بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الصلاة - الدرس : 32 - القصر في الصلاة للمسافر 2- الصلاة الفائتة والسنن في السفر


1993-10-31

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

قضاء الصلاة الفائتة في السفر :

 أيها الأخوة الكرام، بدأنا في الدرس الماضي موضوع فقه القصر في الصلاة، وبقي لنا في هذا البحث بضعة أحكام نوجزها فيما يلي.
 قضاء الصلاة الفائتة في السفر، فلو أن المسلم فاتته صلاةٌ في أثناء سفره، فعند الأحناف والمالكية من فاتته صلاة في السفر قضاها في الحضر ركعتين، ومن فاتته صلاة في الحضر قضاها في السفر أربع ركعات، أما إذا فاتته في السفر وقضاها في السفر فحكم واضحٌ أنْ يصليها ركعتين، وإن فاتته في الحضر وقضاها في الحضر فالحكم أربع ركعات، أما إذا فاتته في السفر وأراد أن يقضيها في الحضر فيقضيها ركعتين، وإذا فاتته في الحضر وأراد أن يقضيها في السفر يقضيها أربع ركعات، هذا عند السادة الأحناف والمالكية، أما عند الشافعية والحنابلة فمن فاتته الصلاة في الحضر ُتقضى أربعًا، سواء في السفر أو الحضر، وعندنا شيء في الفقه اسمه الجمع بين المذاهب، وأوضح ذلك ممثِّلاً له؛ عند الأحناف إذا مست يد الرجل يد زوجته لم ينقض وضوءه، وعند الشافعية ينقض وضوءه، فهناك حكمان متناقضان في المذهبين المختلفين، فالاتجاه الدقيق هو الجمع بين المذهبين مع التفصيل، فلو أن الإنسان مست يده يد زوجته وما شعر بشيء، بل ما شعر إلا كما يشعر لو مست يده أي قطعة أثاث، فهذا لا شيء عليه، ولا وضوء عليه، ولو كان شافعياً، ولو مست يده يد امرأته وشعر بشيء فعليه الوضوء، ولو كان حنفياً، وهذا هو الجمع بين المذهبين مع التفاصيل، فلو تتبعنا العلة التي حملت الإمام أبي حنيفة أن يقول: لا وضوء عليه، ثم تتبعنا العلة التي حملت الإمام الشافعي على أن يقول عليه الوضوء، ولو أردنا التفصيل والتبيين لأمكن أن نبحث عن علة إضافية.

صلاة السنن في السفر :

 بقي موضوع صلاة السنن في السفر، فللإمام الشافعي قول شهير يجعل الإنسان أحياناً في حيرة من أمره، ولكن الواقع أحياناً يؤكد قول الإمام الشافعي، حيث يقول: " من لم يعهد منه سفرٌ لم يعهد منه علمٌ "، فالسفر أنواع؛ سفر لطلب العلم، وسفر لطلب الرزق، وسفر فرار بالدين، وأرقى أنواع السفر ما كان في طلب العلم، ويأتي بعده السفر فراراً بالدين، ثم السفر في طلب الرزق، لكن الإمام الشافعي يقول: " من لم يعهد منه سفرٌ لم يعهد منه علمٌ "، شيء من الخبرات التي يكتسبها الإنسان في السفر أنه كلما توسعت دائرة اتصالاته عرف حجمه وموقعه الحقيقي.
 فما من سبيل إلى أن ينتصر المسلم على الطرف الآخر إلا إذا عرف الطرف الآخر، وعرف حجمه وإمكاناته، وطريقة تفكيره، والمبادئ التي يرتكز عليها، وبهذه الطريقة يمكن تمهيد السبيل إلى نشر هذا الدين في الآفاق، وهناك قول دقيق استنبطه الإمام الشافعي من تجربته فقال: " من لم يعهد منه سفرٌ لم يعهد منه علمٌ ".

الإنسان عاجز وضعيف وجاهل :

 ذكرت لكم في دروس مضت أن الإنسان عاجز وضعيف وجاهل، والدليل قوله تعالى:

﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 66 ]

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾

[ سورة الإسراء : 85 ]

﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾

[ سورة البقرة: 255]

 فالإنسان في الأصل ضعيف وعاجز وجاهل، لكن الإنسان بالله قوي، وبالله عالم، ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟.

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

المؤمن الصادق يشعر أنه بالأصل ضعيف والله هو القوي :

 إذا كان أمامكم طموحات ترونها بعيدة المنال ومستحيلة فلا ينبغي لكم أن تيئسوا، ولا أن تشعروا أن الله سبحانه وتعالى لن يعطيكم هذا الهدف، وهذا الشيء في نص القرآن الكريم والسنة المطهرة، يقول عليه الصلاة والسلام:

((... وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ ....))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 فعلى الإنسان أن يسعى، وليس عليه إدراك النجاح، فالقرار الذي يتخذه في نفسه بشأن مصيره قلّما تنقضه الأيام إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان، والحديث الآخر المتمم لهذا الحديث:

((عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[أبو داوود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 أحياناً تصادف الإنسان مشكلات أو عقبات أو طموحات، فيتمنى أن يكون في هذا المستوى والمكانة والعلم، ويتمنى أن يحقق الله على يديه هذه الأعمال الجليلة، فحينما تشعر أنك أقل من أن يجري الله على يديك هذه الأعمال فهذا من ضعف إيمانك، أما المؤمن الصادق يشعر أنه بالأصل ضعيف، والله القوي، لكن الله لم يطلب إلا أن تسأله بصدق وإخلاص، فإذا سألته بصدق وإخلاص أنَالك مرادك، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((...إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ...))

[أبو داوود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 ففي العجز تستسلم، كأن تقول: إني ضعيف وخصمي قوي، ولن تقوم للمسلمين قائمةٌ، وهذا الكلام عين العجز.
 فعندما تسمع خبرًا سيئًا يترك في نفسك تأثيرًا سلبيًا عادة، ويسيطر عليك، أما المؤمن القوي فمتفائل، ويعتقد أن الله هو القوي، وهو على كل شيء قدير، وأن قدرته تتعلق بكل ممكن، وما عليك إلا أن تسأل الله بصدق، ولذلك ورد في بعض الأحاديث:

(( لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ الْوُضُوءِ وَلَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِ اللَّيْلِ فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُ اللَّيْلِ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جَلَّ وَعَزَّ فَقَالَ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ))

[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

محصلة الإيمان أن تكون بين الإنسان وبين الله علاقة متينة :

 يمكننا القول بدقة: إنّ محصلة الإيمان أن تكون بينك وبين الله علاقة متينة، وأن تكون ربانياً، وأن تكثر من سؤاله، وتستغفره، وتطمح في نواله، وتطمح بعطائه، وأن تشعر أن الله قادر على إعطائك أي شيء، فما عليك إلا أن تطلبه صادقاً مخلصاً، لأنهما ثمن أي إنجاز تظنه كبيرًا، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: "وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ "، أي تحرك، واسأل، واطلب، وادعُ ، وفكر، وتأمل، وخذ رأي الآخرين، فعندما تتحرك الله معك إذا تحركت:

((عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ قَالَتْ دَخَلْنَا دَارَ أَبِي حُسَيْنٍ فِي نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَتْ وَهُوَ يَسْعَى يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ وَهُوَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ))

[أحمد عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ]

 فعلى الإنسان أن يسعى، وليس عليه إدراك النجاح، وأخبركم بهذه الخواطر، لأنني عاينتها، فالإنسان عندما يرى الطرف الآخر قويًّاً، وفي أعلى درجات العلم يشعر أن المسلمين بينهم وبين هذا المستوى مراحل فسيحة، وما عليهم إلا أن يتعاونوا ويتعلموا حتى يحقق الله على أيديهم النصر، ويردوا على قوة عدوهم، وأن يتفقوا ليتفوقوا على عدوهم، وعندئذٍ ربما كان الله سبحانه وتعالى مستجيباً لدعائهم.

الله عز وجل يلوم على العجز و الاستسلام :

 الله عز وجل يلوم على العجز وعلى الاستسلام وعلى الاستخذاء، وعلى أن تقول: أنا لا أستطيع أن أفعل، ولكن عليكم بالكيس، فكلمة لا حول ولا قوة إلا بالله متى تقولها؟ عندما يغلبك الأمر، فإذا غلبك أمر فقل: (حسبي الله ونعم الوكيل)، فأمامنا طالب لم يدرس، فالنتيجة الحتمية أنه لن ينجح، فلما فوجئ بهذه النتيجة قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فهذه كلمة حق أريد بها باطل، فخطأ أن تقول هذه العبارة وأنت مقصر وكسول، فأصابه سيئات أعماله، أما هذا الطالب لو درس الدراسة التي يستطيعها ثم أصيب بمرض منعه من أداء الامتحان، فعندها يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، وأحياناً تاجر يجتهد اجتهادًا جيدًا، فيصدر قرار يمنعه من استيراد البضاعة، فيقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فلكي لا ينهار الإسلام منهج كامل، فأنت تسعى وتعمل وتفكر وتتأمل، وبعدها تتوكل على الله، فإذا غلبك أمر فوق طاقتك، ولئلا تصاب بالإحباط تقولها، فهذا الذكر هو صمام أمان، وهذا الحديث من الأحاديث الأساسية في حياة المؤمن.

سبب تخلف المسلمين أنهم يتوكلون في غير وقت التوكل :

 يمكننا القول: إن سبب تخلف المسلمين أنهم يتوكلون في غير وقت التوكل، ويفهمون القضاء والقدر فهماً سقيماً ما أراده الله عز وجل، وربما يكون سبب تخلف المؤمنين كما قلت لكم أن الطرف الثاني قوي جداً، والمسلمون لا يستطيعون أن يردوا على هذه القوة إلا بتعاونهم ووحدتهم...قال تعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

[ سورة المائدة : 2]

 والمسلمون إذا استعانوا بالله عز وجل صادقين فهم أقوياء، فنحن لاشيء، واللهُ كل شيء، فأنا لا أقول هذا الكلام لشيء دون آخر، أو حقل دون آخر، أقولها لكل الأهداف؛ للطالب والتاجر ولطالب العلم الشرعي.
 ودائماً إذا رأيت الأهداف التي تسعى إليها بعيدة عنك، وأنك لست في مستواها، إذا رأيت هذه الأهداف التي تطمح إليها لن تجري على يديك فهذا من ضعف إيمانك، فاستعن بالله ولا تعجز، أما إذا غلبك أمر قاهر في أيِّ حقل من حقول الحياة فعندئذٍ قل: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وهذه كلمة حق تقال في مكانها الصحيح، أما إذا كنت مقصراً وأصابك جزاء عملك وقلت: ( حسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله) فهي كلمة حق أريد بها باطل.

 

المؤمن يعبر عن ذاته بحركة نحو خدمة الخلق :

 شيء آخر: الله سبحانه وتعالى إلهنا وربنا وخالقنا الذي نصر أصحاب رسول الله وقد فتحوا أطراف الدنيا، فعقبة بن نافع قطع مسافات بعيدة جداً إلى أن وصل إلى المحيط الأطلسي، قطع القارة الإفريقية، ووصل إلى الطرف الآخر، وقال قولته الشهيرة: (لولا هذا البحر يا رب لتابعت الجهاد في سبيلك)، فمن هم هؤلاء القلة القليلة التي كانت في مكة والمدينة وعرفوا الله عز وجل وانطلقوا يفتحون البلاد وينشرون هذا الدين القوي؟ من هي الدولة العظمى؟ إندونيسيا التي تعد مئة وخمسين مليونًا فتحت من خلال التجار المسلمين، ففي اللحظة التي يستقر فيها الإسلام في قلبك لابد أن يعبر عن ذاته بحركة نحو خدمة الخلق، ونحو الدعوة للحق، فأيُّ مؤمن ساكن لا وجود له، مؤمن سكوني يؤثر الراحة، ويميل للانسحاب من الحياة، يملك فقط قناعات إسلامية فهذا المؤمن على إيمانه أكبر إشارة استفهام، والأصح أنه ليس مؤمناً، فالمؤمن يعبر عن ذاته بالحركة، الآية الكريمة:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

[ سورة النور: 55]

 استخلاف في الأرض وتمكين.

عبادة الله عز وجل سبب انتصارنا و قوتنا :

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 لا شيء أمامنا كي ننتصر ونقوى إلا أن نعبد الله، وكلما بحثنا عن نصر بعيد عن طاعة الله، وعن نصر بعيد عن تطبيق منهج الله، وعن نصر بعيد عن الصلح مع الله، فهذا نصر كالسراب، ولن تصل إليه، فهذا ملخص الملخص، إذا أردنا الانتصار ولو على أضيق مستوى، ولو على مستوى خاص بنا فلا بد من أن نعود إلى الله، ونصطلح معه، ونستقيم على أمره حتى يعطينا سؤلنا، فبعض الأفكار التي تتسرب إلى المؤمن تلقي عليه بعض ظلال اليأس، وهذه المسافة الكبيرة جداً بين قوتنا وقوة خصومنا، قال تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال: 60 ]

 إذا بذلنا القوة المتاحة بين أيدينا فإنّ ربنا سبحانه وتعالى يتولى الباقي، ويغير موازين القوى، فلا بد من الصلح والتوبة والعودة إلى الله حتى نستحق أن تعاد سيرة المسلمين الأولى، حينما نصرهم الله عز وجل، ورزقهم عزاً وكرامةً ونصراً، فيمكن أن تفهم أي حديث فهمًا سهلاً، فمثلاً تقول: ألف مليون هذه سهلة، لكن أن تملكه فليس بالشيء السهل.

لن نقطف ثمار الإسلام إلا إذا عشنا هذا الدين العظيم :

 لذلك لا نستطيع قطف ثمار الإسلام إلا إذا عشنا هذا الدين العظيم؛ عشناه في بيوتنا وأعمالنا...فإذا فعلنا ذلك أذاقنا الله عز وجل من ثمار الإيمان اليانعة، وكلمة أذاقنا أقصدها بالذات، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا))

[مسلم عن الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ]

 قال الإمام الشافعي: من لم يعهد منه سفر لم يعهد منه علم "، وكلما اتسعت دائرة اتصالاتك، وأنت يمكن أن تخاطب المؤمنين بقواسم مشتركة كبيرة جداً، فإذا خاطبت أي مؤمن تقول له: قال الله سبحانه وتعالى، أو قال الرسول في الحديث الذي رواه مسلم.... تقول له: سمعاً وطاعةً، فهي قضية سهلة، وقال سيدنا سعد بن أبي وقاص: "ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حق من الله تعالى".

مخاطبة المؤمن قضية سهلة العبرة بمخاطبة الطرف الآخر :

 مخاطبة المؤمنين قضية سهلة، ولكن إذا أردت أن تنشر هذا الدين في الآفاق وجب عليك أن تخاطب الطرف الآخر، ومحتمل أن الطرف الآخر لا يقتنع بالقرآن الكريم، والسنة المطهرة، فيحتاج إلى أدلة عقلية، ومعطيات علمية وموضوعية دقيقة، وفكر واقعي، ولذلك الإنسان حينما يحتك مع عقول الطرف الآخر يعرف طبيعته، ويعرف طبيعة تفكيره باللغة التي يفهمها، فقضاء الصلاة الفائتة في السفر تقضى ركعتين في الحضر، وتقضى أربع ركعات في السفر إذا فاتتك في الحضر، هذا عند الأحناف والمالكية، والشافعية لهم مذهب آخر.

استحباب النوافل المطلقة في السفر :

 بقي موضوع ثانٍ هو صلاة السنن في السفر فقد اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، قبل الظهر ركعتان أو أربع ركعات، وبعد المغرب ركعتان، هذه السنن التي صلاها النبي عليه الصلاة والسلام مع الفرائض، اسمها سنن الرواتب، واتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فقد تركها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه، وجمعُ المذهبين مع التفاصيل أنْ يأتي المسافر بالسنن الرواتب إن كان في حال أمن وقرار، أي مستقراً، وإلا إن كان في حالة سفر وارتحال يصلي الفرائض من دون سنن الرواتب، وهذا التوجيه يجمع بين المذهبين مع التفاصيل، ففي السفر يكون أحياناً اضطرابات وحاجات لم تؤمن، والمواعيد دقيقة، المواصلات صعبة، ففي أيام السفر يمكن أن تستقل بالفرائض التي قصرتها أو جمعتها، ولكن حينما تستقر في السفر ولو لم تنوِ الإقامة فيمكن أن تصليها كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام.

الجمع بين الصلاتين يجوز في كل المذاهب إلا الحنفية :

 والجمع بين الصلاتين يجوز في كل المذاهب إلا الحنفية، فلم يسمحوا بالجمع إلا في عرفات ومزدلفة، جمع الظهر مع العصر جمع تقديم، والمغرب والعشاء جمع تأخير، فالصلوات التي تجمع الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في وقت إحداهما، والأفضل عدم الجمع خروجاً من الخلاف، فإذا وجد مذهب يمنع الجمع كالأحناف، ومذاهب يجيز الجمع، ووُجِد الخلاف، فكيف أخرج من هذا الخلاف؟ بعدم الجمع، أخذت الأحوط، والقاعدة الفقهية نحن دائماً نستخدم الأحوط عند اليسر، والأسهل عند العسر، فنأخذ بالأحوط ونحن في حالة اليسر، ونأخذ بالأسهل ونحن في حالة العسر، والله عز وجل قال:

﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾

[ سورة الحج: 78]

 والقاعدة الفقهية تقول: الأمر إذا ضاق اتسع، وكل إنسان يأخذ بالأشد الأصعب في أوقات الشدة والعسر، فهذا ليس فقيهاً في الدين، لأن الله عز وجل ما أراد منا المشقة التي لا جدوى منها، بل أراد منا إقبالنا عليه، وإخلاصنا له، فإذا توافر هذا فلا بد من اليسر، فالذين أجازوا جمع الصلوات؛ صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم أو تأخير، وصلاتي المغرب والعشاء جمع تقديم أو جمع تأخير، فهؤلاء الذين أجازوا الجمع وهم المذاهب الثلاث؛ الشافعية، والمالكية، والحنابلة، لهم شروط؛ منها: قالوا: اتفق المجيزون للجمع تقديماً أو تأخيراً على جوازه في أحوال ثلاث: هي السفر، والمطر، ونحوه من ثلج وبرد، والجمع بعرفة ومزدلفة، عرفة ومزدلفة بند، والأحوال الجوية بند، والسفر بند.

الحكم الشرعي و العلة :

 أحياناً يتداخل عند الإنسان حكمة الحكم الشرعي وعلته، والحكمة غير العلة، فعلة الإفطار في السفر هو السفر فقط، وهذه هي العلة الفقهية التي تجيز الإفطار، السفر فقط، ولكن الحكمة من الإفطار في السفر هي المشقة، ولو جعلناها هي العلة، وقلنا: إن المشقة هي سبب الإفطار في السفر، وكان السفرُ مريحاً، فلربما كان في هذا السفر مشقة على الإنسان الكبير في السن، ولربما إنسان آخر قوي البنية لا يأبه بالسفر الشاق، لأن الحكمة لا يمكن ضَبْطُهَا، فيدخل المسلم في متاهة واضطراب وأخذ ورد، فالفقهاء بحثوا عن العلل، واستأنسوا بالحكم، فعلة الإفطار في السفر السفر فقط، أي سفر كان؟ ولكن الله عز وجل قال:

﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 184]

 فأنت بعد أن جعلت علة الإفطار في السفر هو السفر فقط فهو علة ثابتة، والآن تستأنس بالحكمة التي هي دفعُ المشقة، فلو كان السفر مريحًا وأنت قوي البنية، فلا ينبغي لك الإفطار:

﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾

 وفي كل حكم شرعي اسأل عن العلة، واسأل عن الحكمة، فالعلة قابلة للضغط، والحكمة ليست قابلة للضغط، فالأفضل أن نأخذ بالعلة ونستأنس بالحكمة، وتنفيذاً لهذه القاعدة فالجمع بين الصلاتين أحياناً لا داعي له، والحكمة دفع المشقة، كما قال أحد العلماء الكبار: " الشريعة رحمة كلها، عدل كلها، مصلحة كلها، فكل قضية خرجت من الرحمة إلى القسوة، ومن العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل ".
 فموضوع الشريعة مبنية على المصلحة والرحمة والعدل، فالإنسان يدخل في الدين قضايا ليست من صلبه، و ما أضر الدينَ إلا إدخالُ أشياء غريبة عنه، وحذفُ أشياء من صلبه، و هذا ممَّا شوَّه الدين حقيقة؟ فنحن لا نخشى على الدين من أعدائه، بل من أدعيائه، فماذا يفعل أدعياؤه؟ يضيفون إليه ما ليس منه، و يحذفون منه ما هو من صلبه، فإذا أضفتَ إليه ما ليس منه فقد أخرجته عن مساره الصحيح، و شوهت صورته النقية، و عطلت حكمه البالغة، و جعلته أداة للارتزاق، أما إذا عطلت فيه ما هو من صلبه، فقد قطعت ثماره اليانعة التي كان من الممكن أن تُقطَف.

الدين لا يحتمل أن تضيف إليه شيئاً أو أن تحذف منه شيئاَ :

 لذلك أيها الأخوة الكرام دائماً وأبداً أذكِّركم بالآية الكريمة:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3 ]

 فالإتمام عددي، والإكمال نوعي، وهذا الدين لا يحتمل أن تضيف إليه شيئاً لا في العقائد، ولا في العبادات، إلا أن الله سبحانه وتعالى تكريماً للإنسان سمح للعلماء أن يجتهدوا، لأن الله جلّ جلاله جعل بعض نصوص القرآن الكريم احتمالية الدلالة، حتى تتسع هذه المعاني المتعددة لمصالح الخلق جميعاً، فالخلق جميعاً لهم ظروف وبيئات وأطوار متباينة، فمن أجل تحقيق هذه المصالح أنزل ربُّنا سبحانه وتعالى بعضَ النصوص ذات الدلالة الظنية، حيث إن المجتهدين في أمور الفقه فقط، وكما تعلمون لا اجتهاد في مورد النص، فأن تضيف على الدين ما ليس منه أخطر ما يصيبه، وكذا أن تحذف منه ما هو من صلبه، أما من أجل استمراره كما بدأ، وأن ترى ديننا الحنيف اليوم كما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، من أجل ذلك لا بد أن نحافظ على أصوله؛ الكتاب والسنة والسيرة النبوية، فالكتاب خطاب السماء للأرض، والسنة بينت وفصلت، والسيرة جسدت ووضحت، هذه الأصول، فأي كلام آخر جاءنا موافقاً للكتاب والسنة فعلى العين والرأس، أما إذا كان مخالفاً فهو رد:

((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]

 كما ورد في الحديث الصحيح، وهذا الحديث يوحي للمتوهمين أن كل شيء تحدثه في الدين سنة حسنة، فلك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.

((مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ))

[ أحمد عن الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ]

البدعة اللغوية و البدعة في الدين :

 لكن هذا الحديث:

((مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ))

 يصطدم مع حديث مخيف:

((فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ثُمَّ يَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ ثُمَّ قَالَ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ أَوْ عَلَيَّ وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ))

[النسائي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

 فكيف نوفق بين الحديثين؟ القضية سهلة، العلماء قالوا: هناك البدعة اللغوية، وهناك البدعة في الدين، فالبدعة اللغوية: كل شيء مستحدث، في اللغة: فلان ابتدع تدفئة مركزية للمسجد، فهذه بدعة لم تكن في عهد النبي، لكنها بدعة لغوية، لا علاقة لها بالدين أبداً، فكل إنسان أحدث شيئًا في الحياة لم يكن من قبل، وهذا الشيء متوافق مع مصالح الدين الكبرى فلا مانع منه:

((مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ))

 ومرة حضرت عقد قران أحد إخواننا، ففاجئنا أنه لم يوزع أي نوع من الهدايا إطلاقاً، على غير العادة، وخطيب الحفل قال: إننا جمعنا المبالغ التي كان من الممكن أن تنفق كهدايا للإخوة الحضور فبلغت مبلغًا كبيرًا، وأودع عند الجهة الفلانية ليتزوج بها الشباب المؤمنون، وهذا شيء جميل، فالجميع توجد عندهم من هذه الهدايا لدرجة أنه لا مكان لها، فبهذا المبلغ الكبير زوجنا خمسة شباب، هذا الرجل دعا ثمانمئة شخص للحفل، وكل مدعو ثمن هديته سبعمئة أو ثمانمئة، فجمعها، وإذا بها مبلغ كبير، فقرر تقديمها إلى جهة أمينة وحريصة لتزويج الشباب، وهذه سنة حسنة، وأنا واللهِ أرحب بهذا، فلو أصرّ أحدكم على تقديم أي شيء فقدم كتابًا يا أخي في الحديث أو الفقه أو السيرة، فهو شيء يتأثر به، وهذه الكتب ثمينة جداً، وهي سنّة حسنة:

((مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ))

من أضاف إلى الإسلام عقيدة ليست من صلبه أو حذف منه فهذه هي البدعة الضالة:

 أما كل محدثة بدعة؛ فإذا أضفت إلى الإسلام عقيدة ليست من صلبه، أو حذفت منه فهذه هي البدعة الضالة:

(( وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ))

 فيجب أن نفهم السنة الحسنة اللغوية كاستحداث شيء، والتعليق الدقيق أن هذا الشيء المستحدث يقيَّم بشرع الله عز وجل، فإن وافقه كان سنة حسنة، وإن لم يوافقه كان سنة سيئة.
 والتصوير في عرس النساء على أفلام الفيديو لا أعتقد وجود معصية أشد منها، الإنسان يستخدم شريطًا ليرى النساء، وهنّ بأبهى زينة! وهذه زوجة فلان، وهذه زوجة فلان، وهو جالس في غرفته ليشاهد الفيلم فهذه سنّة سيئة:

((وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ))

 فأنت كمسلم لا يحق لك إرسال زوجتك إلى أي حفل فيه تصوير فيديو، أو تصوير عادي، فهي عرضك يراها الناس جميعاً في بيوتهم بأبهى زينة، وأنت مسلم.

قياس المستحدثات بالشرع :

 أحياناً يظن بعضهم أن ربنا عز وجل كأنه تخلى عنه، ابحث عن السبب فإنّ الله عز وجل قال:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 فإذا أَخَلَّ الطرف الثاني بما عليه فإنّ الله في حلٍّ من وعوده الثلاث، قال العلماء: هذه السنة اللغوية، أو الشيء المستحدث اللغوي إذا وافق مقاصد الشريعة فعلى العين والرأس، وكثير من الأشياء أصبحت في المسجد لطيفة، فالمسجد هو بيت الله، تجد الماء الساخن، و لم يكن هذا من قبل، وهذه سنّة حسنة، وماء بارد للشرب وهذه سنّة حسنة، أو عزل تحت السجاد ليقي من البرد، وهذه سنّة حسنة، وتكبير الصوت، والإضاءة، ووجود مكتبة في المسجد، وبعض المرافق، هذه كلها جديدة لم تكن من قبل، وهي سنّة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنّة سيئة، اليوم يدخل الشاب إلى عرس النساء ليجلس إلى جانب زوجته، وأمامه جمع غفير من النساء الأجنبيات اللاتي لا يحللن له، فهل هذه مِن عاداتنا؟ لا، هذا كلام فارغ بل هي سنّة سيئة، فالمستحدثات نقيسها بالشرع، فإن وافقت فعلى العين والرأس، وإن خالفت فهي مرفوضة، إلا شيئًا فيه مستحدثات موقوفة على نوع استعمالها، كأن تسمع بالمسجلة القرآن الكريم، أو دروس العلم، فهذه سنّة حسنة، أما أنْ تسمع الغناء فسنّة سيئة، فهذه الآلة تجوز أولا تجوز؟ الحكم فيها موقوف على نوع استخدامها، فهناك شيء حرام مطلقاً كالتصوير، وشيء حلال مطلقاً، وشيء موقوف على استعماله، هذا كل شيء مستحدث، لكن الدين في عقيدته وعباداته لا يحتمل أن تضيف إليه شيئاً، لأن مجرد الإضافة أو الحذف اتهام له بالنقص، فلا نستطيع التقدم والتفوق إلا إذا اعتقدنا أن هذا الدين تام كامل، أي عدد القضايا التي عالجها الدين تام، وطريقة المعالجة كاملة، وعندئذٍ حرية الحركة تكون بالأحكام الفقهية الشرعية المستنبطة من أحكام كلية.

اختلاف العلماء رحمة واسعة واتفاقهم حجة قاطعة :

 مرة أخيرة أقول لكم: الله عز وجل جعل بعض الآيات ذات أحكام احتمالية، أي ذات دلالات ظنية، أراد الله جل جلاله كل المعاني المحتملة من هذا النص رحمة بالخلق، إلى أن قال أحدهم: اختلاف العلماء رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة، ولتتجسد الفكرة أمامكم إليكم هذا المثل: موضوع المرأة في الحج إذا جاءتها الدورة الشهرية، فعند السادة الأحناف عليها أن تقدم جملاً، وثمن الجمل اليوم مئة وأربعون ألفًا، ومذهب آخر تصبح أميرة ركبها، فينتظرونها إلى أن تطهر وهذا مذهب الشافعية، فالموضوع الجمع بين المذاهب، والتفصيل، والبحث عن علة كل اتجاه في المذاهب، فلو أن هذه المرأة لها ابن في جدة، وجاءتها الدورة قبل أن تطوف طواف الإفاضة، وزوجها تاجر ولم يكونوا على عجلة من أمرهم، فذهبت إلى بيت ابنها في جدة، وانتظرت سبعة أيام حتى طهرت، فإنها قلدت المذهب الشافعي، هذا شيء جميل، فلو أنها في فوج، وهذا الفوج لا ينتظرها، ولا تملك ثمن جمل تنحره جزاء أمرها فماذا تفعل؟ عند المالكية تطوف البيت ولا شيء عليها، لأن هذا عارض سماوي، فلو فرضنا أنها امرأة ثرية، وذبحت هذا الجمل، وأطعمته الفقراء فلا مانع، فأحياناً تجد أن الأحناف حكمهم أمثل حكم، وأحياناً الشافعية، وأحياناً المالكية، فاختلاف أمتي رحمة، وفي حالات الإعسار نبحث عن الأسهل، وفي حالات اليسر نبحث عن الأحوط، ولا زلنا في الجمع بين الصلاتين في السفر أو في الحضر لأحد الأسباب، كالمطر ونحوه من ثلج وبرد، أي الظروف الجوية السيئة جداً، وهذه قد تدعو إلى الجمع في صلاة الجماعة، والجمع بعرفة ومزدلفة، وفيما سوى ذلك فموطن خلاف بين العلماء، وإن شاء الله في درس قادم ننتقل إلى بقية الأسئلة التي طرحت قبل أسبوعين، لأننا اتفقنا أنّ كل أول شهر نفتح الصندوق، ونأخذ الأسئلة ونجيب عن المهم منها في درس عام، وعن بعضها بشكل مباشر.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018