٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1166 - وحدة المسلمين.


2010-09-24

الخطبة الأولى:

الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

طرح أي قضية خلافية بين المسلمين جريمة في حق الأمة وأمنها وسلامتها :

الاتحاد قوة
أيها الأخوة الكرام، موضوع ديني في الدرجة الأولى، وموضوع وطني، وموضوع قومي، ألا وهو وحدة المسلمين، الغرب وضعنا جميعاً في سلة واحدة، فينبغي أن نقف جميعاً في خندق واحد، أكاد أقول ولا أبالغ إن طرح أي قضية خلافية بين المسلمين يعد جريمة في حق الأمة، وفي حق أمنها، وسلامتها، وتقدمها، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يجمع ولا يفرق، والله أيها الأخوة، من فضل الله على هذه الدعوة القائمة في هذا المسجد أنه من خمسة وثلاثين عاماً لم تطرح قضية خلافية، بل طرحت موضوعات لا يختلف عليها اثنان في العالم الإسلامي، والأولى لكل داعية أن يجمع وألا يفرق، أن يوحد وألا يشتت، أن يتحدث في القضايا المشتركة وما أكثرها.
أيها الأخوة الكرام، مع الأسف الذي لا ينتهي أن أعداءنا يتعاونون وبينهم خمسة بالمئة من القواسم المشتركة، والمسلمون يتقاتلون و الدماء تجري في بلادهم، وبينهم خمسة وتسعون بالمئة قواسم مشتركة، خمسة وتسعون بالمئة قواسم مشتركة، لذلك حينما وصف الله فرعون موسى، بماذا وصفه؟ قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾

[ سورة القصص: 4]

فالورقة الرابحة الوحيدة بيد الطغاة الفتن الطائفية، الورقة الرابحة الوحيدة التي في أيدي أعداء المسلمين هي الفتن الطائفية، ماذا قال وزير خارجية أمريكا كريستوفر؟ أنا لا يعجبني أن يكون العالم مئتي دولة، أتمناه خمسة آلاف دولة، وصدقوا ولا أبالغ والفضل لله وحده، أن مشروع الشرق الأوسط الجديد، تقسيم هذه البلاد إلى عشرات الدول، كل منطقة دولة، كل طائفة دولة، كل مذهب دولة، لكن هذه الخطة لم تنجح بفضل الله عز وجل أولاً، وبوعي المسلمين ثانياً، الغرب وضعنا جميعاً في سلة واحدة، فينبغي أن نقف جميعاً في خندق واحد.

 

الوحدة الوطنية أول من جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم :

الآن هذه الحالة التي أسميها الوحدة الوطنية، التعايش، هل لها أصل في ديننا؟ أول من جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن بالإسلام لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، ديننا دين دليل، معنا وحي السماء وقد بينه سيد الأنبياء، وحي السماء القرآن بينه سيد الأنبياء، لما دخل إلى المدينة، من في المدينة؟ فيها أوس وثنيون، وثني يعبد حجراً، وخزرج وثنيون، وفيها أوس مسلمون، وخزرج مسلمون، وفيها يهود، وفيها نصارى، وفيها موالي وأعراب، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق إلا بالحق:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4 ]

قال: أهل يثرب أمة واحدة، هل هناك من دليل أقوى وأوضح وأبين من هذا الدليل؟ قال: أهل يثرب أمة واحدة، سلمهم واحد، وحربهم واحدة، ولليهود دينهم ولنا ديننا، ماذا يفهم؟ هناك تعايش، هناك مساكنة، هناك وحدة وطنية، وكل إنسان علاقته مع الله يحددها هو، أما علاقته بأخيه الذي يسكن معه، تحددها المصلحة المشتركة، أي إذا واجه مدينة فيها طوائف شتى، واجه المدينة مرض الإيدز مثلاً هذا تحدٍّ عام، واجه المدينة نقص مياه، هذا تحدٍّ عام، يجب أن تقف هذه المدينة بكل أطيافها وكل شرائحها وقفة واحدة، لنعالج هذه القضية، هذا الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام.

 

من فرّق بين المسلمين خرج عن منهج الله عز وجل :

لذلك أيها الأخوة الكرام، أتمنى أن يتمتع المسلم اليوم بوعي إيماني واحد، ووعي وطني، ووعي قومي، ووعي إسلامي، فلا يسمح لهذه الخطط الخبيثة التي تريد أن تقوض وحدتنا أن تنجح، والفضل لله في هذا البلد الطيب لم تنجح كل هذه الخطط، الانتماء إلى مجموع المؤمنين، والدليل قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 10 ]

متحدين نقف .. متفرقين نسقط
بمجموعهم، لذلك أيها الأخوة الكرام ينبغي أن نذكركم بالوحدة، والائتلاف، ونبذ الفرقة والاختلاف، نحن أمة واحدة، إلهنا واحد، ونبينا واحد، وكتابنا واحد، والجنة حق، والنار حق، والمشتركات بين المسلمين لا تعد ولا تحصى، فانطلاقاً من إيمانك، انطلاقاً من وحدة المسلمين، انطلاقاً من وطنيتك، انطلاقاً من انتمائك لهذه الأمة، ينبغي أن نتحاور في ألوف المواضيع المتفق عليها.
مرة ثانية: والله في خمسة وثلاثين عاماً في هذا المسجد لم يطرح موضوع خلافي واحد، الموضوعات المشتركة لا تعد ولا تحصى، هي التي تجمعنا.
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "ليس منا من فرق"، هذا الذي يفرق خرج عن منهج النبي عليه الصلاة والسلام.
حلف الفضول دعا على التعاون، والتناصر، والتكاتف، وأن يقف أهل مكة صفاً واحداً، ويداً واحدة في وجه الظالم، هذا حلف الفضول حضره النبي عليه الصلاة والسلام وأثنى عليه بعد الرسالة، يقال أبلغ من ذلك: لو دعيت إلى حلف مثله ما ترددت. إذاً أي حلف يجمعنا لا يفرقنا، أي حلف يوحدنا.

 

الفتن الطائفية هي الورقة الوحيدة الرابحة في أيدي أعداء المسلمين الآن :

أيها الأخوة الكرام، الورقة الواحدة، بل الوحيدة، بل الأخيرة، التي بقيت في أيدي أعدائنا هي الفتن الطائفية، والله بإمكانك أيها الداعية أن تدعو إلى الله لخمسين سنة قادمة وأنت في المتفق عليه لا في المختلف عليه، في المتفق عليه ما يغني، ما الهدف؟ إله عظيم واحد، وقرآن كريم واحد، وسنة نبوية صحيحة واحدة، هذه كلها قواسم مشتركة، ابق في هذا المجال.
أيها الأخوة الكرام، فرقتنا لصالح من؟ فرقتنا، تبعثرنا، تشتتنا، صراعاتنا الكلامية، بل صراعاتنا الدامية، لمصلحة من؟ لمصلحة أعدائنا، في العلوم الاجتماعية من أجل أن تعرف من فعل هذا العمل، اسأل لصالح من وقع هذا العمل؟ الفرقة بين المسلمين لصالح من؟ لصالح الشيطان والله، الشيطان يبث بين المسلمين العداوة والبغضاء، لصالح الشيطان، إذاً الذي فعل هذا من أعوان الشيطان، من أتباع الشيطان، عود نفسك أن تبقى في الأصول، في المتفق عليه، ويوجد بالإسلام متفق عليه يغنيك إلى أن تنتهي الحياة، لا تكن إنساناً همك التفرقة، همك تقييم الناس، همك أنت مع من، من شيخك؟ بأي جامع تحضر؟ غلطان الشيخ لا يفهم، هذه النزعة، نزعة التفرقة، نزعة التجريح، نزعة تراشق التهم، هذه نزعة لصالح الشيطان.

الإسلام شريط عريض يجمع كلّ أطياف المسلمين :

ليس الإسلام خطاً رفيعاً، فإذا خرجت عنه قيد أنملة خرجت من الدين، لا والله، الإسلام شريط عريض، معنى شريط عريض يجمع كل أطياف المسلمين، معنى شريط عريض فيه كل من صحت عقيدته، واستقام سلوكه، الإسلام ليس خطاً رفيعاً، سابقاً الدعوات إلى الله قبل خمسين عاماً كل دعوة توهم أتباعها أنها الوحيدة في العالم، لذلك الدعوات السابقة خط رفيع أما الحقيقة:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 10 ]

هناك دليل آخر: المؤمنون إخوة

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الشعراء: 215 ]

واضحة، الآية الثانية:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الحجر: 88 ]

لا يوجد لمن اتبعك، أنت من جامع فلان، على العين والرأس، تعتز بهذا الجامع، أنت قانع بهذا الجامع، هذا الاعتزاز وتلك القناعة لا يعني أنه ليس على وجه الأرض إلا هذا الجامع، هناك جوامع أخرى، ولهم دعوة صادقة، وعلم نافع، فأنت لا تبحث عن حالات خاصة ضيقة غير واقعية، أنصح كل أخ مؤمن أن ينتمي إلى مجموع المؤمنين لقوله تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 10 ]

الشيطان هو المستفيد الأول من التفرقة :

والله الذي لا إله إلا هو هناك دعاة إلى الله في هذا البلد الطيب أشعر من أعماق أعماقي أن أخوانهم هم أخواني، وأن أخواني هم أخوانهم، مرة غبت كلفت أخاً من تلاميذ أحد العلماء الصادقين في هذا البلد أن يخطب مكاني، هذه رسالة أرسلتها إلى الشام، نحن واحد، نحن أمة واحدة، هذا المعنى نحن الآن بأمس الحاجة إليه، الجواب الدقيق، التفرقة لصالح من؟ لصالح الشيطان، من المستفيد الأول من التفرقة؟ الشيطان، ماذا فعل فرعون موسى؟ جعل أهلها شيعاً:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾

[ سورة القصص: 4]

هناك أبلغ من ذلك، لما انتصر الروم ماذا قال الله عز وجل ؟

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ﴾

[ سورة الروم: 2-4]

وحدة المسلمين أساس كل شيء :

الآن أتلو عليك كلام الله:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الروم: 2-5]

من هم المؤمنون المعنيون بهذه الآية؟ أنا وأنت؟ لا، الصحابةالكرام: واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا

﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الروم: 4]

أي الصحابة، فإذا أثبت الله للصحابة الكرام، وهم علية القوم، ونخبة البشر، فرحهم بانتصار الروم ـ وهم النصارى ـ على الفرس، فلأن نفرح بأي فئة إسلامية حققت نصراً على أعداء الأمة من باب أولى، أنا مع القرآن الكريم، مع القرآن الكريم يجب أن نعطل عقولنا:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾

[ سورة الروم: 2-5]

أيها الأخوة الكرام، حلف الفضول دعا إلى وحدة الأمة، لما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام وصل إلى المدينة أصحابه الكرام، زعماء الأوس المسلمون، وزعماء الخزرج المسلمون تنافسوا فيما بينهم على تقديم بيت لرسول الله، ماذا قال؟ قال: دعوها ـ لناقته ـ فإنها مأمورة، ماذا أراد بهذا النهي؟ وحدة المسلمين.

 

أي إنسان يؤلف تابع لمنهج الله وأي إنسان يفرق تابع لمنهج الشيطان :

أيها الأخوة، ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة؟

﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 63]

شأن الله مع المؤمنين أن يوفق بينهم، وشأن الشيطان مع المؤمنين أن يفرق بينهم، فأي إنسان يؤلف تابع لمنهج الله، وأي إنسان يفرق تابع لمنهج الشيطان.

 

على المسلمين أن يتعاونوا فيما اتفقوا و ينصح بعضهم بعضاً فيما اختلفوا :

أيها الأخوة الكرام، قد تلتقي بإنسان ينتمي إلى جماعة معينة، ما دام قد قال صواباً فأنا معه، إذا قال خطأ أنا أصحح له بأدب، نتعاون فيما اتفقنا، و يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، هناك تعديل لهذه النصيحة، نتعاون فيما اتفقنا، وينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا.
طبعاً المنافقون يحاربون وحدة المسلمين، والمنافقون يثيرون الفرقة بينهم حيثما وجدوا، ما رواه ابن هشام في سيرته أن شاس بن قيس قد مرّ بنفر من الأوس والخزرج، فغاظه ما رأى من ألفتهم، ومحبتهم، ووحدتهم، و صلاح ذات بينهم، بعد الذي كان بينهم من العداوة والبغضاء في الجاهلية، فقال: لقد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله، مالنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، أمر فتى من اليهود كان معه، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم ذكرهم بيوم بعاث، وما كان قبله ـ يوم بعاث حرب بين الأوس والخزرج ـ وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوه فيه من أشعار، ففعل، فغضب الفريقان، ثم قال بعضهم لصاحبه: إن شئتم رددناها جذعةً ـ أي ملتهبة ـ وقالوا: موعدكم الظاهرة ـ أي الحرة ـ وتنادوا للسلاح، بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فخرج إليهم وقال: يا معشر المسلمين، الله! الله! أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ بعد أن هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به،، وقطع به عنكم دعوى الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بين قلوبكم، فعرف الصحابة الأوس والخزرج أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين، وقد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله وعدوهم.

الحديث عن وحدة المسلمين حديث يمس حياتنا اليوم :

أيها الأخوة، الحديث عن وحدة المسلمين حديث طويل، وحديث خطير، وحديث يمس حياتنا اليوم، الآن بقي أو لم يبق كلاهما في أيدي أعدائنا أعداء الأمة، البعيدين الغرب، والقريبين اليهود، لم يبق في أيدي أعداء المسلمين من ورقة رابحة إلا الفتن الطائفية بينهم، والأولى وأتمنى عليكم، وأستحث إيمانكم، وورعكم، وحرصكم على طاعة الله ورسوله، من أن يستطيع هؤلاء الذين يفرقون بين أطياف الأمة أن يصلوا إليكم، لذلك هذه الدعوة من على حق؟ نحن على حق، الآخرون على حق، الله وحده يعلم من هو على حق، والدليل: القرآن القاسم المشترك للمسلمين

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾

[سورة الإسراء:17]

بإمكانك أن تتحدث بالقواسم المشتركة لخمسين سنة قادمة، وبإمكانك أن تصل إلى المشترك بين المؤمنين وما أكثر هذا المشترك، وقد يصل إلى خمسة وتسعين بالمئة، بلد إلى جانبنا كل يوم فيه مئة قتيل، ألا ترون ذلك؟ إلى متى؟ أليس هذا وصمة عار في حقنا، والله هذا لا يحتمل، دعيت مرة إلى مكتب أخ كريم في إيطاليا، بيته في سويسرا، قلت له: أين الحدود؟ لا يوجد أية لوحة، أوربا بأكملها من أقصاها إلى أقصاها، لا تجد بين بلدين لوحة صغيرة، أن هنا ألمانيا، هنا هولندا، الطريق مفتوح، هؤلاء قوميات لا تعد ولا تحصى، وحروب طاحنة، ودماء سالت لمئات السنين، حكموا عقولهم، ووحدوا شأنهم، بلد واحد، في البضاعة، في العملات، في الأنظمة، أوربا بأكملها، فالذي دعانا إلى مكتبه دعانا إلى الطعام، مكتبه في سويسرا، وبيته في إيطاليا، قلت له أين الحدود؟ قال: لا يوجد حدود، هم لما حكموا هذه البلاد أرادوا تجزئتنا.

 

الأمة الإسلامية أمة آثرت وحدتها على تحقيق خطط أعدائها :

صلاح الدين الأيوبي يقول بعد أن طردهم، بعد أن بقوا تسعين عاماً في بلادنا وأنهاهم صلاح الدين ـ رحمه الله تعالى ـ قال: لن يرجعوا إليها ما دمنا رجالاً، فلما عاد غورو دخل على قبر صلاح الدين ماذا قال له؟ قال: ها قد عدنا يا صلاح الدين، معنى ذلك لسنا رجالاً، لن يرجعوا إليها ما دمنا رجالاً، عادوا، وإن شاء الله ننتصر، هناك تقرير "سي أي أ"، أن عمر هذا البلد الهجين ـ إسرائيل ـ عشرون عاماً قادمة، تقرير من أعوانهم، من حلفائهم، على كلٍّ هذا منوط بوحدتنا، وتفاهمنا، وإدراكنا لقيمة وحدتنا.
آخر مرة أقولها لكم: أعداؤنا يتعاونون وبينهم خمسة بالمئة قواسم المشتركة، والمسلمون حولنا يتقاتلون، وبينهم خمسة وتسعون بالمئة قواسم مشتركة، وهذه وصمة عار في حقنا، لذلك أيها الأخوة، والله الذي لا إله إلا هو بإمكانك أن تدعو إلى الله خمسين سنة بالمشترك، بالذي يوحدنا، بالذي يجمعنا، وبإمكانك أن تتصيد من التاريخ الإسلامي قصصاً معينة، مواقف معينة، تستوردها كي نتقاتل، تستوردها كي نضعف، تستوردها كي نحقق أهداف أعدائنا، والله خططوا لشرق أوسط جديد فيه عشرات الدول، كل جبل دولة، كل محافظة دولة، عندنا وعند غيرنا، لكن اشكروا الله عز وجل أن هذه الخطط لم تنجح، والفضل لهذه الأمة، لهذه الأمة التي آثرت وحدتها على تحقيق خطط أعدائها.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله .

* * *

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المؤمن ينصح ولا يفضح يوحد ولا يشتت :

أيها الأخوة، أنت كأب لا تحاول أن تطرح في بيتك قضايا خلافية، علماء المسلمين دعوتهم واحدة، أهدافهم واحدة، حاول أن تثير النقاط المشتركة، ليس منا من فرق، يجب أن تبحث مع أخيك المؤمن عن القواسم المشتركة، هذه توحدنا، وهذه تقوينا، وإذا كان عندك مأخذ لطيف على أخيك بلطف بالغ، وبينك وبينهم، نبهه إلى هذه الملاحظة، النصيحة واجبة، لكن النصيحة بينك وبينه نصيحة، لكن النصيحة بينك وبينه أمام الناس فضيحة، هذه تسبب توترات، تسبب شدة نفسية، لذلك المؤمن ينصح ولا يفضح، يؤلف ولا يفرق، يوحد ولا يشتت.

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018