بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الزكاة - الدرس : 23 - زكاة عروض التجارة - كل ما يعد للبيع والشراء بقصد الربح تجب فيه الزكاة .


2002-01-13

 الحمد رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

زكاة عروض التجارة :

 أيها الأخوة الكرام ، لا زلنا في موضوع فقهي تشتد الحاجة إليه ألا وهو زكاة عروض التجارة .
 كلكم يعلم أيها الأخوة أن الله سبحانه وتعالى أباح للمسلمين أن يشتغلوا بالتجارة ، وقد قال الله عز وجل :

﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة النور : 37]

 أي أن التجارة مباحة ، بل إنها أحد أساليب كسب الرزق ، فقد أباح الله للمسلمين العمل بالتجارة وأن يكسبوا أموالهم من خلالها ، قال : بشرط ألا يتجروا بمحرم ، أية سلعة محرمة حرام المتاجرة بها ، وبشرط أنهم إذا تاجروا بسلعة محللة ألا يسلكوا طرقاً محرمة، لذلك العلماء فرقوا بين ما هو حرام لذاته ، وبين ما هو حرام لغيره ، فحينما يأكل الإنسان لحم خنزير هذا محرم لذاته ، أما حينما يدخل إلى مطعم ويأكل لحماً شرعياً مباحاً حلالاً ولا يدفع الثمن فهذا محرم لغيره ، هذا مصطلح فقهي ، شيء محرم لذاته وشيء محرم لغيره ، فالمسلمون حينما أبيحت لهم التجارة بشرط ألا يتجروا بمحرم ، وإنهم وإن تاجروا بشيء حلال مباح شرعي ألا يسلكوا في تجارتهم أساليب محرمة ، كالكذب والتدليس والاحتكار والإيهام والغش ، هذه أساليب محرمة وقد تتبع في تجارة مباحة ، كلا الحالتين حرام ، وقال بشرط أن يعتمد في التجارة العنصر الأخلاقي من صدق وأمانة ووفاء للعهد .

التجارة تكون بأسلوب حلال و بشيء حلال و بتقوى من الله :

 قال : التاجر كلمة مؤلفة من أربعة حروف فالتاء تعني تقي ، والألف تعني أمين، والجيم تعني جسور ، والراء تعني رحيم .
 بشرط أن يعتمدوا في تجارتهم القيم الخلقية من صدق وأمانة واستقامة ووفاء للعهد وما إلى ذلك ، قال : وبشرط ألا تليهم عن ذكر الله ، لقول الله عز وجل :

﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ﴾

[ سورة النور : 37]

 أن تتجر بشيء حلال ، وبأسلوب حلال ، وبتقوى من الله عز وجل ، وألا تلهيك هذه التجارة عن ذكر الله ، كتعليق جانبي ورد في بعض الأحاديث : " الاقتصاد في المعيشة خير من بعض التجارة " .
 أي تجارة كبيرة جداً ولا تملك من رأسمالها إلا القليل وأنت مديون لجهات لا تعد ولا تحصى ، هناك برود بالأسواق ، والبيع صعب ، والدفع قليل ، والالتزامات كثيرة ، هذه الهموم قد لا تحتملها ، فلو عشت بمصروف محدود وأنت مرتاح أفضل ألف مرة من أن تعيش بدخل كبير وأنت معذب ، فالاقتصاد في المعيشة خير من بعض التجارة ، تجارة أساسها مخالفة القوانين لا تنام الليل ، تجارة أساسها صفقات كبيرة لا تملك من رأسمالها شيء، أي مشكلة ، أي حرب مثلاً ، أي قلق توقف البيع ، وعليك دفع انكشفت ، كان السلف الصالح يتاجر بثلث ماله ، ثلث يدينه للناس ، وثلث بضاعة ، وثلث محفوظ كاحتياط ، والفضل لله عز وجل ، حتى تجار بلاد المسلمين أقل تجار العالم إفلاساً لأن عندهم أساليب شرعية فهم في حفظ الله عز وجل ، وكلكم يعلم أيضاً وأنا أذكركم بشيء بديهي تعلمون جميعاً وكلكم يعلم أيضاً أن الله فرض في الأموال زكاة في النقدين الذهب والفضة ، وما في معنى النقدين ، الورق ، العملة الورقية ، حكمة الشارع الحكيم من فضل الزكاة في العمولات الذهبية والفضية والورقية لئلا تكدس ، لئلا تخزن ، لئلا تكنز ، لئلا يمنع الناس من الانتفاع بها .

المضاربة أعظم سبيل لاستثمار المال :

 مرة خطر ببالي مثل ، وإن كان غريباً جداً ، ممكن أن نعمل شيئاً جمالياً بساحة عامة من ورق نقدي ، حجمه كبير ، حوالي ثلاثين متراً ارتفاعه ، شكل هندسي ، كله من عملة ورقية ، أي نلصق مئة مليار مع بعضهم ، هذا العمل واضح أنه عمل سيئ جداً ، جمدت هذه الأموال بمنظر ، لو أنك وزعتها بين الناس أنشئت معامل ، أنشئت متاجر ، أقيمت مشاريع زراعية ، مشاريع خدمية ، وفرت فرص عمل كثيرة جداً ، اشتغل الناس في هذه المشاريع ، جاءهم دخل تزوجوا ، فتجميد مئة مليار بشكل جمالي بساحة عامة هذا عمل نفس الكنز الذي يكنز ماله ، هناك من ينتفع من هذا المال ويربح منه ، صاحب المال يربح ، لذلك أعظم سبيل لاستثمار المال المضاربة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان أول مضارب في الإسلام اتجر بمال خديجة ، أي شيء أكبر من رائع أن إنساناً معه مال ولا يحسن استثماره وإنسان يحسن استثمار المال و ليس معه مال ، فإذا تعاون هذان هذا بماله وهذا بجهده ، الاثنان ربحوا والاثنان عاشوا ، والله عز وجل أمرنا بالتعاون .

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

[ سورة المائدة : 2]

 لذلك الشارع الحكيم حينما فرض الزكاة في الأموال النقدية في الأثمان في الذهب والفضة والعملة الورقية من أجل ألا تكنز ، من أجل ألا ينتفع الناس بها ، من أجل أن يتعاون الناس فيما بينهم ، ومن أجل ألا تأكلها الزكاة ، وهذا بنص حديث رسول الله ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ ))

[موطَّأ مالك عَنْ مَالِك]

الإسلام دين الحياة :

 الذي يكنز الذهب والفضة ولا يستثمرها لا بعمل تجاري ، ولا صناعي ، ولا زراعي ، هذا المال يجب أن تؤدى زكاته كل عام ، فبعد أربعين عاماً يتلاشى تقريباً ، هناك حسابات دقيقة حينما يكون معك مال يتيم ينبغي أن تتجر به لئلا تأكله الزكاة ، وينبغي أن تطعم اليتيم لا من أصل ماله بل من ريع المال ، من ربحه ، هذا التعاون ، الإسلام دين الحياة، لذلك الحاجة للاستثمار حاجة أساسية في كل مجتمع ، فهؤلاء الذين يستثمرون أموال الناس ولا يتقون الله هؤلاء يساهمون في تقوية مركز المؤسسات الربوية ، هؤلاء يزهدون الناس بالقناة النظيفة المشروعة ، ويقوون مركز المؤسسات الربوية ، وهذا الذي حصل .

زكاة النقود :

 أيها الأخوة الكرام ، لذلك ثروات الأمة ولا أبالغ معظمها في التجارة ، معظمها طبعاً في الدول الصناعية ، معظمها في الصناعة ، أي كل بلد له طابع عام ، هناك بلد صناعي ، وهناك بلد زراعي ، وهناك بلد تجاري ، وهناك بلد فيه صناعة وزراعة وتجارة ، لكن هذه الكتلة من المال توظف عادة في الزراعة والصناعة والتجارة ، لكن علماء الاقتصاد يرون أن معظم الأموال تقريباً موظفة في التجارة ، والتجارة كما هو معروف مصدر هائل وكبير لكسب المال ، لذلك شيء بديهي وطبيعي كما ذكرت في الدرس الماضي أن هذه الأموال الطائلة التي وظفت في التجارة انقلبت إلى بضائع ، وأن هذه الأموال الطائلة التي نتجت من بيع هذه البضائع هي تجارة تقليب البضاعة إلى مال والمال إلى بضاعة ، عملية تدوير ، المال يصبح بضاعة ثم البضاعة تباع فتصبح مالاً ، ثم يشترى بهذا المال بضاعة فيصبح بضاعة ثم تباع البضاعة فتنقلب إلى مال ، فالتجارة تقليب الثمن والمثمن ، تقليب البضاعة والمال ، وكلما قصرت هذه الدورة كانت التجارة أروج وأربح ، لذلك ليس من العجيب أن يفرض الإسلام في هذه الثروات التجارية ، أو في هذه الأموال الموظفة في التجارة ، أو المستغلة في التجارة والمكتسبة منها زكاة سنوية كزكاة النقود ، لأن هذه البضاعة كالنقود تماماً ، أي ماذا تفهم أنت على البديهة من دون تعقيدات ، ماذا تفهم من كلمة أموال ؟ أي عنده بيوت ، عنده أراض ، عنده مركبات ، عنده أطنان من الحديد ، أطنان من النحاس ، أطنان من الحبوب ، عنده شيء مهم في حياة الناس ملكه كالمال تماماً ، يقلب مالاً متى شاء ، لذلك لا عجب أن يفرض الإسلام زكاة سنوية على هذه الأموال التي سماها الفقهاء عروض التجارة ، العروض جمع عرض أما العِِرض فشيء آخر ، العرض جمعه عروض ، أي كل متاع ما سوى النقدين ، ما سوى الذهب والفضة والورق عروض ، الخشب عروض ، الحديد عروض ، القمح عروض ، القمح المعد للبيع في الصوامع ، القطن عروض ، المركبات عروض ، الآلات عروض ، حاجات المنزل بكميات كبيرة جداً عروض ، فالعروض ما سوى النقدين الذهب والفضة وما في معنى الذهب والفضة أي الورق ، أي العملة الورقية .

عروض التجارة :

 أيها الأخوة الكرام ، عرف بعضهم عروض التجارة تعريفاً دقيقاً فقال : هي ما يعد للبيع والشراء بقصد الربح .
 لذلك العلماء فرقوا بين ما يقتنى وبين ما يتاجر به ، أنت قد تمشي في طريق في شارع تجد قطعة جمالية جميلة جداً ورخيصة سعرها معقول ، وأنت عندك بيت واسع ، وتحتاج أن تضع هذه القطعة في هذا البيت ، في غرفة الاستقبال ، تشتريها ، هذه اسمها قنية، أنت اشتريتها لتقتنيها ، كل شيء تشتريه لأحد سببين إما لتقتنيه أو لتتاجر فيه ، أنت حينما تشتري حاجات كي تقتنيها أو كي تستعملها أو كي تنتفع بها هذه لا علاقة لها بالدرس إطلاقاً ، درسنا مُنصب على بضاعة اشتريتها لتبيعها ، اشتريتها بقصد التجارة ، ولو كانت مركبة ، المركبة التي تركبها هذه ليست للتجارة للاستعمال الشخصي ، البيت الذي تشتريه لتسكنه هذا ليس للتجارة أما أنت ساكن في بيت وكل أولادك يسكنون ببيوت لكن وجدت هذا البيت سعره رخيصاً فإذا كسوته تربح به أضعافاً مضاعفة ، فهذا البيت من عروض التجارة ، وعندك مركبة تركبها لكن وجدت مركبة سعرها معقول جداً بعد حين ينتهي الاكتتاب ترتفع الأسعار تبيعها فتربح ، هذه المركبة لو أنك اشتريتها كي تقتنيها لا زكاة فيها ، لكن لأنك اشتريتها كي تتاجر بها أصبحت من عروض التجارة ، أرض اشتريتها بسعر قليل ولا يدري أحد من أهل المنطقة أن هذه الأرض سوف يخترقها شارع ، أنت علمت وكون الشيء حلال أو حرام هذا موضوع ثان ، أما أنت اشتريت أرضاً لا لتزرعها ولا لتبني عليها بيتاً كي تبيعها كما اشتريتها بعد حين فهذه من عروض التجارة ، أي شيء تشتريه كي تبيعه فتربح به أو لا تربح، قد لا تربح به ، أي شيء تشتريه بنية أن تبيعه فتربح به هذا من عروض التجارة ففي الإسلام تجب فيه الزكاة .
 لذلك عرف بعضهم عروض التجارة تعريفاً دقيقاً جامعاً مانعاً فقال : هو كل ما يعد للبيع والشراء بقصد الربح ، فمن ملك شيئاً للتجارة وحال عليه الحول وبلغ قيمته نصاب النقود في آخر الحول وجب عليه إخراج زكاته وهو ربع العشر من قيمته أي كزكاة المال تماماً ، اثنان و نصف بالمئة .

وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ، الدين وحي من السماء ، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، ولا يستطيع كائن من كان مهما علا شأنه أن يقول في الدين برأيه ، هذا دين الله ، لا يستطيع كائن من كان مهما علا شأنه أن يقول في الدين برأيه ، أما إن كنت ناقلاً فالصحة مدعياً فالدليل ، الأدلة من القرآن الكريم قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾

[ سورة البقرة : 267]

 قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الزكاة في صحيحه باب صدقة الكسب والتجارة لقوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ " أي ما كسبتم من التجارة ، وقال الإمام الطبري في تفسير الآية : لذلك جل ثناؤه زكوا من طيبي ما كسبتم بتصرفكم إما بتجارة أو بصناعة من الذهب والفضة ، وروي من عدة طرق عن مجاهد في قوله " مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ " قال من التجارة " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن " من للتبعيض " طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ " والكسب هنا من التجارة عند الإمام البخاري و عند الإمام الطبري ، وقال الإمام الجصاص في أحكام القرآن : قد روي عن جماعة من السلف في قوله تعالى : " أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ " أي من التجارات ، منهم الإمام حسن ومجاهد ، وعموم هذه الآية يوجب الصدقة في سائل الأموال لأن قوله تعالى " مَا كَسَبْتُمْ " ينتظمها جميعاً ، أي مال تكسبه فيه زكاة ، كسبته من تجارة فيه زكاة ، كسبته من صناعة فيه زكاة ، كسبته من زراعة فيه زكاة ، وقال الإمام أبو بكر بن العربي في قوله تعالى : " مَا كَسَبْتُمْ " أي التجارة " وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ " أي الزراعة ، الحركة على وجه الأرض تجارة ، نمو النبات في باطن الأرض إلى ظهرها زراعة " مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ " ، " مِمَّا أَخْرَجْنَا " من الفاعل ؟ هو الله عز وجل ، تحقيق ذلك أن الأكساب جمع كسب على قسمين منها ما يكون من بطن الأرض وهو النبات ، ومنها ما يكون من المحاولة على وجه الأرض وهي التجارة .
 قال الإمام الرازي رحمه الله تعالى : ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان ، فيدخل فيه زكاة التجارة ، وزكاة الذهب والفضة ، وزكاة النعم أي الأنعام ، لأن ذلك مما يوصف بأنه مكتسب ، مما يؤكد ذلك قول الله تعالى في أبي لهب :

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾

[ سورة المسد : 1-2 ]

 قال علماء التفسير : " مَالُهُ " الذي ورث عن والده " وَمَا كَسَبَ " الذي جمعه من التجارة ، آيات أخرى تؤكد هذه الحقيقة .

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة الذاريات : 19]

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة المعارج : 24 ـ 25]

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة : 103]

خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً دليل قوي على وجوب الزكاة في عروض التجارة :

 الأموال كل شيء يقتنى ، كل شيء تميل النفس إليه ، كل شيء يدخر ، كل شيء تنتفع به ، هو مال ، قال : ولم يأتِ دليل من كتاب ولا سنة يعفي أموال تجار المسلمين من هذا الحق المعلوم ، بل إن بعض العلماء يقولون : " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً " عام في كل مال، وهذا الذي قلته في الدرس الماضي ، أقوى دليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة هذه الآية " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ " عرف ما المال ، الآن كل مشكلتنا تعريف الإرهاب ، عرف الإرهاب تنحل كل مشاكلنا ، الآن عرف المال ينتهي كل شيء ، ما هو المال ؟ ما تميل النفس إليه ، الذي عنده بناية من عشرين طابقاً بالمالكي ، كل طابق أربع شقق ، وكل طابق يباع بخمسين مليوناً ، هذا معه مال أما ما معه مال ، معه مال وفير "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا " قال : كلمة مال عام في كل مال على اختلاف أصنافه وتباين أسمائه واختلاف أغراضه ، فمن أراد أن يخصه بشيء فعليه الدليل ، أعطني دليلاً قطعياً ثابتاً يقول لي : المال يعني الذهب والفضة فقط وأنا معك ، أعطني دليلاً قطعياً ثابتاً يؤكد أن المال يعني حصراً الفضة والذهب .
 بل ذهب بعض العرب وهي قبيلة دوس - قبيلة أبي هريرة - إلى أن المال الثياب والمتاع والعروض ولا تسمى العين المنقولة مالاً ، بالعكس المال إذا أطلق ينصرف إلى العروض ، لا إلى النقدين ، هذا دليل جديد ، فقد جاء هذا المعنى في السنة الثابتة من رواية مالك بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : دققوا في هذا الشاهد .
 خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهباً ولا ورقاً - الورق هو الفضة - إلا الأموال ، ماذا اغتنمنا ؟ الأموال ، غير الذهب والفضة ، في هذا الشاهد انصرفت الأموال إلى العروض ، المتاع ما ينتفع به لا إلى الأموال ، هذا من كتاب الله عز وجل ، أما من سنة النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود بإسناده عن ابن جندب قال :

((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع))

[أبو داوود عن ابن جندب]

 والأمر يدل على الوجوب ، لأن المفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أنه ألقى إليهم ذلك بصيغة من صيغ الأمر وهي تدل على الوجوب ، كما أن المتبادل من كلمة صدقة أي الزكاة " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً " هذه الآية أصل في الزكاة ، فالزكاة لها اسمان لها اسم الصدقة ولها اسم الزكاة ، وكلا المعنيين رائع جداً ، فسميت الزكاة صدقة لأنها تؤكد صدق إيمانك بالله ، وتؤكد صدق طاعتك له ، وتسمى الصدقة زكاة لأن النفس تزكو بها ، فالزكاة تزكو به النفس ، والصدقة تؤكد صدق الإنسان ، قال فإذا عرفت الصدقة بأل ، هذه أل العهد ، انصرفت إلى الزكاة ، تقول : جاء أمير ، من ؟ لا أعرف ، إذا قلت : جاء الأمير ، أمير البلد ، الأمير معرف بأل هذه أل العهد ، المعروف بيننا ، حينما تعرّف النكرة تنقلب إلى معرفة .

((عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البز صدقتها . . .))

[البيقهي عن أبي ذر رضي الله عنه]

 الثياب والمتاع حاجات المنزل الأجهزة الأثاث السجاد الثريات ، في الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها ، وفي البز صدقته ، والبز كما في القاموس الثياب أو متاع البيت من الثياب ونحوها ، فهو يشمل الأقمشة والمفروشات والأواني ونحو ذلك ، لكن الصدقة لا تجب في عين هذه الأشياء إلا إذا كانت للتجارة ، أما إذا كانت للاستمتاع والانتفاع الشخصي فعندئذٍ تخرج عن موضوع درسنا أصبحت قنية ، وهناك أحاديث عامة واضحة جداً .
 يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي في أول كتاب الزكاة والحديث حسن صحيح :

(( أدوا زكاة أموالكم من غير فصل بين مال ومال ))

[الترمذي ]

 والمطلق في النصوص القطعية على إطلاقه ، قال بعض العلماء : على أن مال التجارة أعمّ الأموال لأنه يشمل كل مال يتجر فيه من حيوان ، وحبوب ، وثمار ، وسلاح، ومتاع وغير ذلك ، فكان أولى بالدخول في عموم هذه النصوص كما قال بعض العلماء ، تحدثنا عن الكتاب وعن السنة .

إجماع الصحابة على وجوب الزكاة في عروض التجارة :

 الآن عن إجماع الصحابة ؛ ومن هدي الصحابة رضي الله عنهم ما رواه أبو عبيد بسنده عن عبد القاري قال : كنت على بيت المال زمن عمر بن الخطاب فكان إذا خرج للعطاء جمع أموال التجار ثم حسب شاهدها وغائبها ، ثم أخذ الزكاة من شاهد المال على الشاهد والغائب .
 وعن أبي عمرو عن أبيه قال : مرّ بي عمر فقال : أدِّ زكاة مالك ؟ فقلت : ما لي مال إلا جعاب وأُدم ، فقال : قومها قيمة ثم أدّ زكاتها ، والجعاب جمع جعبة وهي ما يوضع فيها السهام ونحوها ، والأُدم جمع أديم وهو الجلد .
 قال في المغني تعقيباً على هذا الأمر وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر ؛ أي لم ينكر هذا الحكم أحد من الصحابة ، فكانت إجماعاً ، سيدنا عمر هكذا أمر وما أنكر أحد من أصحاب النبي هذا الكلام إذاً أصبحت إجماعاً .
 روى أبو عبيد عن ابن عمر : ما كان من رقيق أو بز يراد به التجار ففيه الزكاة.
 وروى البيهقي وابن حزم عنه فقال : ليس في العروض زكاة إلا أن تكون لتجارة .
 ليس في العروض - أي البضائع - زكاة إلا أن تكون لتجارة ، قال ابن حزم وهذا خبر صحيح .
 وروى أبو عبيد : وجوب الزكاة ، زكاة التجارة عن ابن عباس أيضاً ، ولم ينقل عن واحد من الصحابة ما يخالف قول عمر وابنه وابن عباس رضي الله عنهم ، بل استمر العمل والفتوى على ذلك في عهد التابعين ، وقد نقل ما صح عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أحد عماله : انظر من مر بك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون من التجارات في كل أربعين ديناراً ديناراً وما نقص فبحساب ذلك حتى تبلغ عشرين ديناراً، وكذلك أتفق فقهاء التابعين من بعدهم على القول بوجوب الزكاة في أموال التجارة .
 قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول ، روى ذلك عن عمر وابنه وابن عباس ، وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون وطاووس والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأصحاب الرأي .
 أيها الأخوة الكرام ، كل هذا يؤكد لكم أن الزكاة واجبة في عروض التجارة ، وقد أجمع المسلمون على أن الزكاة فرض واجب فيها ومع أنه ذكر قولاً آخر لم ينسبه لقائل فقد قال : وأما القول الآخر كالرأي الآخر أي ليس في عروض التجارة زكاة ، وأما القول الآخر فليس من مذاهب أهل العلم عندنا .

تلخيص لما سبق :

 لا بد من أن نلخص هذا الذي قلته قال : وأما الزكاة فواجبة في العروض من أربعة أدلة ، تلخيص الآن ، الأول قول الله عز وجل : " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً " وهذا عام في كل مال ، هذا أقوى دليل ، والثاني أن عمر بن عبد العزيز كتب في أخذ الزكاة في العروض والملأ الملأ الوقت الوقت ، بيد أنه استشار واستخار ، أي حوله مؤمنون كبار ملأ من قوم كبار حوله ما أنكروا عليه ، والوقت قريب من عهد النبوة ، الملأ الملأ الوقت الوقت ، بيد أنه استشار واستخار وحكم بذلك على الأمة وقضى به فارتفع الخلاف بحكمه ، هذا الدليل الثاني، والدليل الثالث أن عمر بن الخطاب رحمه الله تعالى قد أخذها قبله في صحيح من رواية أنس والقول الرابع أن أبا داود ذكر عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعد للبيع ولم يصح به خلاف عن السلف ، وقال الخطابي وزعم بعض المتأخرين من أهل الظاهر أنه لا زكاة فيها وهو مسبوق بالإجماع .

العروض المتخذة للتجارة مال بالقياس :

 تحدثنا عن أدلة الكتاب وعن أدلة السنة وعن أدلة الإجماع بقي القياس ، أما القياس فإن العروض المتخذة للتجارة مال بالقياس ، مقصود به التنمية ، مال مقصود به التنمية فأشبه الأجناس الثلاث التي فيها الزكاة باتفاق ، أعني الحرث والماشية والذهب والفضة، وأما من جهة النظر والاعتبار المستند إلى قواعد الإسلام وروحه فإن عروض التجارة المتداولة للاستغلال نقود معنىً ، لا فرق بينها وبين الدراهم والدنانير التي هي أثمانها إلا في كون النصاب يتقلب ويتغير بين الثمن وهو النقد والمثمن وهو العروض ، هذا النصاب إما أن يكون نقداً أو بضاعة ، النصاب يتقلب بين النقد والبضاعة ، فلو لم تجب الزكاة في التجارة لأمكن لجميع الأغنياء أو أكثرهم أن يتجروا بنقودهم ويتحروا ألا يحول الحول على نصاب في النقدين ، لذلك تعطل الزكاة ، أي أكبر مؤسسة تجارية وأكبر مؤسسة صناعية لا يلتقي في الصندوق مئة ألف ، كلها بضائع وديون أليس كذلك ؟ فلو صرفت النظر عن زكاة العروض لألغيت الزكاة كلياً .

الغرض من الزكاة :

 إن التجار كما يقول بعض المؤلفين : إن التجار في عصرنا على أساس التاء تقي والألف أمين ؟ لا ، بل على أساس ثان ، قال : إن التجار في عصرنا دون قصد منهم يسعون إلى الفرار من الزكاة ، يريد أن يحل كل مشاكل أهله وأولاده بالزكاة ، ويدفع الضريبة من الزكاة ، وإذا عليه غرامة من الزكاة ، يتمنى أن يحل كل مشكلاته ، و عنده مليون دين ميت من الزكاة ، يقلبها إلى زكاة ، من دون - كما يقول العوام - قصد منهم يسعون إلى الفرار من الزكاة ، قلّما توجد لديهم نقود عينة يحول عليها الحول ، فمعظم التعامل التجاري الآن يتم بغير تقابض ، ورأس الاعتبار في المسألة كما قال بعض العلماء : إن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء صدقة لمواساة الفقراء ومن في معناهم ، وإقامة مصالح المسلمين ، وإن الفائدة في ذلك للأغنياء تطهير أنفسهم من رذيلة البخل وتربيتهم بفضائل الرحمة للفقراء و سائل الأصحاب المستحقين ، ومساعدة الأمة على إقامة المصالح العامة والفائدة للفقراء وغيرهم إعانتهم على نوائب الدهر مع ما في ذلك من سد ذريعة المفاسد ، ماذا قال الشافعي ؟ يقول بعضهم الزكاة عبادة ، الإمام الشافعي يقول : العبادات متعلقة بمصالح الخلق ، ماذا قال بعض كبار العلماء ؟ الشريعة مصلحة كلها ، رحمة كلها ، حكمة كلها ، عدل كلها ، فأية قضية خرجت من العدل إلى القسوة ، من العدل إلى الجور ، من الرحمة إلى القسوة ، ومن المصلحة إلى المفسدة ، فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل .
 يقول لك : إن هذه البضاعة قد بعتها ، لكن المال بعد يومين اشتريت فيه بضاعة ثانية هناك كلام مقبول ، هذه البضاعة ملكك بعتها ، إذاً ماذا يفعل التاجر ؟ هل من الممكن تاجر يدع بصندوقه الحديد ثمن بضاعة لمدة سنة ، ولا يومين ولا ساعة ، باع يشتري ، دائماً عنده بضاعة ، وصندوقه خاوي ، وعلامة نجاحه بالتجارة صندوقه لا يوجد به مال ، أما متى تجب الزكاة في ثمن البضاعة إذا باعها ؟ إذا حال عليه الحول ، هل هناك تاجر في الأرض يبيع بضاعة ويضع ثمنها في الصندوق سنة بأكملها حتى يحول عليه الحول ؟ مستحيل هذا مستحيل ، أي إذا تصورنا أنه الزكاة ليست في العروض أنا لا أبالغ تهبط من ألف لواحد ، من مليون لواحد ، ثم إن أحوج الناس إلى تطهير أنفسهم وأموالهم وتزكيتها هم التجار ، فإن طرائق كسبهم لا تسلم من شوائب وشبهات ، ولا يسلم من غوائبها إلا الورع الصدوق الأمين، ولاسيما في العصور المتأخرة ، وقد جاء في بعض الأحاديث :

(( إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبر وصدق ))

[الترمذي عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده]

 وفي حديث آخر :

(( إن التجار هم الفجار ، قالوا يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع ؟ قال : بلى ولكنهم يحلفون فيأثمون ، ويحدثون فيكذبون ))

[أحمد والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن شبل]

 هذا الوجه الآخر ، أما التاجر الصدوق فمع من ؟ مع النبيين والصديقين يوم القيامة ، أي التعميم من العمى ، من العمى أن تعمم ، والله هناك تجار تشتهي أن تكون مثلهم بورعهم ، وتواضعهم ، وسخائهم ، وإنفاقهم ، وتوظيف أموالهم في الحق ، وهناك تجار والله لا تشتهي أن تكون منهم ولو عضضت على أصبعك من الجوع لا تشتهي أن تكون مثلهم ، لؤم، خسة ، مادية ، تطلع إلى ما عند الآخرين ، حسد ، إلخ . . . . .
 لذلك قيل إن نفس التاجر وماله أحوج من أي شيء آخر إلى التزكية والتطهير ، وفي هذا روى أبو داود بسنده عن قيس بن أبي غرزة قال : مر بنا النبي عليه الصلاة والسلام فقال :

(( يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة ))

[ أبو داود عن قيس بن أبي غرزة ]

 أيها الأخوة الكرام ، هذا بعض ما في الكتب المعتمدة عن زكاة عروض التجارة أتيتكم بأدلة من القرآن ومن السنة ومن إجماع الصحابة ومن القياس ، وقد يرد بعض الأحاديث أقل من الصحة لكن ضعاف الأحاديث تقوي بعضها بعضاً كما يقول علماء الأحاديث .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018