بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الصلاة - الدرس : 13 - صلاة الضحى والمكروهة - تحية المسجد - صلاة الحاجة - صلاة الاستخارة


1985-10-06

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تحية المسجد :

 أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الصلاة إلى تحية المسجد وصلاة الضحى وإحياء الليالي، فسن تحية المسجد بركعتين يصليهما الرجل في غيــر وقت مكروه، أي إذا دخل الرجل إلى المسجد قبيل المغرب ليس عليــه أن يصلي تحية المسجد لأن هناك في الفقه أوقات مكروهــــة، شروق الشمس إلى أن ترتفع، وانتصافها في كبد السماء إلى أن تزول، واصفرارها إلى أن تغرب، هذه الأوقات الثلاث مكروهة.
 فسن تحية المسجد بركعتين يصليهما الرجل في غير وقت مكروه قبل الجلوس، لقوله صلى الله عليه وسلم:

((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ))

[البخاري عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ]

 وأداء الفرض ينوب عنها، فإذا دخلت المسجد وصليت المغرب دمجت تحية المسجد في صلاة المغرب، أداء الفرض ينوب عن تحية المسجد، وكل صلاة أديتها في المسجد فور دخولك تنوب عن تحية المسجد، ولو كانت الصلاة بلا نية التحية، ولو صليت ركعتين نفلاً لله تعالى أو بما فاتك من قبل ولو لم تنوِ بهما تحية المسجد نابت عن تحية المسجد، و عند السادة الأحناف لا تفوت بالجلوس، فإذا الرجل دخل وجلس وبعد أن جلس تذكر أنه لم يحي المسجد ليقف ويصلِّ تحية المسجد، فإذا جلس لم ينته الأمر فلا تفوت عند الأحناف بالجلوس بعدها، وإن كان الأفضل فعلها قبل الجلوس، لكنك إذا جلست لن تسقط عنك تحية المسجد، أما الأفضل فأن تؤديها قبل أن تجلس، وأما إذا تكرر دخوله، إنسان مثلاً يعمل في المسجد دخل لحاجة، ودخل مرة ثانية، وثالثة، نقول: تصلى ركعتين مرة واحدة في اليوم، فإذا تكرر دخوله يكفيه ركعتان في اليوم، وندب أن يقول الرجل عند دخوله للمسجد: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك"، لأن الصلاة تجلِّ من الله عز وجل، إنسان دعاك إلى الطعام ولم يضع على الطاولة شيئاً، جلست ويوجد صحن وملعقة وفوطة، أين الطعام؟ هكذا الصلاة بلا إقبال، إذا الإنسان دخل إلى المسجد جوهر الصلاة أن يتنزل على قلبه رحمات من الله عز وجل، فحرام أن تزوره ولا يكرمك، "إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني وحق على المزور أن يكرم الزائر".
 وعند خروجه، خرج إلى دكانه، خرج إلى السوق، "اللهم افتح لي أبواب فضلك".

التجلي الذي يتجلى الله به على قلب المؤمن خير من الدنيا وما فيها :

 الإنسان عند حالتين إما أن يرحمك الله وأنت في بيته، وإما أن يتفضل عليك وأنت في عملك، هكذا المؤمن إذا صلى رحمه الله وإذا عمل تفضل الله عليه، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 32 ]

 إذاً التجلي الذي يتجلى الله به على قلب المؤمن خير من الدنيا وما فيها.

((رَكْعَتَا الْفَجْرِخَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا))

[مسلم عَنْ عَائِشَةَ]

 غدوة وروحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها.

((فَوَ اللَّهِ لأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))

[البخاري عَنْ أَبِي حَازِمٍ ]

من فعل شيئاً بخلاف ما قاله النبي فقد كذب النبي تكذيباً عملياً :

 الدنيا فيها أشياء ثمينة جداً بنظر الناس، وفيها أملاك واسعة، وأموال منقولة وغير منقولة، و فيها بيت، ثمنه اثنا عشر مليوناً، وفيها مزرعة ورحلات، فإذا كنت تصدق النبي صلى الله عليه وسلم فاسع في هذا السبيل، فالقضية ليست قضية معلومات، بل قضية سلوك ومواقف، فأنت تُقيّم من مواقفك، فإذا رجل سمع الحديث وآثر الدنيا على الآخرة فمعنى هذا أنه لم يصدق، وهذا تكذيب عملي، وهو أخطر من التكذيب القولي، لمّا تأخذ موقفاً معاكساً لِما تسمعه من رسول الله فهذا تكذيب ولكن من نوع آخر، تكذيب عملي هذا خطير، ولو أنك كذبت بلسانك لأقنعك الناس بخلاف ذلك، و لو قلت: هذا الكلام غير صحيح لأقنعوك بخلاف ذلك، وتقول أنه حق وتفعل خلافه، هنا الخطورة، فلمجرد أن تفعل شيئاً بخلاف ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام فأنت تكذب النبي تكذيباً عملياً. إذا قرأ الإنسان قوله تعالى:

﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾

[ سورة البقرة: 221 ]

 وطرق بابه خطيبان، خطيب ميسور الحال دخله كبير، ومتجره رائج، ولكن في دينة رقة، وخطيب آخر لا يملك من الدنيا شيئاً ولكن إيمانه قوي، فلو قرأ القرآن وقال: صدق الله العظيم، وآثر الغني على الفقير، الغني مع رقة دينه على الفقير المؤمن فهو قد كذب هذه الآية ولو قال صدق الله العظيم مليون مرة هو كذبها بفعله، وأخذ موقف تكذيب.
 ما الذي جعل المسلمين وهم ألف مليون وراء الأمم؟ ما الذي جعل كلمتهم ليست هي العليا؟ لأنهم قرؤوا القرآن، وجودوه، ورتلوه، وعرفوا أحكامه، وقالوا: صدق الله العظيم، وقبلوه من ستة وجوه وخالفوه في حياتهم اليومية، إذاً ليس لهم عند الله شأن، قال تعالى:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

[ سورة مريم: 59]

من أطاع الله و رسوله فقد فاز فوزاً عظيماً :

 ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا، البطولة أن تكون في مستوى هذا الدين، وأوضح مثل الآية الكريمة:

﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾

[ سورة الأحزاب: 71 ]

 فإذا خطر في بالك خاطر أن الصديق الفلاني وهو على معصيته و فجوره و كفره أعطاه الله من الدنيا كل شيء فشعرت بالحرمان فأنت لم تقرأ هذه الآية ولا مرة ولو قرأتها ألف مرة، قال تعالى:

﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾

[ سورة الأحزاب: 71 ]

 إذا كنت حقيقةً مطيعاً لله ورسوله فلابد من أن تشعر بالفوز.

صلاة الضحى :

 وندب ركعتين بعد الوضوء، هذه مندوبات أقل من السنن، درسنا في الماضي عن سنن الصلاة المؤكدة وغير المؤكدة وهذه مندوبات، وندب ركعتين بعد الوضوء وقبل جفافه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ))

[النسائي عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ]

 حصل إقبال حقيقي أي حصل صفاء، وحصلت مغفرة، ووجبت الجنة، وندب صلاة الضحى على الراجح وهي أربع ركعات لما رويناه قريباً عن عائشة رضي الله عنها:

((عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ ))

[أحمد عَنْ عائشة ]

 فلذا قلنا ندب أربع ركعات في الضحى، وقت الضحى ابتداؤه من ارتفاع الشمس رمحاً أو رمحين إلى قبل زوالها، هذا وقت الضحى، فإذا صلى الإنسان الصبح حاضراً وذكر وتفكر، وذكر الله، ونام واستيقظ الساعة الثامنة والنصف، وتوضأ ولبس وصلى، وانطلق إلى عمله، فهذه الصلاة مندوبة، و قبل الانطلاق من البيت خرجت على طهارة و إقبال.

((من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين ))

[الطبراني عن أبي الدرداء]

((مَنْ صَلَّى الضُّحَى اثنتي عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فِي الْجَنَّةِ))

[الترمذي و ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 ليس غافلاً، فالنبي الكريم له مقاييس دقيقة، قال مرة:

(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))

[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعا وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته، والشرك بدل الكبر، قال ابن الغرس ضعيف]

 وقال:

(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))

[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]

 ذكر الله صباحاً ومساءً وزاره شخص ذكر له الله، ومرة فكر بآياته، ومرة شرح حديثاً، ومرة شرح آية، هل هو منافق؟ لا ليس منافقاً لأنه أكثر من ذكر الله، وقال:

(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

 له وجهة نظر بالمصروف فالأشياء التافهة لا يهتم بها ويهتم بالأشياء الجوهرية.

صلاة الليل :

 وندب صلاة الليل خصوصاً آخره، وأقل ما يتنفل بالليل ثماني ركعات، ويمكن أربع ركعات، أو ركعتان، هذه نفل وندب، وقد قال تعالى:

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 17 ]

 قال بعض المفسرين: هذه الآية للذين يصلون في الليل والناس نيام، حينما يخلو كل حبيب بحبيبه، يقوم هذا المؤمن ليخلو بحبيبه وهو الله تعالى، "أتحب أن أجلس معك يا موسى؟ كيف ذلك يا رب وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني"، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإثْمِ وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ ))

[الترمذي عَنْ بلال]

 قال: لا تعصه في النهار ليوقظك في الليل.

صلاة الاستخارة :

 وندب صلاة الاستخارة، وهذه كلها مندوبات، وقد أفصحت السنة عن بيانها، قال جابر رضي الله عنه:

((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأمُورِ كُلِّهَا كَالسُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا هَمَّ بِالأمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ ))

[ رواه البخاري وأصحاب السنن عن جابر بن عبد الله ]

 فعندنا استشارة وعندنا استخارة، ومن صفات المؤمن لا يقدم على عمل مباح، إياك أن تظن أن الاستخارة في كل الأمور، فإنسان يريد أن يعمل معصية يستخير الله عز وجل، إنها في المباحات فقط، في التجارة، بشراء بيت، بشراء متجر، أو في رحلة، في سفر، هذه كلها أشياء مباحة وفي هذه الأشياء يوجد استخارة.

الاستخارة و الاستشارة :

 لكن النبي علمنا صلى الله عليه الاستخارة والاستشارة، الاستشارة لذوي العقول النيرة من المؤمنين، ومن استشار الرجال فقد استعار عقولهم، خبرة خمسين سنة في الموضوع، يريد أن يشتري محلاً اسأل أحد التجار الكبار الذين يعرفون بالصلاح، هل يصلح إلى المصلحة الفلانية؟ هذا البيت اسأل عنه هل عليه قص؟ الاستشارة لذوي العقول النيرة من المؤمنين، وأي شيء تقدم عليه استشر فإذا جاءك الجواب بالإيجاب فعندئذ استخر الله عز وجل، كيف الاستخارة؟

((... إِذَا هَمَّ بِالأمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ..))

 الله عز وجل هو العلام، علام الغيوب، العليم.

((... وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ...))

 الإنسان قد يقدم على عمل يكون فيه نهايته، وقد يقدم على صفقة يكون فيها تفليسه النهائي، وقد يقدم على شراء بيت فيكون فيه احتيال، فالذي باعك إياه ليس مالكاً، والذي باعك إياه سافر والمالك أقام عليك دعوى إخلاء، رد حيازة وأنت دفعت مليوناً، فالنبي الكريم صلى الله عليه كان إذا دخل السوق يقول: "اللهم إني أعوذ بك من صفقة خاسرة ومن يمين فاجرة".
 ويمكن بكامل ذكائك خبرة أربعين سنة بالأقمشة، أن تشتري صفقة قماش وتفلس من ورائها، فإذا الإنسان قال: أنا أوكله الله زلاته، من اتكل على نفسه أوكله الله إياها، أما المؤمن فقبل أن يعقد هذه الصفقة توجه إلى الله عز وجل وقال: "اللهم إني أعوذ بك من صفقة خاسرة ومن يمين فاجرة"، وحرام على الله عز وجل إلا أن يوفقه في هذه الصفقة، لا تقل أنا خبرتي عالية في هذا الموضوع، لي ثلاثون سنة في هذه المصلحة، كبار التجار وهم في أوج تجارتهم ومهارتهم وخبرتهم يرتكبون حماقات صعب تفسيرها لأنه يوجد واعتزاز بالنفس، اعتزاز بالخبرات، فليقل:

((... اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي...))

موضوع الدين أخطر شيء في حياة الإنسان :

 أول شيء في ديني، مصلحة مربحة جداً علاقتها بالنساء، والنساء كاسيات عاريات، فأول أسبوع داوم، والأسبوع الثاني غاب درساً، الثالث غاب درسين من ثلاثة دروس، و الرابع غاب ثلاثة دروس، وبعد ذلك لم نره، أين هو؟ نفسه تلوثت، علاقة بالنساء باستمرار، ضبط نفسه أول أسبوع ومن ثم انتهى، وأول شيء موضوع الدين أخطر شيء، مربحة غير مربحة؟

((... اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي...))

 الدعاء الشريف كان يقول صلى الله عليه وسلم:" اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر".
 فمن علامات قيام الساعة أن الرجل يمر بقبر رجل فيقول: ليتني مكانه، لأن النبي الكريم يقول:

(( إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأمركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 فهناك حالات الموت أشرف، والعرب كان لهم مثل جاهلي: المنية ولا الدنية، والآن عكسوا هذا المثل فأصبح: الدنية ولا المنية، ألف جبان ولا يقولون الله يرحمه هكذا يقولون.

الكسب و كسب الكسب :

((... وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي...))

 إذا فيه خطر على ديني، يمكن أن أعصي الله عز وجل، و أن آكل ربا، وأن أرتشي بهذه الوظيفة، وظيفة في مكان مغرٍ جداً أي عملية يتساهل بها خمسة آلاف، باليوم عشرة آلاف، باليوم مئة ألف أحياناً كل يوم، إذا كانت هذه الوظيفة سوف توفر لي دخلاً حراماً على حساب عرق الناس وتعبهم، سيكون كسبي من كسب الناس، وعندنا كسب وكسب الكسب، فإذا الإنسان فلح أرض وزرعها وأخذ المحصول وباعه هذا الكسب، إذا إنسان أخذ مال هذا الذي زرع الأرض وأنبتها، فهذا عدوان على الكسب ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( من أصاب مالاً من نهاوش أذهبه الله في نهابر))

[كشف الخفاء عن أبي سلمة الحمصي]

 النهاوش أي بالخداع، أو بالقهر، أو بالحياء، أو بالإيهام، أو بالختل، أو بأي طريق غير مشروع:

(( من أصاب مالاً من نهاوش أذهبه الله في نهابر))

 رجل عرض براداً للبيع في سوق الأدوات المستعملة، براد اثنا عشر قدماً، قال له: ضع لنا المأخذ الكهربائي، وضعه، فقال له: كم تريد ثمنه؟ قال: ثمانمئة، وهو يساوي ألفاً، فاشتراه، فكان هذا البراد ليس فيه محرك إطلاقاً فقط ضوء وهذا سارق، لعب عليه وأخذ المال، يذهب المال نهباً أي يذهب من حيث أتى، لا يمكن أن يكون المال حراماً وتنفقه نفقة فيها بركة إلا ويذهب من حيث أتى.
 أعرف رجلاً دخله غير مشروع اضطر أن يعمل صماماً لقلبه في أمريكا كلفه تسعمئة ألف ليرة، فكل الذي جمعهم لا يساوي ذلك، بين أن يكون القلب سليماً أو أن يكون بحاجة إلى صمام والعملية في دولة أجنبية، وبعد هذا صار نصف إنسان، الله عز وجل يحفظ الإنسان.
 في حياتنا أكثر من مليون طريق للدخل غير المشروع، أحياناً بالاحتيال، أو بالغش، أو الكذب، وحيناً بتعقيد مصالح المواطنين، حتى يدفع ييسرها، هذا أصاب مالاً في نهاوش فأذهبه الله في نهابر.

((... أَنَّ هَذَا الأمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ...))

 بعثة إلى دولة أجنبية، فإن كان ضعيف الإيمان و ذهب إلى هناك فزنى وشرب خمراً، وقال: نحن العرب لا نعقل شيئاً وهذه هي الدول الراقية، وصار إنساناً آخر، إذاً سوف تعود من البعثة بهذا الشكل؟ لا وليتك لم تذهب إلى هذه البعثة.

من ترك شيئاً لله فلن يعذب بسببه :

 أما دقة دعاء الرسول صلى الله عليه: "... وَاصْرِفْنِي عَنْهُ... " فأحياناً الإنسان يستخير الله عز وجل ويصرف عنه هذه البعثة، فيحترق قلبه بعد هذا، إذا احترق قلبه فمعنى هذا أن الله لم يصرفه عنها، صرفها عنه ولكن لم يصرفه عنها، فيجب أن يصرفها عنه ويصرفه عنها، لكن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال:

((الله أكرم من أن يعذب قلباً بشهوة تركت له))

[البيهقي عن أبي سليمان الداراني]

 يستحيل أن تترك شيئاً لله وتُعذب بسببه.

((... وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ ))

الاستخارة بالحج والجهاد وجميع أبواب الخير تحمل على تعيين الوقت فقط :

 قال: والاستخارة بالحج والجهاد وجميع أبواب الخير تحمل على تعيين الوقت فقط، إذا استخرت الله بالحج ليس معنى ذلك أن تحج أو لا تحج، الحج فرض ولكن هذا العام أم العام الثاني؟ قد تكون الاستخارة بالفرائض بالوقت فقط، وإذا استخار يمضي لما ينشرح له قلبه، وينبغي أن يكررها له سبع مرات لما روي عن أنس قال:

(( قال النبي عليه الصلاة والسلام: يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك سبع مرات ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإن الخير فيه))

[ ابن السني عن أنس]

 يقول لك: الحر قلبه دليله، هذه الكلمة لها أصل، وانظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإن الخير فيه.

صلاة الحاجة :

 الآن وندب صلاة الحاجة، رجل خطب وكتب كتابه، والعروس مناسبة جداً، ولكن لا يوجد بيت، والبيت هو الطامة الكبرى ماذا يفعل؟ نقول له: صلِّ صلاة الحاجة وهي ركعتان:

((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى اللَّهِ...))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الأسْلَمِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]

 جربوا وسترون، فمثل هذه القضية ليس لها حل أو صعبة جداً، ويبدو أنها مستحيلة أو حلها فوق طاقتك، أو فيها أزمة حادة:

((... مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ.... ))

 هل يا ترى الله عز وجل يلين قلبه أم يتشدد؟ إذا لين قلبه انحلت، وإذا تشدد منعها عنه.

((... فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ لِيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ أَسْأَلُكَ أَلا تَدَعَ لِي ذَنْبًا إِلا غَفَرْتَهُ وَلا هَمًّا إِلا فَرَّجْتَهُ وَلا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلا قَضَيْتَهَا لِي ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مَا شَاءَ فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ))

 يوجد دعاء آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم:

((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ ))

[الترمذي عَنْ أنسِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]

 فالذي لا يجد بيتاً، أو عملاً، أو وجد أحداً في وظيفته يزعجه كثيراً، فعليه بهذا الدعاء.

من توجه إلى النبي بقلب مخلص قبله الله عز وجل :

 ومن دعائه أيضاً:

((عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلاً ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يُعَافِيَنِي، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ لَكَ وَهُوَ خَيْرٌ وَإِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، فَقَالَ: ادْعُهْ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي قَدْ تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ ))

[ رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن عثمان بن حنيف]

 إذا أنت استنجدت بجاه الرسول صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل إذا كنت مخلصاًِ لا يخيبك، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم حاجاً ووقف ببابه الشريف وكان مفلوجاً فعافاه الله وقصته مشهورة جداً، وقد أصيب بفالج أقعده الفراش، فتاقت نفسه لزيارة النبي عليه الصلاة والسلام، وطلب من أقربائه شاباً قوياً شديداً عتيداً ينفق عليه في ذهابه إلى الزيارة والعمرة ويعطيه مكافأةً عشرة آلاف ليرة، فهو يحتاج إلى من يحمله، وهذه القصة وقعت ورواها لي أحد أصدقائي، وأثق بكلامه، وصلوا إلى المدينة المنورة، ووجدوا فندقاً مناسباً فقال له: هذا الفندق مناسب احجز به، وخذني إلى الحرم مباشرةً، أخذه هذا الشاب إلى الحرم فقال له: ضعني في هذا المكان مقابل القبة الخضراء و تعال الساعة التاسعة، جاء هذا الشاب في الساعة التاسعة والربع فلم يجده فصعق أين ذهب؟ فسأل عنه فقالوا له: كان هنا رجل وذهب سيراً على الأقدام، فذهب فرآه في الفندق جالساً.
 هذا الدعاء دقيق جداً، والله لي قريبة مضى على زواجها أكثر من عشر سنوات ولم تنجب طفلاً، وكاد زوجها أن يطلقها، وضاقت بها الدنيا، ذهبت إلى مقام النبي عليه الصلاة والسلام فسألته أن يكرمها بغلام، وفي نفس العام حملت، وبعد أن يئس الأطباء من شفائها، ويقولون: إنها عقيم، ولكنها توجهت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، في قلب مخلص واستقامة فالله عز وجل قبلها:

((... اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي قَدْ تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ ))

 معنى هذا الذين ينكرون جاه النبي صلى الله عليه وسلم، وينكرون الاستشفاع به، وينكرون الصلة به، وأن حياته خير ومماته خير، هؤلاء بعدوا جداً عن الحقيقة.

إحياء العشر الأخير من رمضان :

 وندب إحياء العشر الأخير من رمضان لما ندب عن عائشة:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ))

[مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا ]

 والقصد منها إحياء ليلة القدر فإن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، وسوف نتابع هذا الموضوع إن شاء الله في درس قادم.

 

* * *

الله عز وجل يحول بين المرء وقلبه و هو أقرب إليه من حبل الوريد :

 الباب الثاني في آداب الدعاء وفضله، وفضل بعض الأدعية المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وفضل الاستغفار، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 186 ]

 فهو أقرب إلينا من حبل الوريد، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، و في القرآن اثنتا عشرة آية مشابهة لهذه الآية، قال تعالى:

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 219]

 قل، قال تعالى:

﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة: 215]

 اثنتا عشرة آية إلا هذه الآية الوحيدة، وإذا سألك عبادي عني، فلا يوجد قول قل، استنبط العلماء من هذا، من انفراد هذه الآية بهذا الأسلوب أنه ما من حجاب بين العبد وربه، قال تعالى:

﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾

[ سورة النمل: 62]

الله عز وجل سميع مجيب :

 قال رجل: ذهبت أنا و أهلي في نزهة، و توقفت في مكان مرتفع يشرف على وادٍ سحيق، ذهبت لأحضر غرضاً، فابني حلّ المكبح فنزلت السيارة وفيها الزوجة والأولاد الخمس، فقال: يا رب إذا أنقذت لي أولادي وزوجتي كل شيء أملكه لك- قصة تكاد لا تصدق- السيارة وصلت إلى قعر الوادي وزوجته وأولاده في سلامة، وتصدق وباع بيته وتصدق به، والله أكرمه بعد هذا، مثلما تكلف فعل، وليس من المعقول أن تتدهور بل مستحيل سيارة في الوادي للقاع ويسلم الولد والزوجة! ولكن لأنه دعا الله بإخلاص:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 186 ]

 في هذا الموضوع يوجد قصص كثيرة جداً، هذه تؤكد أن الله سميع مجيب، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

الآية التالية من آيات الله عز وجل :

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ﴾

[ سورة طه: 45 ]

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾

[ سورة الشعراء: 61 ]

 وراءهم فرعون وجبروته وجنوده، لا بأس يوجد ثقة أن سيدنا موسى نبي سوف ينقذهم، ولكن البحر ظهر من جهة، وفرعون والجنود من جهة، وكلما اقتربوا من البحر تسربت الشكوك إلى نفوسهم، قال له قومه: انتهينا أين وعد الله؟

﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِي ﴾

[ سورة الشعراء: 62 ]

 اقتربوا من البحر ووصلوا إليه فضرب البحر، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴾

[ سورة طه: 77-78 ]

 هذه آية من آيات الله عز وجل.

وعد الله عز وجل قائم فعلى الإنسان أن يكون في مستوى الموعود :

 قوم سيدنا إبراهيم جمعوا الحطب لأسابيع، وأضرموا النار، وألقوه فيها، قال له سيدنا جبريل: ألك حاجة؟ قال: منك، قال: لا من الله، قال: علمه بحالي يغني عن سؤالي، قال تعالى:

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 69]

 فلو أنه الله عز وجل قال: برداً لمات من البرد، إله إبراهيم الذي أنجاه من النار، وإله سيدنا موسى الذي أنجاه من فرعون، وإله سيدنا يونس الذي أنجاه من بطن الحوت هو هو موجود، ولكن البطولة أن تكون أنت كما كانوا، قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 الوعد قائم بقي أن تكون أنت في مستوى الموعود.

القصص تلك ليست للتسلية بل لنستنبط منها الحقائق :

 اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، عندما دخل سيدنا يونس بطن الحوت، ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، الله سبحانه وتعالى سماها ظلمات ثلاثة، قال تعالى:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 87 ]

 في كل عصر ومصر، وفي كل زمان ومكان، وفي كل وضع، و في كل ظرف، في كل بيئة، وكذلك ننجي المؤمنين، كن مؤمناً واستفد من هذه الآية، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما تريد كفيتك ما تريد، وإذا لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد، هذا القرآن كلام رب العالمين، هذه القصص ليست للتسلية، بل لكي تستفيد منها و تستنبط منها حقائق تعيشها.

الله عز وجل يحب الملحين في الدعاء :

 قال تعالى:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة :186]

 وقال تعالى:

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

[ سورة الأعراف:55]

 سوف يأتي في هذا الدرس أو في درس آخر ما معنى المعتدين في هذه الآية بالذات، وقال تعالى:

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾

[ سورة غافر:60]

 إن الله يحب الملحين في الدعاء، إن الله يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع، ومن لا يدعني أغضب عليه، وقال تعالى:

﴿ قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾

[ سورة الإسراء:110]

 أنت تدعو سميعاً، و تدعو بصيراً، كريماً، رحيماً، غنياً، قهاراً، جباراً، فهذا جبار الخواطر، أو جبار على الأعداء، تدعو متكبراً، كلمته هي العليا، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾

[ سورة الأنعام:18]

 تدعو الرحمن، وتدعو الرحيم، وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم:

(( عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ثُمَّ قَرَأَ ( وَقَالَ رَبُّكُمُ أدعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) ))

[الترمذي عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ]

الله عز وجل خلق الإنسان ليسعد بقربه :

 و هناك حديث آخر:

((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ ))

[الترمذي عن أنس بن مالك ]

 كيف أخطر شيء في الإنسان وأثمن شيء؟ أحياناً تصاب يده بمرض فيبترون له يده ويبقى حياً ثلاثين سنة، أما إذا قطع رأسه ولا ثانية يعيش، أخطر شيء في الإنسان المخ، فإذا خلت العبادة من الدعاء فقد تلاشت العبادة.

((لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ ))

[أحمد و الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]

 فملخص الملخص أن الله عز وجل خلق الإنسان ليسعد بقربه، فإذا دعاه اتصل به وسعد بقربه، وإذا لم يدع الله شقي، فالناس رجلان:

((عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا فَالنَّاسُ رَجُلانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّاسُ ))

[الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ]

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلاثٍ إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ ))

[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]

 ثلاث حالات، المؤمن إذا خرج من بيته، وإذا دخل إلى عمله، وإذا عالج مريضاً، وإذا رافع في قضية، و إذا رسم مخططاً، وإذا قابل إنساناً، وإذا دخل إلى بيته، وإذا تناول الطعام، وإذا دعي إلى وليمة، وإذا انتهى من وليمة، وإذا دخل بيت الخلاء: "الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه"، إذا تحقق لك هدف: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ما تحقق الهدف: الحمد لله على كل حال، هذا هو الدعاء، أن تكون مع الله دائماً.

هـم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا  فليس لي عنهم عدل وإن عدلوا
والله إن فـتتوا في حـبهم كبدي  باق على حبهم راض بما فعلوا
فليتـك تحـلو والحيـاة مريـرة  وليتك ترضى والأنام غضــاب
ولـيت الـذي بيني وبينك عـامر  وبيني و بيـن العـالمين خراب
إذا صـح منك الوصل فالكل هين  وكـل الـذي فوق التراب تراب
وليـت شـرابي من ودادك سائغ  وشـربي من ماء الفرات سراب
***

 هذا حال المؤمن.

أثمن شيء معرفة الله عز وجل :

 لا أنسى قول النبي عليه الصلاة والسلام لسيدنا أبي بكر قال: "أبو بكر في الجنة"، و معظم الناس يتوهم أن مصيره في الجنة، لا الآن في الجنة، حياة المؤمن جنة، كيف الصحة؟ يقول لك: الحمد لله مغمور بفضل الله، ويكون دخله قليلاً، وأثمن شيء معرفة الله عز وجل و طاعته أثمن شيء، والمودة معه، مغمور بالفضل، كلام صحيح.
 وقال أبو ذر رضي الله عنه:

((يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح))

[ أحمد عن أبي ذر]

 وقال صلى الله عليه وسلم:

((سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ))

[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود]

 بُنيَّ آدم إن سألته يغضب، و إذا لم تقترب منه مادياً لا يوجد ألطف من هذا ولا أنعم من هذا، ولكن الله سبحانه وتعالى بالعكس إذا لم تطلب منه شيئاً يغضب منك، طلبت منه يفرح.

لا تسـألنّ بنـيَّ آدم حـاجة ً وسـل الـذي أبـوابه لا تغلق
فالله يغضب إن تركت سؤاله  وبنيَّ آدم حين يُسـأل يغضـب
***

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018