، و إلى موضوع آخر إن شاء الله .

جنة الدنيا هي جنة القرب من الله :

 أخ سأل سؤالاً قال : ذكرتم في إحدى خطبكم أن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، ما هي هذه الجنة ؟
 جنة القرب من الله ، و الدليل عليها:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 6]

 و يدخلهم الجنة في الآخرة عرفها لهم في الدنيا .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018