بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الزكاة - الدرس : 05 - زكاة الزروع والثمار .


1986-07-06

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

زكاة التجارة :

 أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي إلى زكاة التجارة، وكُنّا قد تحدَّثنا عن زكاة النّقدَين الذَّهب والفضّة، وعن زكاة الدَّيْن، وزكاة الحليّ، وزكاة صَدَاق المرأة، وزكاة أُجور الدور المؤجَّرة، واليوم إلى زكاة التِّجارة.
فقد ذَهَب جماهير العلماء من الصَّحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الفقهاء إلى وُجوب الزكاة في عروض التِّجارة، أي البِضاعة، وهذا في أيّة بِضاعةٍ كانت، مواد معْدَنِيَّة، أو خشَب، أو ملبوسات وأقمشة، أو مواد غِذائيَّة، فأيّة تجارة لا بدّ لها من بِضاعة، هذه البِضاعة عليها زكاة لما رواه أبو داود والبيهقي عن سمرة بن الجندب أنَّه قال أنَّ:

((النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمرنا أن نُخْرج الصَّدقة من الذي نُعِدُّه للبيع...))

[رواه أبو داود والبيهقي عن سمرة بن الجندب]

 فالبِضاعة التي تُعِدُّها للبيع يجب أن تُخرج عليها الزكاة، وكما قلتُ قبل قليل؛ أيَّةُ مادَّة مُعَدَّة للبيع، كالمواد الغذائية، أو ملبوسات جاهزة، أو مواد تزيينيَّة؛ حديد أو إسمنت:

(( في الإبل صدقتها، وفي الغنم صَدَقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البذّ صَدَقَتُهُ...))

[البيهقي عن أبي ذر]

 البذّ بعضهم قال: القِماش، وبعضهم قال: متاع البيت، وعن أبي عمرو عن أبيه أنَّه قال: "كنتُ أبيعُ الأُدُم و الجِعاب فمرَّ بي عمر بن الخطاب فقال: أدِّ صدقة مالك، فقلتُ: يا أمير المؤمنين إنما هو الأُدم؟ فقال رضي الله عنه: قَوِّمْهُ ثمّ أخْرِج صدقته" الإدام هو الجلد، والجِعاب الجِفان والأواني المستخدمة في الطبخ، وفي المنار أنَّ جمهور العلماء يقولون بِوُجوب زكاة عروض التِّجارة، وليس فيها نصّ قَطعي من الكتاب أو السنَّة، وإنَّما وردَ فيها روايات يُقَوِّي بعضها بعضًا، فَعُروض التِّجارة المتداولة للاستغلال نُقود، ألم يمرّ معنا في قصَّة سيّدنا يوسف، قوله تعالى:

﴿ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة يوسف: 62 ]

 بِضاعتهم أي نقودهم فالبِضاعة نَقْد، لماذا هي نقد؟ لأنّه يُمكن تَحويلها إلى نقْد تبيعها فتأخذ ثمنها نقْدًا، ولا فرق بينها وبين الدنانير التي هي أثمانها، فإذا كان للواحد مئة متر خشَب والمتر ثمنه يقدر بسبعة وعشرين ألفاً، فهذا يستطيع أن يبيع هذا الخشب، ويأخذ محلّه نقداً، ولو كانت عنده مواد غِذائيَّة مخزَّنة في البراد ممكن أن يبيعها ويقْبض ثمنها، فلا فرق عند جمهور العلماء بين البِضاعة وبين النَّقد إلا في كَون النِّصاب يتقلَّب ويتردَّد بين الثَّمَن وهو النَّقْد، وبين المُثَمَّن وهو البِضاعة، فلو كان لشَخص عشرة آلاف ليرة، فإما أن تكون مواد أوَّليَّة كالخشب أو النحاس أو الحديد أو الخيوط أو قماش، وإما أن تكون دراهم، وعمليَّات التِّجارة هي عمليات تحويل الدراهم إلى بضاعة، والبضاعة إلى دراهم، فلو لاحظْت نشاط التاجر، تجد له بِضاعة قبض ثمنها، واشترى أخرى، فنشاط التاجر تَحويل الأثمان إلى عروض، والعروض إلى أثمان، فالعروض والأثمان في النِّهاية في تَقويم إمكانات التاجر هي شيء واحد، فَحَجم الإنسان المالي لا فرْق بين أن يكون ماله بِضاعةً، وبين أن يكون نقْدًا، ففي الزكاة علينا أن نأخذ حجْم الإنسان المالي، وكلهم من زاوية واحدة، ولكن لو كان للإنسان مثلاً قماشاً انتهى رواجُهُ، فإذا أراد تَقويم هذا القماش عليه أن يُقوِّمه بالسِّعر الذي يستهلّه فإذا اشتراه بِثلاثين، ولم يُحصِّل فيه أثناء بيعه إلا عشرين، عليه أن يُقوِّمه بالعشرين، فالتَّقويم لا بشِرائِهِ، ولكن بِثَمن بيْعِهِ الحالي، فما دام التقويم صحيحًا فقلْبُهُ إلى المال سَهلٌ، فلو أنَّني اشتريْتُ هذه القِطعة بِثلاثمئة وثمنها الآن مئة، ولي منها عشر قِطع، عشر ضرْب مئة، فَعَمليَّة التقويم لا بدّ أن تكون حقيقيّة وليْسَت مُفْتعلة.

الزكاة في أموال الأغنياء لِمُواساة الفقراء :

 هناك نقطة دقيقة، قال: لو لم تَجِب الزكاة في التِّجارة لأمْكَنَ لجَميع الأغنياء أن يتَّجِروا بِنُقودِهم، ويتَحَرَّوا ألا يحولَ عليها الحَوْل، وهي نَقدٌ، فلو أنَّ تاجِر خيوط مثلاً، دائمًا عملته خيوط، ولا يملك النَّقد، فهل نقول: لا زكاة عليه؟! فلو أنَّه قيل: لا تَجِبُ في العروض الزكاة لأسقطنا الزكاة! ومن علامات نجاح التجار تَجِدُ صندوقه فارغاً، ومستودعُه مملوءاً لأنّه إذا الصندوق مملوء، والمستودع فارغ، هذا لا يُنمِّي مال التاجر، فدائمًا التاجر له مصلحة أن يكون حجمه المالي بِضاعة، لأنَّ البِضاعة مطلوبة، وقد يرتفعُ ثمنها، إذًا لو قلنا: لا زكاة في عُروض التِّجارة لأسقطنا فرْض الزكاة، لأنَّه من السَّهل جدًّاً أن يُحَوِّل الإنسان ماله إلى بضاعة، والمسألة أنّ الله تعالى فرَضَ في أموال الأغنياء صدَقةً لِمُواساة الفقراء، ومن في معناهم، لإقامة المصالح العامة، وأنّ الفائدة في ذلك للأغنياء، تَطهير أنفسهم من رذيلة البُخل، وتَزْكيتها بِفَضائل الرحمة للفقراء، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة الحشر : 7]

 أعداء الإسلام يقولون: إنَّ الإسلام بِفرْض الزكاة رسَّخ الفقْر في المجتمع! وهذا كلام شيطاني، فلا بدّ أن يكون في المجتمعات طبقات فقيرة، وهذا واقِع، ولكنّ الفقير ليس مأمورًا أن يبقى فقيرًا، فَتَحْسين المعيشة فرْض على المسلم، فقد قال عمر بن الخطاب لأُناسٍ فقراء: من أنتم؟ فقالوا: نحن مُتَوَكِّلون! فقال: كذَبْتُم، المُتَوَكِّل من ألقى حَبلاً في الأرض ثمَّ توكَّل على الله تعالى، أما الذي يتجاوَز سِنّ العمل، وليس له ولد، وضَعُف جِسمهُ، وأُصيبَ بِمَرضٍ عُضال، تأتي الزكاة لِتَحُلّ له المشكلة، أما أن نسْمحَ للفقير الشاب النشيط أن يبقى فقيرًا هذا ما قال به أحد.

متى تصير العروض للتِّجارة ؟

 الآن، متى تصير العروض للتِّجارة، فلو وجد إنسانٌ سجادًّا مُناسبًا جدًّاً، وهو تاجِر سجَّاد، فوضَع هذه السجاد الفخمة في غرفة الضُّيوف، وكان ثمنها غالٍ جدًّا، أفعَليها زكاة؟ قال العلماء: تصير العروض للتِّجارة لما:
 أوَّلاً: أن يمْلك المسلم هذا المال، فقبل أن يملِكَهُ لا زكاة فيه، يملكُه بالبيع أو الشراء وفي النِّكاح مُلْك، فقد تملك المرأة مهرها بالنِّكاح، وفي الخلع يملك بعض ما أعطاه الرجل للمرأة، والهِبة، والوصيَّة، والغنيمة، والتجارة، والصناعة، والزراعة، فإذا تملَّكْت المال وَجَبت فيه الزكاة.
 الشرط الثاني: أن يَنْوي عند تَمَلُّكِه أنَّه للتِّجارة، فلو أنّ تاجِر سجَّاد اشترى سجادًا بنِيَّة بيْعِهِ بِثَمن أغلى، هذه عليها زكاة، ولكن لو اشتراها لغُرفة الضيوف عنده كي يُزيّن بها بيته فهذه لا زكاة عليها.

من ملكَ قدْر نِصابٍ حال عليه الحَول فزكاته نهاية الحول :

 ومن ملكَ مِن عُروض التِّجارة قدْر نِصابٍ حال عليه الحَول قوَّمَهُ آخر الحَول، نحن اتَّفقنا كرَقم تقريبي عشرة آلاف، فالذي عنده بِضاعة بِعَشرة آلاف، كأن يكون عنده قماش، هذه عليها زكاة، يُقوِّمها آخر الحَول ويُخرج زكاته، وهو رُبْعُ عُشر قيمته، أي اثنان ونصف بالمئة، وهكذا يفعل التاجر في تِجارته كلّ حَول، وقد أصبح للتاجر أساليب معيَّنة، فأوَّلاً يُقيمُ جردًا لِبِضاعته، وثانياً يُقوِّمها بِسِعر السوق، بالسِّعر الحالي، فقد يكون السِّعر الحالي أغلى من ثمن شِرائِها، أي هناك شيء اسمُه القيمة، وشيء اسمُهُ الثَّمَن، فأحيانًا تبيع هذا الكأس بِليرة، نقول اللَّيرة ثمنها، أما قيمتها فخمس ليرات، فالقيمة ما تُقوَّم به البِضاعة، أما الثَّمَن كأن تبيعها لإنسان ولم تُرِد أخذ ثمنها، فحلَف يمينًا مُعظَّمًا فقلتُ ليرة، فالقيمة ما تُقوَّم به البِضاعة، أما الثَّمَن فالمبلغ الذي دُفِع عِوضًا عنها، فالإنسان يعمل جردًا دقيقًا، وإن لم يُدقّق فإنّه مُؤاخَذ، إلا أن يكون اشترى بِضاعة بِمئة ألف وثمنها الآن مئتا ألف، وقد تكون هذه القيمة أعلى من ثمن الشراء أو أقلّ منها، ويُضيف إلى ثمن البضاعة موجوداته النَّقديَّة الموجودة في الصندوق، ويُضيف إليها أوراقه الماليّة من الشيكات والسندات وديونه الدَّفتريَّة، وثَمَن البِضاعة التي لا تزال في الطريق ونبحث فيما علينا، وفي النهاية يكون هناك رقم نضربه باثنين ونصف بالمئة، وهذا هو مِقدار الزكاة.

جواز دفع الزكاة قبل وقتها :

 قلتُ لكم في رمضان أنَّ الإنسان الأولى له أن يدفعَ من أوَّل شوَّال دفعات على حِساب الزكاة، كأن يسمع عن امرأة أرملة فَيُساعدها، أو طالب مسافر، أو طالب لا يستطيع أن يُتابِع دراسته الجامعيَّة، فكلَّما يسمع بِجِهةٍ يدفع، وفي آخر السَّنة يَجمع المدفوعات على حِساب الزكاة مقدَّمًا، ويُجري الجرد والرقم النهائي يضربه باثنين ونصف بالمئة، فلو فرضنا أنَّ المبيع ثمانية وعشرون ألفًا، وهو دَفَع خِلال السنَّة خمسة وعشرين ألفًا، باقي للدَّفع ثلاثة آلاف، لذا الفقهاء أوْجَبوا دفعَ الزكاة في وقتها، لكنَّهم سَمَحوا أن تُدْفَعَ الزكاة قبل وقتها فهذه خِطَّة مُحْكمة يُطبِّقها أُناسٌ كثيرون مِمَّن هداهم الله إلى طريق الحق.
 وفي درسٍ قادم إن شاء نتحدَّث عن زكاة الزروع والثمار، وبعدها عن زكاة الحيوانات، وبعدها نتحدَّث عن زكاة الرِّكاز أي الثَّروات الباطنيَّة في الأرض، وهذه زكاتها عشرون بالمئة، فآبار البترول في العالم الإسلامي هذه بِحَسب الشَّرع هي مِن حقِّ المسلمين جميعًا، فالمسلمون يستحِقُّون عشرين بالمئة من أثمان البترول في حقول البترول في البلاد الإسلاميَّة فالمساعدات التي تأتي هي من الحقوق وليس من الصَّدَقات، وهذا موضوع متعلِّق بِزَكاة الرِّكاز.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018