بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الزكاة - الدرس : 16 - الزكاة وما يتعلق بها.


1992-03-15

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقًّا و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

معاني الزكاة :

 أيها الأخوة الأكارم، الموضوع الأكثر أهمية في رمضان هو موضوع الزكاة، لأن الزكاة فرضٌ من فروض الإسلام، و كلكم يعلم أن معنى الزكاة هو الطهارة و النماء، فالزكاة تطهِّر الغنيًَّ من الشُّح، و الفقير من الحقد، و المال من تعلُّق حق الغير به، وتنمو بالزكاة نفسُ الغني، و يشعر بعطائه و آثار عمله في المجتمع، و تنمو في الزكاة نفس الفقير فيشعر أن المجتمع قد كفله، و ينمو في الزكاة المالُ نفسُه ففي الزكاة ستُّة معاني؛ تطهيرُ نفس الغني و الفقير و المال، و تنمية نفس الغني و الفقير و المال، هذه هو المعنى اللغوي لكن المعنى الشرعي بالذات التعريف الدقيق للزكاة: تمليكُ جزء مالٍ عيَّنه الشارعُ لمسلم فقير غير هاشميٍّ لله تعالى مع قطع المنفعة عن المملِّك من كل وجه، هذه التعريف يحتاج إلى تفسير، قال: التمليك شيء و الإباحة شيء آخر، لو صنعت طعاماً و جاءك فقيرٌ أبحت له أن يأكل هذا إباحة، أما التمليك فأن تعطيه ما لا يتملَّكه و يصبح له حقُّ التصرُّف فيه، فلئلا يُفهم من الزكاة معنى الإباحة، أبَحت لإنسان أن يسكن هذا البيت، الزكاة تمليك مال، أي هذا المال يجب أن يُملك للفقير، تمليك مال، أو تمليك جزء مال، جزء من مال الغني، لذلك لا تُعد المنفعة مالاً، البيت يُملك، تملك رقبته أما أن تُملك منفعته فالمنفعة ليست مالاً يمكن التصرف فيه، لكن المنفعة لا بد أن تُستهلك، لا يمكن التصرف فيها، إذًا تمليك جزء مال عيَّنه الشارع، وهو الذي سوف نصل إليه، كلُّ مال له نصاب وكل نصاب له نسبة تُعطى فيها الزكاة لمسلم فقير.

من لا تحل له الزكاة :

 لا تصحُّ الزكاةُ لا لكافر و لا لغني و لا لبني هاشم، هؤلاء لا تُرد الزكاة عليهم، لأن النبي عليه الصلاة و السلام قال:

(( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَام وَالْعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا أَرْضَهُ مِنْ فَدَكٍ وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ وَاللَّهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ]

 هذه الزكاة لا تصح لبني هاشم، لكن بعض الفقهاء قال: إن بديل الزكاة هو خمس الخمس، فلو لم يُعطَ بنو هاشم بديل الزكاة صحَّت عليهم الزكاة، هذا رأي من آراء الفقهاء، لكن دعونا من بني هاشم مؤقَّتاً، لا تصح الزكاةُ لغني و لا لغير مسلم، يجب أن يكون مسلماً فقيراً، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

الزكاة باطلة إن جاءت منفعة منها :

 لكن قطع المنفعة هذا الشيء مهم جداً، أي أنا حينما أعطي زكاة مالي و أوفِّر النفقة، أي لو أعطيت ابني زكاة مالي أنا عليَّ أن أنفق عليه، فإذا أدَّيت زكاة مالي لابني وفَّرت في النفقة، جاءتني منفعة من هذه الزكاة، فحيثما جاءت المنفعة من الزكاة فالزكاة باطلة، يجب أن تُقطع المنفعةُ كلَّياً عن المزكِّي، لذلك لا تجوز الزكاة لا للأصول و لا للفروع و لا للزوجة، لكن الزوجة في إعطاء زكاة مالها لزوجها قضية خلافية، بعضهم يرى أنه ليس عليها أن تنفق عليه لذلك يجوز أن تعطي الزوجةُ زكاة مالها لزوجها الفقير، و بعضهم قال: إن أعطته زكاة مالها عاد عليها بالنفع، فاشترى طعاماً و شراباً و كساء فعادت عليها هذه المنفعة، على كلٍّ الضابط لهذا الموضوع أنك إذا دفعت زكاة مالك لإنسان فوفَّرت في هذه الزكاة من نفقاتك، هذه الزكاة باطلة، لو فرضنا إنساناً يجوز أن يعطي زكاة ماله لأخيه أو أخته الفقيرة أو الفقير لو أن أخته في رعايته و هذه في البيت وهو مكلَّف أن ينفق عليها فإذا أدَّى إليها زكاة ماله فقد وفَّر في نفقته، إذًا عادت المنفعة إليه، فالضابط في هذا الموضوع أن تنقطع منفعتُك من هذا المال، مادام هذا المال له منفعة فالزكاة فيها شبهة، قطع المنفعة عن المملِّك، لذلك لا تجوز الزكاةُ لا للأصول مهما علوا و لا للفروع مهما دنوا و لا للزوجة، و لا للأقارب الذين أنت مكلَّف بالإنفاق عليهم، فإذا دفعت الزكاة إليهم فقد وفَرت إنفاقك عليهم.

الزكاة لله تعالى :

 و لله تعالى، أي الزكاة يجب أن تكون خالصةً لله عز وجل، أما أنها فرض فشيء ثابت بالكتاب و السنة، قال تعالى:

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾

[سورة البقرة: 43]

 وقال عليه الصلاة و السلام:

(( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ))

[البخاري عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

 و الزكاة فُرِضت في السنة الثانية للهجرة قبل فرض رمضان، قد قُرنت الصلاة و الزكاة في اثنتين و ثمانين موضعاً في كتاب الله عز وجل، و هي ركنٌ من أركان الإسلام و من أنكرها فقد كفر، و من منعها يقاتَل هذا الحكم الشرعي.

 

من مات و لم يدفع زكاة ماله تؤخذ من الوصية :

 من مات و عليه زكاة ماله لا ينبغي أن تُؤخذ هذه الزكاة من تركته، لأن هذه التركة أصبحت ملكاً للورثة، و لكن إذا وصَّى يمكن أن تؤخذ من وصيته لا من تركته، أما إذا تبرع الورثة ليمكِّنوا المتوفَّى من أداء زكاة ماله التي هي دين لله عز وجل فهذا يجوز، أحكام دقيقة، لو الورثة تبرَّعوا، لو أن أباهم توفي و لم يؤدِّ زكاة ماله و اجتمع الورثة و قالوا: يجب أن ندفع الزكاة من مال أبينا إحقاقا لهذا الدَّين المستحق عليه لله تعالى، إذا أجاز الورثة جاز أن يدفع زكاة مال هذا المتوفَّى من ماله أما إذا لم يجيزوا فلا تُدفع إلا من الوصية.

شروط وجوب الزكاة :

 في الحقيقة من شروط وجوب الزكاة الإسلام، فلا تجب الزكاة على غير المسلم، لا الكافر و لا المرتد، و من شروط وجوب الزكاة العقل، فالمجنون غير مكلَّف بأداء الزكاة، و من شروط وجوب الزكاة البلوغ فلا تجب الزكاة على مال الصبي، و هذا موضوع خلافي، بعضهم قال: إذا كنا نتَّجر بهذا المال، و لهذا المال ريعٌ تجب فيه الزكاة و بعضهم قال: إذا كان هذا المال مجمَّداً لا تجب فيه الزكاة، و بعضهم قال: إن كل النفقات و الغرامات تُدفع من مال اليتيم الصغير لتعلُّق حق الغير بهذا المال، أما أن تجب عليه زكاة ماله فهو ليس مكلفاً، و الزكاة موجَّهة إلى المكلفين المسلمين، و لم تُوجَّه إلى أصحاب الأموال من غير البالغين.
 و الحريةُ أيضا شرط من شروط وجوب الزكاة، فلا تجب الزكاة على العبد، إذًا الإسلام و العقل و البلوغ و الحرية، مسلم بالغ عاقل حر، الآن يجب أن يكون مالكاً للنصاب.

نصاب الزكاة :

 نصاب الزكاة الحدُّ الأدنى الذي تجب فيه الزكاة، و كل عام تُجرى حسابات دقيقة في موضوع الفضة و الذهب من حيث الثمن، الفضة و الذهب بالعملة النقدية الورقية المتداولة، تقريبا في الزكاة سبعة آلاف ليرة تجب فيها الزكاة على أساس الفضة، و في الذهب تجب الزكاة فيما فوق الأربعين ألف ليرة سورية، أما السعر بدقة أبلِّغكم إياه في درس قادم إن شاء الله تعالى بحسب أسعار الذهب والفضة الرائجة في أيام رمضان.
 على كلٍّ تجب الزكاة في النصاب الأقل رعاية لصالح الفقير، أي كلُّ ما زاد على حاجاتك الأساسية فهو نصاب تجب فيه الزكاة، حدُّه الأدنى سبعة آلاف، و هناك رأي، و هذا الرأي يعجب الإنسان هو أنه كل ما زاد من حاجاتك الأساسية ادفع عنه زكاة مالك، في الأربعين واحد صار خمس النصاب يُدفع عنه وحدة من وحدات هذا النصاب.
 هذه الشروط متعلِّقة بالمزكِّي، الإسلام و العقل و البلوغ و الحرية و ملك النصاب، النصاب الآن النصاب الغالب العملة الورقية، لو معك ذهب له نصاب، لو معك فضة لها نصاب، لو معك عملة هي بديلة الذهب و الفضة، إذًا نحدِّد قيمة الذهب و الفضة و نحوِّلها إلى العملة الورقية، تقريباً كما قلت قبل قليل: الفضة سبعة آلاف و الذهب فوق الأربعين ألفاً، في دفع الزكاة للفقراء لا ينبغي أن تعطي الفقير أكثر من نصاب، العلماء رجَّحوا نصاب الذهب، حتى الأربعين ألفاً، أما في وجوب الزكاة فالأولى أن تجب الزكاة لا على نصاب الذهب بل على نصاب الفضة، و الأكمل ما زاد عن حاجاتك الأساسية ادفع عنه عن كل أربعين واحداً.

الشروط المتعلقة بالمال نفسه :

 الآن الشروط المتعلقة بالمال نفسه، قال: يجب أن يكون الملكُ تامًّاً، عندنا ملك ناقص، لك مع إنسان دين، و هذا الدين ليس في يدك، فهذا الدين ليس ملكاً تاماً، ملكاً ناقصاً، فالعلماء قالوا: لا تجب الزكاة لا في المال المفقود، و لا في المال المغصوب، و لا في المال المدفون الذي لا يُعرف مكانه، و لا في المال المُستملك من قِبَل الدولة، مال مستملَك، مصادر، مغصوب، مفقود، مدفون في مكان ليس معروفاً فيه، هذا المال ملكيته ليست تامة فالمال المستملك ربما أعيدت هذه الأرض إلى صاحبها، أو أُعيد هذا المالُ المستملك إلى صاحبه، عندما يعاد تجب فيه الزكاة، فالمفقود و المغصوب و المدفون و المستملَك ملكية هذا المال ليست ملكية تامة، إذًا لا تجب فيها الزكاة، لحديث علي: "لا زكاة في مال الضمار".
 مال الضمار المال المخبأ أو المدفون أو المغصوب أو المفقود أو المغصوب كما قلت قبل قليل.

أحكام الدّين :

 الدَّين له أحكام خاصة، هناك دين ضعيف، و هناك دين متوسِّط، و هناك دين قوي، الدين الضعيف الذي جحده المدينُ، ليس لك عندي شيء، أنت أعطيتني مئة ألف و ليس معك وثيقة، لا إيصال، و لا سند، و هذا المدين جحد هذا الدين، فهذا دينٌ ضعيف لا تجب فيه الزكاة في رأي الفقهاء، و لكن الدين المتوسط، الدين معترفٌ به، لكن تحصيله صعب، فصاحب الدين حينما يقبض الدين يدفع زكاة هذا الدين عن السنوات السابقة، أو حينما يقبض خمس النصاب من هذا الدين مثلاً الزكاة أربعون ألفاً، أعطاه دفعة ثمانية آلاف، ثمانية آلاف خمس النصاب، عليها، الأربعون كم خمسها؟ خمسة في ثمانية، أربعون خمس النصاب عليه مئتا ليرة تقريباً، فحينما تستردُّ خمس النصاب تدفع زكاة المال، و هكذا، لكن الدّين القوي كقرض ثابت محقَّق الدفع هذا تجب فيه الزكاة قولاً واحداً، فإذا كان معك مالٌ من جنس هذا الدين يجب أن تؤدِّي زكاة مالك و لو لم يُؤدَّ الدينُ بعد، فعندنا دين قوي، و دين متوسِّط، و دين ضعيف، الضعيف لا زكاة فيه، و المتوسط حين قبضه، و القوي تدفعه زكاة هذا الدين من مال آخر متوافر بين يديك.
 الآن لو أن معك مالاً، و عندك دين، عندك في المحل التجاري بضاعة قيمتها مئة ألف ليرة، لكن عليك بعض ثمنها للتجار، عليك أربعون ألف ليرة دين لتجار أصحاب هذه البضاعة، فبشكل طبيعي جداً يمكن أن تطرح هذا الديّن من قيمة البضاعة و تؤدَّي زكاة مال التفاضل بين الموجود و بين المبلغ المدين.
 الدين المانع للزكاة له شروط، الدين الذي يمنع الزكاة أو الذي يخصم من الزكاة له شروط، الدين الذي له مطالب، أي إنسان يطالبك بهذا الدين، بل إن الزكاة ما دام الإمام يطالب المسلم بزكاة ماله فالزكاة تُعدُّ ديناً يسقط جزءًا من قيمة النصاب، إذًا الدين الذي له مطالب من قِبَل الله عز وجل عن طريق الإمام أو من قِبل العباد، هذا الدين يُطرَح من أصل المال، يؤدي عن المتبقِّي، إنسان مثلا عمل جردًا، و عليه زكاة عشرون ألف لم يؤدِّها في العام القادم عمل جرداً من حقِّه أن يطرح زكاة ماله التي لم تُدفع من أصل المال المجرود لأن زكاة المال دينٌ هناك من يطالبك به، وهو الإمام، أما الديون الأخرى من قِبل العباد فهذه قطعاً تُسقَط من حساب جرد الأموال.

الزكاة في الأموال النامية أما الأموال المستهلكة فلا زكاة لها :

 النصاب في الأصل يجب أن يكون زائدا عن حوائجك الأصلية، مثلا سبعة آلاف لو أنت بحاجة إلى طعام، أو شراب، الحاجة الأساسية الطعام و الشراب و الكساء و المأوى و أثاث البيت و محل العمل و أدوات الحرفة و المركوب، هذه الحاجات الأساسية؛ طعام و شراب و لباس ومأوى و مكان عمل و آلات حرفة و أداة نقل، هذه كلها الحاجات الأساسية، المال الذي يفيض عن هذه الحاجات الأساسية إذا بلغ سبعة آلاف فهو نصاب على أساس الفضة، إذا بلغ أربعين ألفاً فهو نصاب على أساس الذهب، لكن دائماً هناك نقطة و أتمنى على الله عز وجل أن تكون واضحةً، أي الخطأ مع الله صواب، لو أنك دفعتَ أكثر مما عليك، لو أن دفعت زكاة مالك على أساس الفضة لا على أساس الذهب فأنت الرابحُ، إذا أخطأت في الدفع مع الله عز وجل فأنت الرابح دائماً في الزكاة، أنا قلت لكم قصةً سمعتها من ثلاث جهات، و هذا السماع من جهات متعدِّدة يكسبها درجة التواتر، القصة أن أحد أهل الصناعة في هذه البلدة افتتحوا مصنعاً لهم في لبنان، و في منطقة تفجَّرت فيها الحروبُ الأهلية، لكن هؤلاء ألِفوا طريقة في دفع الزكاة، فوق الطريقة التي نظمها الشرع، أي الشرع أعفاك من دفع زكاة البيت المسكون، أعفاك من دفع زكاة الأرض المزروعة، أعفاك من دفع زكاة الأثاث الذي في البيت، أعفاك من دفع ثمن أدوات الحرفة، أعفاك من دفع زكاة ثمن المركبة التي تركبها، لكن هؤلاء - و أنا أعرفهم، أحد أبنائهم كان من تلامذتي - و حدَّثني عنهم أشخاصٌ موثقون، كل عام يجمعون كلَّ ممتلكاتهم المنقولة و غير المنقولة بما فيها أثاث البيوت، بما فيها الثريات و السجاد، ثمن السيارات و ثمن الأراضي ، ثمن المعمل و يؤدُّون زكاة عن كل ذلك، طبعاً هذا تبرُّع، و قلت لكم قبل قليل: الشارع الحكيم أعفى الإنسان من المستهلَكات، أي أنت تسكن بيتاً أخذته بأربعين ألفاً و قيمته الآن أربعة ملايين، فلا زكاة عليه مادام مستهلكاً تسكنه، هذا مال غير نامٍ، بدقة المال النامي هو المال الذي يمكن أن تربح منه، مثلاً هذه الناقة ولدت، وهذه الفرس ولدت، وهذه الماشية خلال العام ولدت أي عدد كبير، و أوضح نموٍّ نموُّ الماشية عندك قطيع غنم ألف رأس، أصبحوا ألفاً و ثلاثمئة، هذا هو النمو، فكل شيء ينمو، و عروض التجارة تنمو، يقال لك: و الله كان الكيلو بثمانين فصار بمئة و ثلاثين، كان الكيلو بكذا ألف فصار بخمسة آلاف، أنا أسمع دائماّ أن أسعار المواد تنمو، فعروض التجارة تنمو بشكل طبيعي، كلما كثر الطلب عليها ارتفع سعرُها، فقد تشتري حاجةً تضعها في المستودع، و بعد عام ترى أنه قد تضاعف سعرُها، فعروض التجارة أموال نامية، و أيُّ شيء ينمو يجب أن تدفع زكاته، لكن الشيء الذي لا ينمو المستهلكات، هذا النمو نموٌّ خُلَّبي، أخي و الله أخذت البيت بأربعين فصار بثمانية ملايين، هذا النمو نموٌّ خلَّبي، هل بإمكانك أن تسكن في الطريق؟ هل بإمكانك أن تبيع هذا البيت و أن تسكن في الطريق؟ فحكمة الشارع الحكيم أنه أوجب الزكاة في الأموال النامية أما الأموال المستهلكة فهذه لم يوجب فيها الزكاة، كما قلت قبل قليل: البيت و الأثاث و مكان العمل و أدوات الحرفة و الأرض المستهلكة في الزراعة و المركبة، هناك أناس اشتروا سيارة من الدولة بمئة ألف الآن قيمتها مليون ونصف، هل بإمكانه أن يتخلَّى عنها؟ ليس بإمكانه، جزء من عمله، إذًا المال غير النامي المستهلك المستعمل هذا المال لا تجب فيه الزكاة، و هؤلاء الذين أعرفهم مع أن هذه الأموال التي يحسبونها كل عام معفاةٌ من وجوب الزكاة، كانوا يؤدُّون زكاة ثمنها، الذي حصل أنه في الحرب الأهلية التي جرت في لبنان في العشر سنوات الماضية، هذا المعمل يحتل نصف البناء بالذات، و في القسم الآخر معمل آخر لأناس من دمشق، أصحاب المعملين من دمشق، المعمل الأول تُؤدَّى زكاة الأموال كلها حتى التي أعفى الشرعُ منها، المعمل الثاني أصحابه من عامة الناس، انتهت الحربُ الأهلية في لبنان و المعمل الآخر لم يبق فيه شيء، و القصة لغرابتها تكاد لا تُصدَّق، لم يبق فيه شيء، لا آلات و لا مغاسل و لا حنفيات و لا مفاتيح كهرباء، عاج البناءُ على العظم، و بين المعملين جدار واحد، و المعمل الثاني و الشهود عيان، و أقسموا بالله أن صاحب المعمل فتح باب معمله بعد انتهاء الحرب الأهلية فإذا المعمل كما تركه، بآلاته و الخيوط في أماكنها، كل شيء كما هو عليه لهذا قال عليه الصلاة و السلام:

(( حصنوا أموالكم بالزكاة ))

[الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

(( ما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة ))

[الطبراني عن أبي هريرة]

التدقيق مع الله عز وجل دليل عدم معرفة العبد بربه :

 أنا أردت من هذه القصة أن إذا أخطأت في الحساب مع الله عز وجل فأنت الرابح، لا تدقِّق كثيراً، تتعامل مع خالق الكون و بيده كل شيء، فإذا كانت الزكاة عليّ ثمانية آلاف و سبعمئة و اثنين و ستين ليرة، معك ثماني ليرات؟ شدة، هذا التدقيق مع الله عز وجل دليل عدم معرفة العبد بربه عز وجل.
 أقول لكم كثيراً: لما سألوا رجلاً عارفاً بالله كم الزكاة؟ قال: عندنا العبد وماله لسيده، و يمكن أن أسوق على هذا الموضوع عشرات القصص التي أعرفها و أعرف أصحابها، و كيف حفظ الله لهم مالهم، و نجَّاه من الغريق أو الحرق أو التدمير بفضل ما يؤدُّونه من زكاة أموالهم.
 إذًا أن يكون النصابُ زائداً عن الحوائج الأصلية للإنسان، فكل زيادة تجب فيها الزكاة، و يجب أن يكون النصاب في الأموال التي نصَّ الشارعُ على وجوب الزكاة فيها، هناك أموال لا تجب الزكاة فيها.

الزكاة في علة المحاصيل لا في عينها :

 سأسوق الآن نقطة دقيقة جداً و قد عالجها الفقهاءُ معالجة دقيقة وهي:

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتْ السَّمْرَاءُ قَالَ أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ ))

[البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 قيل: لا تجب الزكاةُ فيما سوى هذه المحاصيل، انظر ميزة العقل هناك نقل و هناك عقل، لماذا أوجب النبي الزكاة في هذه المحاصيل؟ لأنها محاصيل رئيسة، و أساسية، و فيها قوت الشعب، و بيئة النبي عليه الصلاة و السلام هذه المحاصيل الأساسية فيها، لكن نحن الآن عندنا محصول أساسي أيضاً قد يكون مثلا الذرة، و قد يكون العدس، و قد يكون السمسم كما يقولون، شيء أساسي، و الفاكهة أساسية في الحياة، التفاح أساسي، و الحمضيات أساسية، و العسل أساسي، فلذلك العلماء قالوا: هذه المواد الأربع تجب الزكاة لا في عينها بل في علَّتها، ما علَّتها؟ محصول أساسي، إذًا أي محصول أساسي في المستقبل، مثلا مشروع مزرعة كرز، مزرعة أجاص و تفاح بخمسمئة ألف أحياناً، بثمانمئة ألف، بمليون يضمنها، نقول له: أنت معفى من الزكاة؟ لأن كلمة الفريز في الحديث ليست واردة، ليس معقولاً، العلماء قالوا: تجب هذه الزكاة في علتها لا في عينها، إذًا المال معنى مال أي شيء يُنتفع به، شيء يملَّك، أيُّ شيء يملك و يُنتفع به هو مالٌ، إذاً أن يكون النصاب من الأموال التي نصَّ الشارع على وجوب الزكاة فيها.

مرور عام كامل على المال ليكون عليه زكاة :

 الآن حولانُ الحول على جميع أنواع الأموال، و الحقيقة الآن نعالج موضوعاً دقيقاً، أنا أملك خمسين ألفاً بواحد من الشهر الأول، بواحد شوال كانوا معي، بواحد من الشهر الثاني أنفقتُ منهم عشرة آلاف، إذا الزكاة من واحد من الشهر الأول إلى واحد من الشهر الثاني كانت خمسين، ومن واحد من الشهر الثاني إلى واحد من الشهر الثالث نقصوا عشرة، أصبح المبلغ أربعين، من واحد من الشهر الثالث جاءني ثمانون ألفاً، ثمانون فوق الأربعين أصبحوا مئة و عشرين، في واحد من الشهر الخامس دفعت ثمانية آلاف، نقص، هذه غير معقول، أي حسابات تكاد تكون مستحيلة، أفضل طريقة لحساب الزكاة، الزكاة في رمضان، في رمضان اعمل جرداً لكل أموالك، و ادفع عنها الزكاة، رمضان الثاني اعمل جرداً آخر، فيكفي أن تجري حساباً كل عام للممتلكات التي تجب فيها الزكاة، أما أن كل مبلغ يجب أن يمضي على هذا المبلغ عام بكامله، و لكن اندفع منه عشرة آلاف قبل يومين، أضيف له خمسة آلاف، قضية مستحيلة، فالرأي الفقهي المعتمد و السائد و المريح و الأبسط و الأسهل أن تجري جرداً لأموالك في كل عام، و أن تدفع عن هذا الجرد زكاة مالك، و هناك إجراء أقوله لكم دائماً: الإجراء الثاني أخواننا التجار ممن يدفعون زكاة أموالهم أيضا قد تجد صعوبة بالغة في دفع الزكاة لمستحقها في وقت قصير، إلا أن توكِّل بها، لكن أنت بحسب مضي الأيام و الأسابيع و الشهور و الفصول أنت إنسان تعيش في أسرة لك أقرباء، و لك جيران، و لك معارف، و لك أناس يعرفونك، و لك أناس يلجؤون إليك، فإذا فتحت حساب زكاة في دفاترك و كلما جاءك كلُّ من هو مستحق لهذه الزكاة دفعتها له و سجَّلتها في الحساب سلفاً، من حساب زكاة العام القادم، في العام القادم جاء رمضان الآخر و أجريت جرداً لممتلكاتك، عليك زكاة ثمانية عشر ألفاً دفعت ستة عشر على مدار السنة، فعلى مدار السنة قد تدفع الزكاة إلى مستحقها الحقيقي و بكل مناسب و بشكل دقيق، إذًا أولاً و هذه خلاصة التجارب أجرِ جرداً لممتلكاتك كل عام بصرف النظر عن بقائها حولاً أو نقصها عن نصابها أو زيادتها، أجرِ في كل عام و الأولى في رمضان لأن الحول هو الحول الهجري لا الميلادي، أجر في كل عام حسابا لممتلكاتك في رمضان و ادفع عنها الزكاة، و ابدأ بعد رمضان حساباً جديداً من حساب العام القادم، فكلما جاءتك حالةٌ نحتاج إلى مساعدة منها إجراء عملية جراحية، منها مساعدة ليتيم، لأرملة، لمسكين لعاجز، إذا دفعت هذا المال يمكن أن يكون محسوباً من زكاة مالك في العام القادم على شكل دفع مقدَّمة تُحسب من أصل زكاة العام القادم هذا الذي عليه المدار حولان الحول.

الزكاة في القيم و ليس في الأموال :

 أن يكون المالُ نامياً، المال غير النامي ما هو؟ المال المستهلك، المستهلك غير نام، أما المال النامي فهو الذي يزيد، إما يزيد سعرُه أو يزيد حجمه، مثل الماشية يزداد عددها، لكن هناك سؤال دقيق هل العملة الورقية ليست نامية؟ الذهب لا ينمو، طبعاً الذهب حينما أصبح قيمة ثابتة ويقابل على سعر العملة الورقية صار ينمو، أما لو كان الذهب في الأصل للتداول، لا ينمو، نحن عندنا سلعة و عندنا قيمة، المال قيمة، أنت مثلا تشغِّل إنساناً بنقل تراب من مكان لمكان تعطيه مئة ليرة، أنت أعطيته ورقة، و لكن هذه الورقة قيمة تعبه يذهب إلى إنسان آخر يشتري بها طعاماً، هذا الطعام قيمة جمعه و تحصيله و تقديمه للمستهلك، فالأوراق النقدية في الأساس هي رموز لقيم، لقيم ثابتة، فنحن عندنا سلعة و عندنا قيمة، المال لا ينمو فلماذا أوجب فيه الشارعُ الزكاة؟ هذا سؤال، الماشية تنمو، و عروض التجارة تنمو، البيت المعدُّ للتجارة ينمو سعرُه، الأرض المعدَّة للتجارة ينمو سعرُها، المركبة، أنت عندك مركبة تستعملها، و حينما صدر قرار بالاكتتاب على مركبات سجَّلت على مركبة ووُزِّعت هذه المركبة عليك، و في نيتك أن تبيعها بثمن أعلى، نية تجارة، إذًا ينمو سعر هذه المركبة، المركبة تنمو و الأرض تنمو و البيت ينمو و البضاعة تنمو لكن العملة الورقية لا تنمو، فلماذا فرض الشارعُ فيها الزكاةَ؟ من أجل أن تستثمرها، من أجل ألا تخزنها، من أجل ألا تكنزها، من أجل ألا تضع في بيتك مئات الألوف و الشباب يتلوَّون على عمل يعملونه، لذلك أفضل شركة هي شركة المضاربة، المال من إنسان، وهذا المال فائض عن حاجته، أو هو كبير في السن لا يقوى على العمل، أو امرأة أرملة لا تقوى على أن تعمل، أو مال ليتيم ليس في إمكانه أن يستثمر مالَه، انظر كم حالة، إنسان شاب يعمل، و لكن هذا له عمل، طبيب أحياناً له دخل أكبر من مصروفه، عنده مال فائض، أو إنسان كبير في السن ليس بإمكانه أن يعمل، أو امرأة قابعة في بيتها ورثت عن أبيها مالاً و لها زوج و أولاد و هي متفرغة للبيت، أو يتيم له أموال، وهذه الأموال إن أطعمناه منها استهلكناها، كم حالة هناك؟ إنسان عنده مال فائض عن حاجته، أو امرأة، أو عاجز، أو كبير في السن، أو صغير، أو يتيم، يأتي إنسانٌ آخر شاب يملك الخبرة، و النشاط، و الوقت، و الفراغ، و لا يملك المالَ، فإذا اجتمع مالُ هذا مع جهد هذا أنتجا شركة سماها الشرع شركة مضاربة، إنسان بجهده و إنسان بماله، و كان عليه الصلاة و السلام أول شريك مضارب في الإسلام، اتَّجر في مال خديجة رضي الله عنها.
إذًا النقطة الدقيقة في الدرس لماذا أوجب الله الزكاة في القيم و ليس في الأموال؟ طبعا كلمة مال ما يُنتفع به مباشرة، أما الورق و النقد فهذا لا يُؤكل، مثلا كرسي أجلس عليه، سجَّادة أمدُّها في غرفتي، طعام آكله، ثياب ألبسها، مركبة أستعملها، بيت أسكنه، كل ما يُنتفع به مباشرة هذا مالٌ، لكن الأوراق النقدية هل بإمكاني أن أنتفع بها مباشرة؟ تُؤكل، لا تؤكل، هي وسيط، لماذا أوجب الله الزكاة في هذا النقد الذي هو وسيط وهو لا ينمو؟ كما قال الأخ عبد الحكيم: دفعاً لاستثماره و ليعود النفع على الأطراف كلهم في الحياة.

شروط صحة أداء الزكاة :

1 ـ النية :

 بقي علينا شيء واحد، شروط صحة أداء الزكاة، أول شيء: النية، العلماء أجازوا حينما تنوي دفع الزكاة - طبعا النية في القلب، محلها القلب - نويت أن أعطي هذا الإنسان جزءاً من زكاة مالي، لكن أحياناً لا تجد مستحقاً في وقت معيَّن، فإذا وضعت زكاة مالك في ظرف و ختمت هذه الظرف و قلت: أموال زكاة، ووضعتها في مكان معيَّن في بيتك، هذه العملية اسمها العزل، حينما تعزل الزكاة عن مالك إذا نويت دفع هذه الزكاة لمستحقها و عزلتها عن مالك، فهذا الوقت مناسب للنية، لكن بالمناسبة لو أن هذه الزكاة التي عزلتها احترقت أو تلفت هل سقطت عنك الزكاة؟ لم تسقط، لأن الزكاة ما ركناها؟ تمليك فقير مسلم، فالمال جاهز، لكن لا بد كي تسقط عني من أن يتملَّكها فقيرٌ مسلم، كما لو أن عليك ديناً لإنسان ووضعت الدين في ظرف معيَّن و عزلته عن مالك، و لم تلتق بهذا الإنسان و هذا المال احترق، هل يُعفيك الدائنُ من هذا الدين؟ لا يعفيك، إذًا النية، الزكاة عبادة لكن أحياناً الإنسان يدفع شيئاً بعدما يدفعه بشهرين أو ثلاثة، و الله هذا أحسبه زكاة، هذا لا يجوز عند الأحناف يجب أن تسبق النية العمل، أو أن ترافقه في الحدِّ المعقول، أما أن تأتي متخلِّفة عنه، أنا واللهِ أريد أن أصلي سنة الظهر أربع ركعات، و أنا أصلي و اللهِ صار العصرُ قريباً، يا الله فرض عين هذه لا تصير، النية يجب أن تسبق العمل أو أن ترافقه في أقلِّ تقدير، فأنت قبل أن تدفع الزكاة لفلان قلت: هذه زكاة، أما أنت دفعت هذا المال مثلاً صدقة، و بعدما دفعت صدقة، رأيت الصدقات كثرت، حوِّلها لزكاة، لا.

2 ـ الإسلام :

 الإسلام طبعاً من شروط صحة الزكاة، النية و الإسلام و يرجِّح الأحناف أن يكون الأداءُ على الفور، أي مكروه كراهةً تحريمية أن تؤخِّر الزكاة في الدفع، نحن قلنا قبل قليل: لك أن تدفعها سلفاً، أليس كذلك؟ أما التأخير فغير مستحب، و مكروه كراهة تحريمية أنه لعل هذا الإنسان مات و لم يؤدِّ زكاة ماله، فأصبحت ذمَّته مشغولةً بزكاة هذا المال.

3 ـ أن يكون فقيراً مستحقاً ورد ذكرُه في آية مصارف الزكاة :

 الزكاة يجب أن تُدفع لفقير مستحق ورد ذكرُه في آية مصارف الزكاة قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة : 60 ]

 إن شاء الله مصارف الزكاة تحتاج إلى شرح لا بأس به، أنا أردت أن يكون درسُ الأحد في رمضان فقط متعلِّقاً بموضوع الزكاة، لأنه شيء مهمٌّ جداً، وهي الفريضة الخامسة، أعتقد سبعة آلاف عليها زكاة، و الرأي الراجح ما فاض عن حاجاتك فأدِّ عنه زكاة مالك، و كما قلت قبل قليل الخطأ في دفع الزكاة عينُ الصواب، و الخطأ مع الله هو الصواب.

 

التمليك :

 بقي موضوع التمليك موضوعٌ دقيق، موضوع خلافي، أحياناً لا أحب أن أقول لكم هذه النقطة الدقيقة، الواحد عليه دين أو لك مع فلان دين، أنا يكفي أن أشطبه من دفتري و أضعه في الزكاة، هذا موضوع خلافي، هناك علماء يرفضون هذا، ما هو السبب؟ و هناك علماء يجيزونه، هناك حالتان يجوز، لو فرضنا جاءك الذي عليه الدين و قال لك: و الله أنا ليس معي أن أعطيك هذا الدين، فإذا دفعت لي زكاة مالك أعطيك الدين، فأنت دفعت له زكاة مالك، فأمسك هذا المال و أعطاك ما لك عنده، يصح، إذا كانت المبادرة من الفقير إذا عرض عليك الفقير أن تعطيه زكاة مالك على أن تستردَّ دينك منه يجوز، لكن من دون أن يعلم ومن دون أن يرضى و من دون أن تملِّكه شيئاً أنت وحدك حسمت هذا المال من الزكاة و أسقطت عنه الدين عند بعض العلماء هذا لا يجوز، الحكمة الفقير أحياناً يكون استدان ثمن ألبسة و انتظر رمضان لتأتيه زكاة المال ليشتري طعاماً و شراباً، بينما هذا الذي دينه حسب ثمن هذا اللباس من الزكاة و أعفاه من هذا الدين بقي جائع هو و أولاده، فالفقير مخيَّر، أنا لك بذمتي هذا المبلغ لكن أمهلني، أنظرني أنا معسِر، لكن أعطني شيئاً آكله، فالذين منعوا إسقاط الدين من حساب الزكاة التفتوا لهذه الناحية، قد يكون هذا الفقير في أمسِّ الحاجة إلى طعام يأكله، أو إلى شراب يشربه، أو إلى لباس يستر أولاده، وهناك رأي آخر أن هذا الإنسان مادام الدين ثابت و عليه و أنت سامحته فيه، يمكن أن يُعدَّ من الزكاة، على كلٍّ هذه قضية خلافية بين المذاهب، لكن التمليك أولى من أن تعطيه هذا المال و يتملَّكه.

أحكام سريعة :

 بعض الأحكام السريعة؛ يجب أن تُوزَّع الزكاة على فقراء البلدة التي جُبِيت منها الأموال، أن هذا الغني لماذا أصبح غنياً؟ لأن كل هؤلاء الفقراء اشتروا من عنده طعاماً أو شراباً أو لباساً أو حاجات، فهم ساهموا في تنمية ثروته، ما داموا هم ساهموا في تنمية ثروته هم من باب أولى يجب أن تعود عليهم زكاة ماله، لهذا الشارع الحكيم توجَّه إلى أن تبقى الزكاة في البلدة التي جُبِيت فيها، أو نمت فيها الأموالُ، لكن أحياناً أنت تكون في بلد أجنبي و مستوى المعيشة مرتفع جداً، أكبر دخل في بلد نام لو قيس في بلاد غنية يعدُّ صاحبُه فقيراً يستحق المساعدة، أخي دخلي في السنة خمسمئة ألف في بلد آخر يقاس بعملتها المحلية تبدو فقيراً عندهم أنت مثلاً، ففي مثل هذه الحالات يجوز نقل الزكاة من بلاد الكفر إلى بلاد المسلمين، طبعاً هناك مسلمون كذلك، لكن إذا كان مسلمو البلد الأصلي أفقر بكثير من مسلمي البلاد الغنية فنقلُ الزكاة يجوز.
 لو فرضنا الزكاة زكاة مواش يأتي عاملُ الزكاة يختار أكبر غنمة، أكبر بقرة، أحسن بقرة، إنتاجها أربعون كيلو، وهناك بقرة مهزولة، و بقرة وسط، فالنبي عليه الصلاة و السلام قال:

((عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْيَمَنِ قَالَ إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ ))

[البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

 الشيء الذي يراه في نظره كبيراً اتركه له، إياك و كرائم أموالهم، عبَّر عنها العلماء أن تكون الزكاة من المال الوسط، لا أضعف بقرة و لا أكبر بقرة، لا غنمة مهزولة جداً و لا أسمن غنمة، الوسط، أن تُؤخذ الزكاة من زكاة الأعيان، أي العين المشتركة، و أن تؤخذ الزكاة من المال الحلال، فلا تجوز الزكاة من المال الحرام، لأن الله طيِّب لا يقبل إلا طيباً، و لا يُشترط لصحة الأداء حولان الحول، لذا يصح تعجيل الزكاة لسنة أو سنتين أو سنوات، يجوز دفع الزكاة لسنة قادمة أو لسنوات قادمة، ليس الشرط حولان الحول، طبعاً إذا حال الحولُ تجب الزكاةُ، و لكن هناك شرط وجوب و شرط أداء، فرقٌ كبير بين شرط الوجوب و شرط الأداء.
 إن شاء الله في درس قادم نتحدَّث عن مصارف الزكاة، موضوع دقيق جداً، و بقيت نقطة واحدة أنه يمكن أن تُدفع الزكاة نقداً أو عيناً، لكن أحياناً نلاحظ أن الواحد عنده ألبسة فرضًا ألبسة جاهزة " كنزات " نسائية فرضاً غالية جداً و لم تُبَع معه، هذه المسلمة الفقيرة جداً التي عندها ثمانية أيتام تعطيها كنزة قطع، موديل حديث فرضاً، ما حاجتها بها؟ يذهب يرى ما عنده من الكنزات لم تُبَع معه يضعها بسعر التكلفة، هذه حجة على الله عز وجل، هذه غير مقبولة، أما إذا عنده سكر ممكن، سكر مادة أساسية، السكر مادة أساسية، عندك رزّ ادفع زكاة، عندك سمن، أي مواد أساسية غذائية مقبول أن تدفع زكاة مالك منها، و مقبول أن تدفع قيمتها، لكن إذا كان عندك حاجات، مثلا حذاء رياضة و أتى رمضان، عنده أنواع مختلفة الأرقام، و ليست دقيقة مع بعضها، كل حذاء برقم يعطيها زكاة، يدفعها زكاة ماله، هذا لا يجوز، و هذا احتيال، موديلات كلها من النوع الثاني مضى وقتها لا تساوي ربع قيمتها كلها جمعها زكاة ماله، الجمعيات مملوءة بالألبسة، و لكن هذه الألبسة ليست زكاة، بعضها صدقة، عنده ألبسة زائدة أعطاها لجمعية، لا مانع، أما أن تحسبها من زكاة مالك، أي زكاة مالك يجب أن تشعر أن هذا الفقير تملَّك مبلغاً من المال فاشترى به حاجاته الأساسية، اشترى لحماً و اشترى سمناً، و اشترى سكراً، ألبس ابنه ثياباً في العيد، اشترى أحذية، يجب ألا تكون الحاجات بعيدة جداً عن حاجات الإنسان.
 آخر نقطة، أنه إذا كان الشخص يستحق الزكاة لكن هو متلاف للمال الأولى أن تعطيه الزكاة عيناً، حاجات، و إذا كان الشخصُ حكيماً جداً فالأولى أن تعطيه نقداً، ألف ليرة يدبِّر أموره، و يدفع ديونه القليلة و يشتري حاجات هو بحاجة إليها، لكن لو دفعت له أنت الزكاة عيناً و قد يكون ليس بحاجة إلى هذا الشيء، فإذا كان الإنسان متلافاً للمال فالأولى أن تدفع له الزكاة عيناً و إذا كان حكيماً في إنفاقه فالأولى أن تدفع له الزكاة نقداً.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018