بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الزكاة - الدرس : 22 - زكاة عروض التجارة - تمهيد .


2002-01-06

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

كلمة جماهير في كتب الفقه :

 أيها الأخوة الكرام ، أخ كريم سألني عن زكاة عروض التجارة ، هذا الموضوع بحثته مرات عديدة من قبل ، ولأنه سأل وتمنى عليّ أن يكون هذا الدرس والذي بعده في هذا الموضوع ، هأنذا أنقل لكم ما في بعض كتب الفقه المعتمدة .
 يقول العلماء : ذهب جماهير العلماء ، كلمة جماهير في كتب الفقه لا تعني جماهير الناس ، جماهير الناس ليسوا على حق في الأعم الأغلب لقوله تعالى :

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام : 116]

 فالأكثرية في المجتمعات أي معصية راجت تشيع فوراً ، أية صرعة أزياء صدرت من بلاد الغرب وقد يكون المصمم يهودياً تسري في بلاد المسلمين ، فجماهير الناس شيء وجماهير العلماء شيء آخر ، من هو الإمعة ؟ هو الذي يتبع سواد الناس ، دهماء الناس، سوقة الناس ، هؤلاء تأخذهم الدنيا ، هؤلاء تأخذهم فتنها ، تأخذهم شهواتها ، أما عندما تقرأ في كتاب الفقه جماهير العلماء أي العلماء ، نخبة الأمة ، أو هكذا ينبغي أن يكونوا، إن لم يكونوا كذلك ينبغي أن يكونوا نخبة الأمة لأنهم عرفوا الحقيقة العظمى ، عرفوا حقيقة الكون ، وحقيقة الحياة ، وحقيقة الإنسان ، وعرفوا سر وجود الإنسان ، وغاية وجوده ، وعرفوا منهج الله عز وجل ، وعرفوا طريق السعادة والشقاء ، فالجماهير شيء وجماهير العلماء شيء آخر ، لذلك تجد في الأرض ملايين مملينة ممن يعبدون البقر ، أو يعبدون الشمس والقمر ، أو يعبدون أصناماً ، أو يعبدون أشخاصاً ، أو يعبدون شهواتهم ، قال تعالى :

﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

[سورة الفرقان : 43 ]

 وقلة قليلة تعبد الله .
 ذهب جماهير العلماء من الصحابة فكيف إذا كان هؤلاء من الصحابة ! حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء . هكذا وصفهم النبي قبل وفاته ، نظر إليهم فقرت عينه بهم فابتسم حتى بدت نواجذه وقال : " حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء " ، النبي ربى أبطالاً ، ربى الواحد كألف وقد تجد ألفاً من المسلمين في آخر الزمان كأف ، ألف كأف لأن شهواتهم استحوذت عليهم وساقتهم إلى طريق شقائهم .
 ذهب جماهير العلماء من الصحابة . والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : " إن الله اختارني واختار لي أصحابي " أصحاب النبي نخبة المجتمعات .
 ذهب الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الفقهاء إلى وجوب الزكاة في عروض التجارة . النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ . . .))

[ متفق عليه عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ]

 فشهد النبي عليه الصلاة والسلام بالخيرية للقرون الثلاثة الأولى ، خير القرون قرني أي قرن الصحابة ، ثم الذين يلونهم أي التابعون ، ثم الذين يلونهم تابعو التابعين .

تعريف العروض و الأثمان :

 العروض جمع عرض والعرض غير الثمن ، نحن في حياتنا يوجد شيئان ، يوجد بضاعة ويوجد ثمن ، البضاعة مع الثمن اسمها مال ، إنسان عنده ألف طن من الخيط ، معامل النسيج ، معامل القماش ، معامل . . . معامل لا تعد ولا تحصى ، مادتها الأولى الخيط ، فلان يوجد عنده مئة طن ألمنيوم ، كل معمل يحتاج إلى هذه المادة الأولية ، فلان يوجد عنده ألف طن حديد ، فلان يوجد عنده من خيوط إلى حديد إلى نحاس إلى زنك إلى معادن ، كل شيء ينتفع به هو مال ، لأن النفس تميل إليه ، ولأن النفس تقتنيه ، ولأن النفس تدخره ، ولأن النفس تحتاجه ، وهذا من أدق تعاريف المال .
 يوجد عندنا عرض جمعها عروض وعندنا ثمن ، العروض والأثمان مجموعة بكلمة المال ، ومن أوجه تعريف المال ما تميل النفس إليه ، إنسان عنده بناء مؤلف من عشرين طابقاً في أرقى أحياء دمشق فرضاً ، كل بيت ثمنه أربعة ملايين أو خمسة ملايين ، هذا مال لأنه بأي لحظة ينقلب إلى مال ، فلان يوجد عنده ألف طن من الخيط ، ألف طن من الحديد ، ألف طن من النحاس ، هذه كلها أموال لأنها في أي لحظة تنقلب إلى أموال ، ما هي التجارة ؟ تعريف جامع مانع للتجارة تقليب الأعراض إلى أموال والأموال إلى أعراض . معك مليون اشتريت فيهم خيطاً ، بعت الخيط رجعوا مليون ومئتين ، اشتريت صفقة ثانية خيطاً انقلب المال إلى خيط ، ثم الخيط إلى مال ، ثم المال إلى خيط ، كل إنسان صاحب تجارة كل حياته التجارية يقلب البضاعة إلى مال ، والمال إلى بضاعة ، يشتري بضاعة ويبيعها ثم يشتري بضاعة مرة ثانية ويبيعها .
 فتقلب الأعراض إلى أموال والأموال إلى أعراض هو تعريف التجارة ، فكل شيء تميل النفس إليه ويدخر ويقتنى ويحتاج إليه هو مال ، ويوجد تعريف طريف : مالهُ أي ليس له ، عندما يأتيه ملك الموت يدعوه إلى القبر ، فأنت إذا فهمت ما هو المال شيء ينتفع به ، إنسان عنده ألف غسالة أوتوماتيك هذا أليس مالاً ؟ ألف براد ، خمسة آلاف مروحة ، تاجر سيارات عنده خمسمئة سيارة بالمرفأ جاهزة ، كل شيء ينتفع به ويباع ويقصد به الربح هو مال وثمن هذا الشيء هو مال ، أيضاً العملة الورقية مال ، والذهب مال ، والفضة مال ، والدولار واليورو أيضاً مال ، صار المال هو المثمن والثمن ، ماذا قال الله عز وجل؟

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

[ سورة التوبة : 103]

وجوب الزكاة في عروض التجارة :

 هل تجب الزكاة في عروض التجارة ؟ تجب باتفاق جمهور العلماء من الصحابة تجب الزكاة في عروض التجارة ، الدليل ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، ونحن ديننا دين أدلة ، يوجد وحي ويوجد سنة ، وحي السماء هو القرآن والسنة هي وحي غير متلو لشرح الوحي المتلو .

(( عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنْ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْع ))

[ أبو داود عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ]

 الذي عنده مليون طن من الخيط المعد لماذا ؟ للاستهلاك ، الذي عنده ألف سيارة في الميناء ، لاستهلاكه الشخصي ؟ يستحيل ، الذي عنده ألف طن ألمنيوم هل لاستهلاكه الشخصي ؟ ألف طن حديد . . . هذه كلها بضائع معدة للبيع والبيع قصده الربح ، القصد هو نمو المال ، أنت كيف تنمي مالك ؟ عن طريق شراء البضاعة وبيعها هذه التجارة ، عن طريق شراء البضاعة وبيعها تنمي المال .

(( عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنْ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْع ))

[ أبو داود عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ]

 وروى البيقهي أيضاً :

((عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البز صدقته . . .))

[البيقهي عن أبي ذر رضي الله عنه]

 ما هو البز ؟ قال : متاع البيت ، الآن متاع البيت ما هو؟ مراوح ، ثريات ، برادات ، مواقد غاز ، أدوات مطبخ ، أثاث ، غرف نوم ، غرف استقبال ، متاع البيت، كل ما يحتاجه البيت متاع ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول : "وفي البز صدقة" .
 في الإبل صدقتها ، وفي الغنم صدقتها ، وفي البقر صدقتها ، وفي البز صدقته .
 وعن أبي عمرو عن أبيه قال : "كنت أبيع الأدم والجعاب - الأدم الجلد والجعاب الجفان أي القدور - فمر بي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : أدِّ صدقة مالك ، أدِّ أمر"
 يقول عليه الصلاة والسلام :

((عليكم بسنّتي وسنّةِ الخلفَاءِ الراشِدينَ المهديِّينَ، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجِذِ....))

[ أخرجه أبو داود والترمذي عن العرباض بن سارية ]

 سيدنا عمر من الخلفاء الراشدين طبعاً ليس مشرعاً لكنه نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
 فمر بي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : " أدِّ صدقة مالك ؟ فقلت يا أمير المؤمنين إنما هو الأدم ، قال : قوّمه ثم أخرج صدقته "

العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية :

 قال بعض العلماء في كتاب المغني وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر فكانت إجماعاً ، لا يخفى عليكم أن مصادر التشريع عند جمهور العلماء الكتاب والسنة والقياس والإجماع ، فقال العلماء : وكانت هذه القصة إجماعاً ، أما القياس الذي اعتمده الجمهور في زكاة العروض فهو أن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية ، ما ورد في القرآن الكريم أن المخدرات محرمة هل هي مباحة ؟ تلتقي مع الخمر بأنها تسكر ، أي يغيب صاحبها عن الوعي ، فلان مخدر أو فلان مخمور تلتقيان بعلة واحدة .
 والنبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( ما أسكر كثيره فقليله حرام ))

[ أبو داود عن جابر بن عبد الله ]

 العلة هي السكر سمها ما شئت ، الآن اسمها مشروبات روحية وليس اسمها خمر يقول لك : مشروبات روحية ؟ هي محرمة و لو لم يكن اسمها خمراً لكن لأنها تلتقي مع الخمر في علة الإسكار فهي محرمة قطعاً ، أما القياس الذي اعتمده الجمهور فهو أن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية ، فأشبه الأجناس الثلاثة ، التي فيها زكاة باتفاق أعني الحرث الزروع ، الماشية الأنعام ، والذهب والفضة .
 وفي المنار جمهور علماء الأمة يقولون بوجوب زكاة عروض التجارة .

عروض التجارة المتداولة للاستغلال نقود :

 وقد ورد في زكاة عروض التجارة أحاديث يقوي بعضها بعضاً أي أن الأحاديث المتعددة ولو كانت أقل من الصحة لكن لأنها تعددت في موضوع واحد فهذا مصطلح عند علماء الحديث إنها ولو كانت أقل من الصحة لكن يقوي بعضها بعضاً ذلك أن العلماء يقولون: إن عروض التجارة المتداولة للاستغلال نقود .
 حدثني أحد أصحاب المعامل قال لي : أنا عندي معمل ، نسيجي مادته الأولى الخيوط ، وأنا حينما أقرض تاجراً مثلاً مليون ليرة لسنة أنا لا أريد أن آخذ فائدة عليه إطلاقاً أبيعه بالسعر لكن إذا قيمة الخيط تضاعفت معنى هذا أنني خسرت خسارة كبيرة ، أنا أشترط عليه : هذا الدين أريده بقيمة الخيط . المليون كم طن خيط تساوي ؟ أريد أن ترد لي مالاً يساوي أطنان الخيوط التي تساويه اليوم حتى لا أتأثر ، بالمناسبة مع تبدل العملة السريع لو إنسان اشترط على مقترض أنا هذه المليون كم تساوي من الذهب أو من العملات الثابتة القوية فإذا أردت أن ترد هذا المبلغ لي ينبغي أن ترده بهذه العملة أو بهذه الطريقة الذهبية لا شيء عليه مادام شيء مشترط ، اعتمد عملة أخرى ، يوجد عملات تضخمها النقدي كبير جداً ويوجد عملات أسعارها ثابتة ، فالذي يشترط بالدين أن يقرض مبلغاً يساوي رقماً معيناً من عملة أخرى أو من ذهب أو فضة لا شيء عليه ، المسلمون عند شروطهم ، لأن الخيط مال والخيط مادة أساسية جداً في آلاف المعامل . قال له : أنا أقرضك هذا المليون على أن ماذا يساوي الآن من الخيط ، أربعة أطنان يجب أن ترد لي بعد عام أربعة أطنان من الخيط غلى أو رخص .
 أنا إذا ارتفع السعر للضعف مهما ربحت منك فأنا خاسر ، الحفاظ على قيمة رأس المال ممكن .
 العلماء يقولون : إن عروض التجارة المتداولة للاستغلال نقود ولا فرق بينها وبين الدراهم والدنانير التي هي أثمانها إلا في كون النصاب .

تقلب نصاب الزكاة بين الثمن و البضاعة :

 نصاب الزكاة يتقلب ويتردد بين الثمن وهو النقد وبين البضاعة وهي العروض .
 إنسان يوجد في صندوقه مليون ليرة عليهم خمسة و عشرون ألفاً زكاة برمضان ، و آخر يوجد بمستودعه خيط بمليون ليرة عليه خمسة و عشرون ألفاً ، فنصاب الزكاة يتقلب من مثمن إلى ثمن ، من بضاعة إلى مال ، فلو لم تجب الزكاة في التجارة لأمكن لجميع الأغنياء أو أكثرهم أن يتجروا بنقودهم ، و يتحروا ألا يحول على نصاب النقدين الحول أبداً و بذلك تبطل الزكاة فيهما عندهم ، يوجد تاجر عنده بضائع بمئتي مليون ، بعشرة ملايين ، بألف مليون ، إذا كان لا يوجد على العروض زكاة التغت الزكاة ، لا يوجد مؤسسة مالية ، لا يوجد مصنع كبير ، لا يوجد تاجر كبير يوجد بصندوقه مبلغ كبير ، جميع أمواله بضائع ، بضائع و ديون ، جميع التجار هكذا بل إن معظم الثروة في أيدي الصناعيين و التجار فإذا ألغينا زكاة العروض و زكاة البضائع كأننا ألغينا الزكاة أصلاً ، و يوجد أناس - سامحهم الله - في بلاد أخرى على الذهب و الفضة فقط ، العملة الورقية لا تعد عندهم مالاً ، شخص عنده مئتا مليون دولار هذا ليس مالاً لأنه ورق .
 فلذلك لا فرق بين الدراهم و الدنانير التي هي أثمان العروض إلا في كون النصاب يتقلب و يتردد بين الثمن و بيد النقد ، بين الثمن و هو النقد و بين المثمن و هو العروض ، فلو لم تجب الزكاة في التجارة لأمكن لجميع الأغنياء أو أكثرهم أن يتجروا بنقودهم ، شخص مثلاً معه مئة مليون في الخامس عشر من شعبان يشتري بهم بضاعة ليس عليه زكاة ، كان على كل مليون يوجد كم ألف ؟ على كل مليون خمسة و عشرون ألفاً زكاة ، الذي عنده مئة مليون عليه اثنان و نصف مليون ، إذا اشترى بهم بضاعة في الخامس عشر من شعبان لا يوجد عليه زكاة إطلاقاً ، في اثنين شوال أعادهم مالاً ، باعهم فرجعوا مالاً ، هو يعيد هذا كل عام ، هذه سهلة جداً ، مهما كان معه أموال نقدية يشتري بها بضائع قبل حلول رمضان بعد شوال يقلبها إلى نقد و هكذا ، قال : لو لم تجب الزكاة في التجارة لأمكن لجميع الأغنياء أو أكثرهم أن يتجروا بنقودهم و يتحروا ألا يحول على نصابهم من النقدين الحول أبداً ، و بذلك تبطل الزكاة فيها عندهم ، و إذا أضفنا إلى هؤلاء من لا يوجب الزكاة إلا في الذهب و الفضة خرجنا من الزكاة كلية ، و مات الفقراء و انتهت هذه الفريضة الكبيرة .

تفسير كلمة أموال :

 الآية واضحة دعك من كل هذه التفاصيل ، دعك من كل هذه الأحاديث :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 ماذا تفهم أنت من كلمة أموال ؟ الذي عنده بناء بالمالكي ثمانية طوابق و كل طابق بثمانين مليوناً ، مكسو على المفتاح للبيع ، هذا فقير لا يوجد معه مال أبداً ، ثمانية بيوت ، و كل بيت أربع شقق ، كل بلاطة أربع شقق ، و كل بيت بثمانين مليوناً يوجد هكذا أسعار ، هذا أليس مالاً معداً للتجارة ؟ الذي عنده أراض ، الذي عنده محلات بشارع الحمراء مثلاً للبيع ، الذي عنده منطقة صناعية ، الذي عنده ألف طن من الخيط ، الذي عنده ألف طن من الحديد ، الذي عنده ألف طن من الخشب ، الذي عنده خشب الزان الغالي جداً المعد لصناعة الأثاث ، الذي عنده أنواع من البضائع لا تعد و لا تحصى ، الذي عنده ألف سيارة بالميناء معدة للبيع ، أليست هذه أموالاً بالبداهة من دون تعقيدات ، من دون تفصيلات ، من دون دخول في التعريفات ، أليس هذا مالاً ؟ ألا ينقلب إلى مال ؟ لو عقد صفقة موحدة و باع ألف سيارة ، كل سيارة بمليون ألف مليون ، مليار أعطوه شيكاً ، مال هذا ، التجارة كلها تحويل العروض إلى مال ، و المال إلى عروض ، دورة و كلما كان التاجر بمستوى أعلى تكون دورته قصيرة ، و كلما كان التجارة متعبة الدورة طويلة ، يوجد دورات سنوية ، يعبر عنها التجار البضاعة قلبت بسنة ، يوجد تجارة تقلب بشهرين ، يوجد تجارة بخمس سنوات ، يقول بعض العلماء : و رأس الاعتبار في المسألة أن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء صدقة لمواساة الفقراء و من في معناهم ، و إقامة المصالح العامة ، و أن الفائدة في ذلك للأغنياء ، ما الفائدة ؟ قال : تطهير أنفسهم من رذيلة البخل ، و تزكيتها بفضائل الرحمة بالفقراء ، و مساعدة الأمة على إقامة المصالح العامة ، أي يوجد شيء دقيق جداً اسمه مقاصد الشريعة لا يمكن أن نغفل عنه أبداً ، أوضح مثل ذكرته لكم فيما أذكر أنه على الحاج المتمتع أو القارن أن يقدم هدياً و كان يوجد جهل ، و كان يوجد تقصير ، فكان الحاج يمسك هذه الدابة و يذبحها في منى ، و يلقيها في الطريق ، انتهى الأمر هو ذبحها أي تقريباً مليون غنمة تذبح في منى في يومين ، و تبقى هذه الأغنام المذبوحة متفسخة و ذات رائحة فظيعة لمدة أربعة أشهر ، أقسم لي أحد الأخوة الذي يسكن قرب منى في أحد ضواحي مكة قال لي : و الله رائحة الذبائح المتفسخة تكاد تزكم أنوفنا أربعة أشهر ، هل أنت تصدق أن شريعة الله تأمرك أيها الحاج أن تأتي بهذه الغنمة و هو طعام ثمين جداً بل هو سيد الطعام و الناس جميعاً يحتاجون إليه أن تذبح هذه الغنمة ، و أن تبقيها في الحر الشديد كي تتفسخ !! هذا هو الشرع ؟ الشريعة مصلحة كلها ، الشريعة حكمة كلها ، الشريعة عدل كلها ، الشريعة رحمة كلها ، أية قضية خرجت من الرحمة إلى القسوة ، و من الحكمة إلى خلافها ، و من العدل إلى الجور، فليست من الشريعة و لو أُدخلت عليها بألف تأويل و تأويل .

حكمة التشريع الإلهي من الصدقة :

 الأغنياء في الصدقة يطهرون من البخل و الشح ، و الفقراء يطهرون أيضاً من الحقد ، لا يوجد حقد ، فقير طرق بابه ، جاء الطعام و الشراب و الحلوى و الكساء و القماش و المال ، معنى ذلك أنا مهم في المجتمع ، مجتمعي رحيم ، مجتمعي حكيم ، مجتمعي متضامن ، و الله أيها الأخوة أكاد أقول إن تسعين بالمئة مما تعاني منه المجتمعات في العالم يعود إلى الفقر الشديد و الغنى الفاحش في وقت واحد ، لو أن الناس جميعاً فقراء المشكلة أخف ، أما إنسان يملك مليون و مليون لا يملكون شيئاً ، إنسان يتفنن في طعامه و شرابه و إنسان لا يملك غرفة يسكنها ، أو بيتاً يؤويه ، لا يملك غرفة يسكنها أو بيتاً يؤويه ، ألم يقل الله عز وجل :

﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الحشر : 7]

 لعل حكمة التشريع الاقتصادي في الإسلام ألا تبقى هذه الكتلة النقدية محصورة في أيدٍ قليلة ، أي هذه حالة مرضية قليلة جداً أن ترى كل شيء في الأسواق لكن لا يوجد مع الناس ثمن لها ، حينما لم يكن في الأسواق شيء و لا يوجد مع الناس شيء أقل مما أن ترى كل شيء في المحلات التجارية ، أجمل الألبسة ، أجمل الأجهزة ، الأدوات ، صرعة الإعلان، أي الإعلان يخلق في نفس الإنسان رغبة لهذه الحاجة ، تجد مكيفاً موضوعاً و شخصاً نائماً مرتاحاً مع جبل ثلج ، و هو ساكن ببيت طابق رابع ، البلوك عشرة سنتمتر ، أشعة الشمس كالفرن في المنزل ، ووجد مكيفاً موضوع بلوحة كبيرة و هو لا يوجد معه ثمنه، يشاهد مركبة أنيقة جداً لا يوجد معه ثمنها ، الإعلان له مشكلة كبيرة أيها الأخوة ، الإعلان ذكي جداً ، وجدت إعلاناً على الطابعة تخرج صورة فريز لشدة الإتقان ظنه أحدهم فريزاً حقيقياً ، فمد أصبعه ليأخذ واحدة ، فالإعلان مغر جداً ، الإعلان يخلق الحاجة عند الإنسان ، فإذا كان لا يملك ثمنها كم حل عنده ؟ عنده أربعة حلول : أول حل أن يمد يده للحرام سقط من عين الله ، ارتشى ، أكل مالاً حراماً ، سرق يريد أن يشتري ، عند الست غسالة قديمة يدوية تجد غسالة أوتوماتيك تضع الغسيل و تذهب تنام و الله أحسن طبعاً ، ثمنها ستة و عشرون ألفاً إذا كان معاشه خمسة آلاف أو ستة ، الوظيفة بسيطة كل يوم ترى هذه الغسالة تريدها بالنهاية إذا كان ضعيف الإيمان سيأكل مالاً حراماً ليشتريها مثلاً أقول أي حاجة أنا ، أو عليه أن يعمل عملاً إضافياً بوقت فراغه فإذا ألغى وقت فراغه انتهت إنسانيته ، يقول لك أخرج من البيت بعدما يستيقظوا و أعود بعد أن يناموا ، فقدت أنت أبوتك ، فقدت تربيتك لأولادك ، فقدت كل شيء ، فالذي ليس عنده وقت فراغ ليطلب العلم ليس إنساناً ، ما حقق وجوده في الحياة ، أنصح أخوتي الكرام أي عمل مهما كان دخله كبيراً إذا ألغى لك وقت فراغك أنت أكبر خاسر ، خسرت زوجتك و أولادك و خسرت كل شيء ، هذا الحل الثاني ، الحل الثالث إما أن يعمل عملاً إضافياً يلغي وقت فراغه و إما أن يمد يده للحرام ، و إما أن يشعر بالحرمان الدائم هذا بفضل الإعلانات ، هل كل إنسان قادر أن يشتري ما في الإعلان؟ ما كل إنسان قادر ، فإذا اجتمعت الأموال بأيدي قلة قليلة و حرمت منها الكثرة الكثيرة هذا خلاف منهج الله ، أنا أقول : الصحة الاجتماعية المالية أن تكون الكتلة النقدية متداولة بين جميع الناس ، أي كل إنسان ساكن بمنزل و يأكل ، و يشرب ، و له بيت مدفأ ، و يعالج أولاده صحياً ، و يأتي لأولاده بألبسة جيدة ، يطعمهم طعاماً مغذياً مفيداً هذه الحالة الصحية.

تداول المال بين الناس :

 أي بشكل أو بآخر أنا أتمنى أن كل إنسان يساهم بشكل أو بآخر بتقليل القوة الشرائية بأيدي الموظفين هذا يقوم بعمل خطير جداً ، شخص درس و أخذ أعلى شهادة و تعين بمبلغ يكفيه في الأصل ، أما مع التضخم النقدي لم يعد يكفيه ، فإنسان نخبة المجتمع مثقف لا يكفيه معاشه عشرة أيام ماذا سيفعل ؟ سيخلق لكل مواطن مشكلة حتى يأخذ الفرق، هذا الذي يحصل خلق مشكلة لأنه هو مشكلة ، أما حينما تعطيه حاجته فأنا أقول دائماً أعطِ الإنسان حاجته و كرامته و خذ منه كل شيء ، فالآية الكريمة :

﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الحشر : 7]

 هذا المال ينبغي أن يكون متداولاً بين كل الناس ، أي شيء ثابت أن معظم الثروات في أيدي التجار و الصناعيين ، إن أعفيناهم من زكاة العروض ماذا بقي من الزكاة ؟ أنا لا أبالغ خمسة و تسعون بالمئة من الزكاة تلغى إذا أعفينا التجار من زكاة العروض ، إذاً هذا يتناقض مع مقاصد الشريعة ، يتناقض مع قوله تعالى :

﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الحشر : 7]

 يتناقض مع قوله تعالى :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة : 103]

وجوب الزكاة في العروض و في النقد :

 أعيد و أكرر : فلان غني ، ما معنى غني ؟ عنده ثلاثة عشر بيتاً على المفتاح يريد أن يبيعهم أليس هذا مالاً ؟ فلان عنده مئة طن من الحديد في المنطقة الحرة يريد أن يبيعهم أليس هذا مالاً ؟ فلان عنده ألف طن من الخيط ، أو النحاس ، أو الزنك ، أو الفضة ، هذه كلها أموال ، فالعروض مثمنات و أثمانها نقد و كلاهما اسمه مال ، و المال ما تميل إليه النفس و يقتنى و يحتاج إليه ، فخذ من أموالهم لو بقينا في الكتاب ، في القرآن :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 أي تجب الزكاة في العروض و في الأثمان " النقد " .

شروط زكاة العروض :

 أيها الأخوة ، أتمنى في درس قادم أن نتحدث عن شروط زكاة العروض ، ذلك الإنسان عنده حالتان حالة اقتناء و حالة متاجرة ، أنت أحياناً تكون ببلد تجد فازاً جميلاً جداً و رخيصاً ، و عندك بيت واسع ، و أنت ميسور الحال أي أعجبك جداً تشتريه ، أنت لماذا اشتريته ؟ اشتريته لتقتنيه ، حتى تضعه في غرفة الضيوف مثلاً ، هذا لا يوجد عليه زكاة لأن علة شرائه القنية ، إنسان يشتري أحياناً منظراً طبيعياً ، أحياناً يشتري حاجة ، يشتري ساعة معينة ، كل شيء يشترى كي يقتنى و يحتفظ به هذا ليس عروض تجارة ، أحدهم اشترى مركبة ليركبها هذا مستهلكة ، و لكن شخصاً تاجر سيارات مُرْ ، و يوجد تسجيل على سيارات بيعت بمئة و خمسة آلاف ، سعرها مستعملة مليون و نصف بعد عشرين سنة ، ثمنها مستعملة منطلقة مئة ألف مليون و نصف ، لكن شخصاً تاجر سيارات مر يأخذ خمس سيارات بشحمهم يضعهم في مستودع يربح بهم بالعشر سنوات بالمئة ألف أليس كذلك ؟ فإذا أنت أخذت مركبة بنية أن تنتفع بها و أن تبيعها عليها زكاة ، اشتريت منزلاً و ساكناً بمنزل و مُسكن كل ابن بمنزل ، وجدت بيتاً غير مكسو و هو لقطة أي صاحبه باعه مضطراً أنا أشتريه و أكسوه و أربح به بالمئة مئة ، هذه سابقاً ليست الآن ، الآن يخسر به بالمئة مئة ، أنت إذا اشتريت بيتاً كي تبيعه هذا معد للتجارة ، وجدت أرضاً و وجدت عليها تنظيماً و قال لك شخص مقرب : تشتريها بثمن بخس تنظم فتصبح بمئة ضعف ، فهذه الأرض معدة للتجارة ، كل شيء تشتريه للاقتناء لا يوجد عليه زكاة ، أو تشتريه للتجارة هذا هو الحكم ، فلذلك ليس كل شيء ببيتك تنتفع به ، عندك براد ، عندك غسالة ، عندك مروحة ، هذه كلها اشتريتها كي تقتنيها ، إذاً هذه ليست من عروض التجارة ، أما تاجر مراوح عنده مئتا مروحة، تاجر برادات ، تاجر غسالات ، هذه كلها عروض تجارة اشتراها كي يقلبها إلى مال مع الربح ، ثم اشتراها مرة ثانية ليقلبها إلى مال ، تقليب السلع و الأموال فيما بينهم هذه تجارة ، لكن أنا أعتقد أنه يوجد من إخواننا عدد كبير من التجار فلابد من تفاصيل كيف أثمن هذه القيم ؟ و كيف أدفع زكاتها ؟ و متى أدفع زكاتها ؟ و كم هو نصاب زكاتها ؟ إن شاء الله في دروس قادمة نحن في موضوع عروض التجارة ، و فرضية زكاتها ، و أدلة فرضية زكاتها ، و نصابها ، و طريقة تقييمها ، و طريقة توزيع زكاتها قيمة أو عيناً إن شاء الله في درس قادم.

الزكاة على الميزانية :

 ورد سؤال لا بأس من أن أجيب عنه ، هل الزكاة تدفع عن الربح أم عن رأس المال و الربح معاً ؟
 شيء دقيق ، أنت عندك محل تجاري فيه بضاعة بمليون ، و يوجد بالصندوق مئتا ألف ، و لك ديون بمليونين ، و عليك ديون بمليون ، كيف تحسب الزكاة ؟ يوجد بضاعة بمليون ، و يوجد نقد مئتي ألف ، و لك ديون بمليونين ، أصبحوا ثلاثة ملايين و مئتين ، عليك دين مليون أصبح المبلغ مليونين و مئتين هذه الزكاة أي ميزانية ، الزكاة على الميزانية، الميزانية البضاعة زائد الصندوق زائد ما لك مطروح ما عليك الرصيد بالمئة اثنان و نصف، طبعاً يوجد تفاصيل ، و لكن أنا و الله أؤيد أن الإنسان يُقيم ماله برمضان ، أما كل مبلغ بحاله تريد فئة من المحاسبة ، تريد عشرة محاسبين ، جاءك ألفي ليرة مثلاً أو عشرة آلاف، هذا نقص مئتين اختلف الحول الذي له ، هذه لانهاية لها ، أنت تدفع الزكاة برمضان ما عندك في رمضان تدفع عنه الزكاة و انتهى الأمر ، لا يهم هذا المبلغ في أثناء الحول قلّ أو كثر ، بطرفي الحول من رمضان إلى رمضان ، يوجد ألف أدفع عن ألف ، ألفين عن ألفين ، أما تبدل المبالغ في أثناء الحول فعند السادة الأحناف لا يؤثر على نصاب الزكاة .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018