بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الزكاة - الدرس : 06 - زكاة الزروع والثمار والحيوانات


1986-07-13

الأكل من الزرع :

 أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي إلى زكاة الزروع والثمار والآن إلى موضوع فرعي عنوانه الأكل من الزَّرْع...
 يجوز لِصاحب الزَّرع أن يأكل من زرعِهِ قبل حِساب الزكاة، وقبل جني المَحصول، وقبل حساب حق الفقير، يجوز لِصاحب الزَّرع أن يأكل من زرعِهِ، ولا يُحْسبُ عليه ما أكل منه قبل حصاده، لأنَّ العادة جارِيَةٌ به وما يؤكَلُ منه في نظر الفقهاء شيءٌ يسير، فمهما أكل صاحب البستان ومهما أكل أولادهُ أو ضيوفه بالقياس إلى مجموع المحصول شيء يسير، لذلك ربُّنا سبحانه وتعالى تَجاوَزَ لنا عن هذا اليسير، فإذا حُصِد الزَّرع وصُفِّيَ الزَّرْع أخرجَ صاحب الأرض زكاة الموجود وقْت الحصاد لِقوله تعالى:

﴿ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

[ سورة الأنعام: 141]

 سُئِلَ أحمد عمَّا يأكل أرباب الزُّروع من الفريك، فقال: لا بأس أن يأكل منه صاحبه ما يحتاج إليه، وكذلك قال الشافعي.
 فالذي عنده بستان أو حقل قمح، إذا أخذ جزءاً من القمح وجعلهُ فريكًا لِحاجته الشَّخصيَّة، هذا مَعْفُوٌّ عنه قبل حِساب نصيب الفقير وقت الحصاد.
 تجبُ الزكاة في الزروع والثِّمار إذا اشْتدّ الحبّ وصار فريكًا، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تَزْهُوَ وَعَنِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ وَعَنِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ ))

[أحمد عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

النهي عن بيع السنين :

 ونهى عن بيع السِّنين، تضمن بستانًا لِخمس سنوات، فقد تأتي جائحة في السَّنة الثانية فلا تُبقي منه شيئًا، ونهى عن بيع الثِّمار حتَّى يبْدُوَ صلاحها، وهذا الكلام موجَّه لِمَن يعمل في ضمان الثّمار، فأحيانًا يقع صاحب البستان في الغَبن الشديد، يقول لك: أنا أضمنُ لك هذا البستان بِثَلاثين ألفاً، لم تبدُ بعد صلاح الثِّمار، فلو بدا صلاحها لا تبيعه أكثر من سبعين ألفاً فالنبي عليه الصلاة والسلام لكي لا تكون المنازعة بيننا ونحن عندنا قاعدة فقهية تقول: الجهالة تُفضي إلى المنازعة، وَطِّن نفْسَكَ في كلّ علاقاتك أن تكون واضحًا، فأيّ نقطة غامضة في الصّفقة، وفي عقد شراكة، قد تؤدِّي إلى المنازعة، والمنازعة فيها فساد ذات البَيْن، وفساد ذات البَيْن هي الحالقة، لا أقول حالقة تحلق الرؤوس، ولكن حالقة الدِّين، لذا مِن نجاح الإنسان في الحياة لا يعْقِدُ عقدًا، ولا يُبْرمُ صفْقة، إلا بعد أن تتَّضِح كلّ الأمور، وعادةً الطَّرَف الأضعف لا يُحِبّ أن يُفَكِّر في الأشياء والطَّرف الأقوى يسكُت لِيَستغلّ السُّكوت، والجهالة في جرِّ الرِّبْح إلى طرفِهِ، فالأقوى يسْكتُ، والأقوى يخاف أن يتكلَّم، وهذا الخوف من الأضعف، والسُّكوت من الأقوى يُسَبِّبُ منازعةً، والمنازعة تؤدِّي إلى فساد ذات البَيْن، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

توضيح كل شيء لأن الجهالة تُفضي إلى المنازعة :

 رُفِعَتْ لي قضِيَّة أنَّ إنسانًا له جار يبيعُ غُرفَ نوم، فرأى غرفةً أعْجَبتْه قال له كم ثمنها يا جاري؟ فقال: كما تريد! فقال له: اِبْعَث لي إياها، أوَّل أسبوع أعطاه ألفي ليرة، وثاني أسبوع ألفين، إلى السابع من الأسابيع فوجد هذا الشَّخص أنَّ هذا هو ثمنها، ذاك الجار سكتَ أسبوعَين ثمّ قال للمشتري: لم تعُد تدفعُ لي يا جار؟ فقال له المشتري: أعطيتك ما يكفي لها، فقال له جاره: هذه ثمنها ثمانية وعشرون ألف ليرة!! فوقَعت منازعة بينهما، لذا الجهالة تُفضي إلى المنازعة، فأحيانًا حتَّى الابن عند أبيه لا يعرف نفسَهُ أَهُوَ شريك أم أجير أم صانِع أم مُوظَّف؟! فالبيان يطرد الشَّيطان، وضِّح له، ولا تستأجِر أجيرًا حتى تُعْلِمَهُ بأُجرته، فالذي يريد أن يعقِدَ شراكات أو يُبْرم عقودًا عليه أن يُوضِّح كلّ شيء كي تنتهي الأمور بالحسنى، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((كفى بها نعمة أن يتجاور المتجاوران أو يتخالطا أو يصطحبا فيفترقا وكل واحد منهما يقول لصاحبه : جزاك الله خيرا))

[ كنز العمال عن عائشة]

 فأنت إن اسْتَطَعتَ أن تُعامِل، وتنتهي المعاملة جَزاك الله عَنِّي كلّ خير، إن اسْتَطَعت أن تُسافر مع إنسان وينتهي السفر بِجَزاك الله عني كلّ خير، حتَّى قال بعض الفقهاء إذا طلَّقْت الزَّوجة يجِبُ أن يكون الطلاق بالإحسان، ويَجِبُ أن تقول لك: جزاك الله عَنِّي كلّ خير، معنى ذلك أنَّها طُلّقَت لِسَبب قاهِر، ولأنَّها ظالمة، وحتى أنَّ بعض المُحسنين يُمسِكُ زوجته جَبرًا لِخاطِرها، وقد قيل لِبعض الذين عندهم زوجة سيِّئة طلِّقْها، فقال: والله لا أُطلِّقها فأَغُشَّ بها المسلمين! على كلٍّ الذي أُريدهُ من هذا أنَّ الإنسان عليه أن يُوضِّح كلّ شيء، فَكُلّ المنازعات التي في التِّجارة مِن الجَهالة، فلا تقل لِمَن قال لك: متى أسْتلِم البِضاعة؟ لن تطول، هذه الكلمة لها عِدّة مدلولات! وبعد ذلك تنشأ المشاكل، والأفضل أن تعمل عقدًا، فهذا الذي تقوله بِلِسانك يجِبُ أن يُثبَّت بالورق، لأنّه إن ثُبِّت أصبح هناك ضَبط، ومنَعْت بِذَلك الشيطان أن يدخل على خَصْمك، ومنَعتَ الشيطان أن يدخل عليك، وحديث النبي لصاحبيه...هذه صفية " من القائل؟ رسول الله عليه الصلاة والسلام!

 

متى تجب الزكاة في الزروع والثِّمار ؟

 تَجِبُ الزكاة في الزروع إذا اشْتدّ الحبّ وصار فريكًا، وتَجِبُ الثِّمار إذا بدا صلاحها، ويُعْرف هذا باحْمِرار البلَح، وجرَيان الحلاوة في العِنب سبحان الله! يقول تعالى:

﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾

[ سورة النحل: 16 ]

 العلامات من آيات الله الدالة، فالتِّين ترى في أسفلِهِ نُقطة عسَل، والعِنب البلدي يصْفرّ والحلواني يحمرّ، والباذنجان يسْودّ، والكوسا تصفرّ، والتفاح يصفرّ بعد اخضراره، فما من فاكهة أو خضار إلا ولها علامات يبدو بها صلاحها فالله تعالى قال:

﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾

[ سورة النحل: 16 ]

 وإذا باع الزارعُ زرْعه بعد اشتداد الحبّ، وبُدوّ صلاح الثمر، فزكاة زرعه وثمره على البائع، فزكاة الزرع والثمر عليه دون المشتري لأنّ سبب الوجود العقد وهو في مُلكه.

إخراج الطيِّب في الزكاة :

 أمرَ الله سبحانه وتعالى المُزَكِّي بإخراج الطيِّب من ماله، ونهاه عن التَّصدّق بالرديء، فقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾

[ سورة البقرة: 267 ]

 متى يأكل الإنسان أكلةً لا يُحبّها؟ عندما يكون جائعًا جَوعًا شديدًا وفي الحالات القاهرة، وفي حالات الفقر المدقع، حينها يأكل طعامًا لا يروق له، ولكن كما قال تعالى:

﴿ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾

[ سورة البقرة: 267 ]

 العمل الصالح هَدِيَّة إلى الله عز وجل، فلْيَنظُر أحدكم ما يقدِّم من هديَّة إلى الله عز وجل.
 بعض الناس كانوا يتيمَّمون شِرار ثِمارهم فَيُخرجونها في الصدقة! فالمشمش مثلاً قد يسقط على الأرض، وكذا التِّين، أو تفاح مضروب فهذا الذي يفعله أنّه يُوزِّع هذه البقايا، هذا لا يجوز، لا يجوز أن تُقدِّم عملاً لله تعالى فيه خلل، يمكن أن تبيعه ولكن أن تُقدِّم هذا لله تالفًا أو فيه عيبٌ كبير هذا لا يجوز، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾

[ سورة البقرة: 267 ]

زكاة العسل :

 هذا موضوع خِلافي، فبعضهم قال: ليس في زكاة العسل شيء يصِحّ فليس في الآثار الدِّينيَّة شيءٌ يؤكِّد الزكاة في العسل، ولكنّ المذهب الحنفي يقول إنَّ في العسل زكاة لأنَّه ولو لم يصحّ في إيجاده حديث إلا أنَّه جاءت فيه آثار يُقَوِّي بعضها بعضًا، ولأنَّه يتولَّد مِن نَور الشَّجر، أي زهرها، فهو أساسه إنتاج حيواني مَبْعثُهُ النبات، وشيء آخر يُكال، وشيء آخر يدَّخَر وله قيمة كُبرى، فالإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وإن لم يَجِد في الأحاديث ما يوجِبُ زكاة العسل إلا أنَّ العسَل حملهُ على قرائن كثيرة، ذلك لأنَّ منشأهُ نباتي، ويُدَّخر، ويُكال، فقال: في العسَل زكاة كالحبّ والثَّمر، ولأنَّ الكُلفة فيه دون الكلفة في الزروع والثِّمار، واشْترطَ أبو حنيفة في إيجاب الزكاة في العسل أن يكون في أرضٍ عُشْريَّة أي أرضًا بَعْلِيَّة، أما الأرض التي تُسقى بالماء فهذه عليها نصف العُشر، فإذا كانت المناحل في أرضٍ عُشريَّة فزكاة العسل عُشْر الإنتاج، ولم يشترط الإمام أبو حنيفة نِصابًا له فَيُؤخَذُ العُشر من قليله وكثيره، وبعض الأئمَّة اشترطوا أن يبلغَ نصابًا وهو عَشرةُ أفراقٍ والفَرَقُ سِتَّةَ عشرة رِطلاً عِراقيًّا.

زكاة الحيوان :

 زكاة الحيوان موضوع دقيق، وقد لا يعني مُعظم الحاضرين، كزكاة الإبل كلّ ستة وثلاثين رأسًا من الإبل لها بنت لبون، وفي السِتّ والأربعين حقَّة، وفي الإحدى والستُّين جذْعة، وفي الستّ والسبعين جذعًا لبونًا، هذه مصطلحات مُتَعَلِّقة بالإبل بِحَسب سِنِّها، وإمكانيَّتها، وبحسب العدد، ولكن هناك شيئاً يعنينا في الغنم، فزكاة الغنم لا زكاة فيها حتَّى تبلغ أربعين، فزكاة المال اثنا عشر ألفاً، فالغنمة الواحدة ثمنها ألف ليرة، فالأربعون ثمنها أربعون ألفًا، ولكن جاء لا زكاة في الغنم حتى تباع أربعين، فإذا بلغَتْ أربعين سائمة وحال عليها الحَوْل، ففيها شاةٌ إلى مئة وعشرين، فإذا بلغَتْ مئةً وعِشرين ففيها شاتان، إلى مئتين، فإذا بلغَت مئتين ففيها ثلاثة شِياه، فإذا زادَت على الثلاثمئة ففي كلّ مئةٍ شاة.

زكاة الخارج من البحر :

 أمرٌ آخر يتعلّق بالزكاة وهو زكاة الخارج من البحر، فقال الجمهور: لا تَجِبُ الزكاة على كلّ ما يخرج من البحر من لؤلؤٍ ومرجانٍ وزبرجد وعنبر وسمك إلا في إحدى الرِّوايتين عن أحمد إذا بلغَ ما يخرج من ذلك نِصابًا ففيه زكاة، وليس في العنبر زكاة إنما هو غنيمة لِمَن أخذَهُ، فهذه الأشياء المُستخرجة من البحر، والتي يُقْصَد بها الانتفاع الشَّخصي ليس فيها زكاة إلا أن يكون مالاً يُتاجَر به، فحينئذٍ تدخل في حكم عروض التِّجارة، فبعض الأحجار الكريمة إذا دخلت في المال المتَّجر به تدخل في عروض التِّجارة وتُقيَّم أثمانها، وتُحسب الزكاة.

من أكبر الكبائر الفرار من الزكاة :

 مَن مضى عليه سِنون، ولم يؤدِّ ما عليه من زكاة، لَزِمَهُ إخراج الزكاة عن جميعها سواءً علِمَ وُجوب الزكاة أو لم يعلم، وسواءٌ أكان في دار الإسلام أم دار الحرب، لأنَّ هذا حقّ الله تعالى، فالذي تاب إلى الله تعالى توبةً نصوحة، وعلِمَ أنَّ سنواتٍ عِدَّة ما أدَّى الزكاة، كَوْنُهُ تاب الآن لا يُعفيه مِن أداء الزكاة عن السَّنوات السابقة.
 شيءٌ آخر في الزكاة وهو أنَّه يوجد من يَفِرُّ من الزَّكاة، وهذا من الكبائر، كأن يعمل حِيلةً شرْعيَّة، فقد سَمِعتُ أنَّه كان هناك من يضَعُ زكاة ماله في رغيف خُبز و يعطيه لإنسانٍ فقير، ثمَّ يعود إلى الفقير في نفس اللَّحظة ويطلب منه أن يشتريه منه بِمبلغ أكثر من الخبز!! فهذه الحِيَل لا يفعلها إنسان فيه ذرَّة من عَقل.
 إذا كان المال مشتركًا بين شريكين أو أكثر، لا تَجِبُ الزكاة على واحدٍ منهم حتَّى يكون لكلّ واحِدٍ منهم نِصابٌ كامِل، فلو كان لاثنين عشرة آلاف ليرة فليس عليهما زكاة، مع أنَّ المبلغ في حُدود الزكاة، ولكن لأنَّ نصيبَ كُلِّ منهما خمسة آلاف، والخمسة آلاف دون النِّصاب المُقرَّر فلا تجِبُ فيهما الزكاة، أما لو جَمعْت مال الشّريكين، وبلغ نِصاب الزكاة، وكان نصيب كلّ منهما لا يرقى إلى مستوى نِصاب الزكاة فليس عليهما زكاة.

من ضاع منه مبلغ الزكاة لا يُعفى منها لأنَّها في ذِمَّته :

 لو عدَّ الإنسان ماله فوَجَد مثلاً زكاة ماله عشرة آلاف، وهذه الحالة وقَعَت فأحدهم كانت له زكاة عشرة آلاف فضاعَتْ منه في الطريق، فقال العلماء: لو عزل الزكاة لِيَدْفعَها لِمُستحقِّيها فضاعتْ كلّها أو بعضها فعليه إعادتها، فلو كان على إنسان ما دَفْعُ سَنَدٍ، وتوجَّه إلى محلّ تِجاري، وبالطريق سُرِقَ منه هذا المبلغ فهل يُعفيه صاحبُ المبلغ من دفعِهِ؟! أما لو ضاع في يد الدافع فالمبلغ يجب أن يُعاد دَفْعُهُ مرَّةً ثانيَة، فهو لا يُعفى منها لأنَّها في ذِمَّته حتى يوصلها إلى من أمره الله بإيصالها إليه.

هلاك المال بعد وُجوب الزكاة وقبل الأداء :

 فلو أنَّ لإنسان ما محلاً، جرد بِضاعته، وحَسِب رأس ماله، وعليه ألف وخمسمئة زكاةً، فاحْترَقَ المحلّ، إذا استقرّ وجود الزكاة بِأن حال عليه الحَول، أو حان حصادُهُ، وتلِفَ المال قبل أداء زكاته أو تلِفَ بعضهُ فالزكاة كلُّها واجبة في ذِمَّة صاحب المال سواءٌ أكان التَّلَف بِتَفريطٍ منه أو بِغَير تفريط، ومعنى هذا أنَّ الزكاة واجِبةٌ في الذِمّة، وهو رأي ابن حزم والإمام أحمد، ويرى أبو حنيفة أنَّه إذا تلف المال كلّه من دون تعدٍّ من صاحبه سقطَت الزكاة وإن سقط بعضهُ سَقَطت حِصّتُهُ بناءً على تعلّق الزكاة بِعَين المال، وإن حصل بِتَعَدٍّ منه فالزكاة لا تسقط، فإذا كان احتراق المحلّ ناتِجٌ عن الإهمال فالزكاة لا تسقط، أما إن كان الحريق عن قضاء وقدر فالزكاة تسقط، وهذا موضوع دقيق، وهو يُعيننا بِمَوضوعات كثيرة، فلو أنَّ واحدًا أعطاكَ أمانةً، وأنت وضعتها في صندوقك الحديديّ مع مالك، سمَّاهُ الفقهاء في حِرْز مثله، وجاء لِصٌّ وسرق الصندوق بِكامِلِه أنت لسْتَ ضامِنًا، فإذا وضَعْتَ هذا المال على الطاولة ومالك في الصندوق الحديدي، وجاء لصّ فسرق ما في الدُّرج يَجِبُ أن تردّ هذه الأمانة، وهي دَينٌ عليك، وهذا ينطبق على الاستثمار، فمثلاً لو أنَّ شَخصًا دفَعَ لك مبلغ استِثمار، فحصلَ خسارة، فإن كانت هذه الخسارة بِعُدوانٍ أو تقصير فأنت ضامِن، أما إن لم تكن بِعُدوانٍ أو تقصير فلسْتَ بِضامِن، وأحيانًا يكون مع الاستثمار شَرط، فهذا الموضوع مهمّ جدًّا إن كان في الأمانة أو العارية أو الاستثمار أو المضاربة، إذا كان هناك تقصير أو عُدوان فالمُقصِّر والمعتدي يضْمن، وإن لم يكن هناك تقصير فلا ضمان في ذلك.
 الآن عندنا رأي دقيق جدًّاً، قال: إذا تلِفَ المال بعد أن تسْتحِقَّ الزكاة وقبل أدائِها فالزكاة تسقط بِتلف المال، وهو رأي آخر، وهذا إذا لم يُفرَّط في الأداء، ومعنى التفريط في الأداء التأخير في الدَّفع، أنت عَزَلتَ مبلغًا للزكاة، وتماهلْتَ بِدَفعِهِ إلى أن تلِفَ المال، ولكنَّك لو دفعْتهُ في الوقت المناسب لما اضطررْت إلى دفعِهِ مرَّة ثانية، فإذا كان هناك تقصير أو تفريط في نقل الزكاة إلى مُستحِقِّيها يَجِبُ عليك أن تَدفَعَ الزكاة مرَّةً ثانيَة وهناك موضوعات أخرى سوف نُعالجها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018