بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الصيام - الدرس : 10 - أحكام الصيام3 - فرضيته - شروط الوجوب والأداء - الأعذار المبيحة للفطر .


1990-03-18

 الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الصيام عبادة الإخلاص :

 الصيام عبادة الإخلاص
أيها الأخوة المؤمنون ، في الدرس الماضي الحديث عن شهر الصيام ، وقد تبين أن هذه العبادة لها طعم خاص ، إنها عبادة الإخلاص ، ففي كل أمر إلهي نهانا الله سبحانه وتعالى عن شيء يؤذينا بشيء ينفعنا ، أحلّ لنا الطيبات ، وحرم علينا الخبائث ، ولكن في هذه العبادة التي هي ذات طعم خاص الله سبحانه وتعالى نهانا عن المباحات ، فكل من ائتمر بأمر الله عز وجل فهو يؤكد لنفسه أن الله أحب إليه من الطعام والشراب ، إذاً لا يستطيع الإنسان أن يتّهم نفسه إذا ما أدى صيام رمضان إيماناً واحتساباً بأنه منافق .
 قال بعض العلماء : إن الصيام عبادة الإخلاص ، وهناك فوائد كثيرة ، كما قلت في الدرس الماضي ، إن أمر الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون له هدف واحد ، ولا هدفان، أهداف الصيام لا تعد ولا تحصى ، وكلما ارتقى الإنسان يكشف بعض هذه الأهداف ، على كلٍّ في وقت لاحق إن شاء الله تعالى نتابع الحديث عن فوائد الصيام .

أحكام الصيام :

 والآن إلى بعض أحكام الصيام التي نحن في أمس الحاجة إليها .
 قبل كل شيء الصوم ركن من أركان الإسلام الخمسة ، فالإسلام فيه خمسة أركان: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وصوم رمضان ، والصلاة ، وحج البيت ، والزكاة ، هذه هي أركان الإسلام ، فالصيام خُمس الإسلام ، في بعض الأحاديث يقول عليه الصلاة والسلام :

 

((عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ : عَدَّهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِي أَوْ فِي يَدِهِ التَّسْبِيحُ ، نِصْفُ الْمِيزَانِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلَؤُهُ ، وَالتَّكْبِيرُ يَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ ، وَالطُّهُورُ نِصْفُ الإِيمَانِ ))

[الترمذي عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ]

 إذاً الصوم ربع الإيمان ، خُمس الإسلام وربع الإيمان ، هو فرض عين ، وكلكم يعلم أن هناك فرضاً كفائياً ، الصيام فرض عيٍن أداءً وقضاءً ، فلو أن إنساناً كان معذوراً في رمضان لمرض أو لسفر ، أداء قضاء الصيام أيضاً فرض عين ، فالصيام فرض عين أداءً وقضاءً ، على من توافرت فيه شروط الوجوب ، ثبتت فرضية الصيام بالقرآن الكريم ، حيث قال الله عز وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 هذه آية فرضية الصيام إن شاء الله تعالى ، ستشرح بإذن الله في درس الجمعة القادم ، الذي يأتي قبل شهر الصيام ، وفي السنّة قال عليه الصلاة والسلام :

(( بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِة الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ))

[ البخاري وابن خزيمة عن عبد الله بن عمر ]

 وفي حديث آخر رواه الإمام البخاري ومسلم :

(( صُومُوا لِرُؤْيَتِه ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ،فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ ، فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 الأمر موجه إلى الجماعة ، المسلم إذا رأى الهلال ، أو إذا علم بظهور الهلال عليه أن يصوم ، صوموا أيها المسلمون جميعاً لرؤيته ، وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث : أنه يكفي أن يرى مسلم ثقةٌ عدلٌ هلال رمضان ، حتى يجب الصيام على كل المسلمين في شتى أقطارهم ، لو توافر نقل الخبر كما هي الحال الآن .

من أنكر فرضية الصيام فقد كفر :

 الآن من أنكر فرضية الصيام فقد كفر ، لماذا الصيام ؟ لا جدوى من هذه ، هذا سلوك غير معقول، من يقول هذا الكلام فقد كفر ، من أنكر فرضية الصيام فقد كفر ، كمن أنكر فرضية الصلاة والزكاة والحج ، ومن صام وترك الصلاة - وكثيراً ما يفعل هذا بعض الناس - ومن صام وترك الصلاة فقد ترك الأهم من أركان الإسلام ، لأنه كما بيّنا في الدرس الماضي الصيام من أجل الصلاة ، والحج من أجل الصلاة ، والزكاة من أجل الصلاة، والصلاة من أجل الصلة بالله عز وجل، فمن صام ولم يصلِّ فقد ترك الأهم ، فإن لم يكن مؤمناً بما ترك كان مرتداً لا ينفعه صوم ولا عبادة ، وإن كان مؤمناً بما ترك لكنه ترك هذا كسلاً أو غلبة كان فاسقاً ، وهذا فيما جاء في السنّة ، وأما الإجماع فقد أجمع علماء الأمة على فرضية الصوم ، وعلى أنه ركن من أركان الإسلام.

شروط وجوب الصيام :

 الحقيقة على من يجب الصيام ؟ لدينا شروط وجوب ، وشروط أداء ، وشروط صحة.
 حضوا أولادكم على الصيام صغاراً ليألفوه عند البلوغ
يجب الصيام على كل مسلم ، لأن الإسلام شرط الخطاب بفروع الشريعة ، أي إنسان مخاطب بأصل الشريعة .

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 21]

 الله سبحانه وتعالى دعا كل الناس قاطبة إلى معرفته ، وإلى عبادته ، فإذا آمنت بالله عز وجل أنت الآن معني بفروع الشريعة ، والصوم من أكبر هذه الفروع ، إذاً الصيام يجب على المسلم ، والعاقل أيضاً إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب ، ويجب على البالغ أن يكون الصائم مسلماً عاقلاً بالغاً ، في البلوغ كما تعرفون الاحتلام للفتى أو الفتاة ، أو الحيض بالنسبة إلى الفتاة ، وإلا فأن يبلغ الشاب أو الشابة خمسة عشر عاماً .
 لكن أيها الأخوة ، عليكم أن تحضّوا أولادكم في سن دون هذا السن على الصيام ليألفوا هذه العبادة، حتى إذا بلغوا السن الشرعي التي توجب الصيام كان الصيام عندهم مألوفاً.
 شيء آخر : العلم بالوجوب لمن أسلم بدار الحرب ، فالإسلام والعقل والبلوغ والعلم بالوجوب لمن أسلم بدار الحرب ، إذا الإنسان أسلم بدار الحرب ، ماذا يقابل هذه الدار؟ دار الإسلام ، هناك دار الإسلام ، ودار الأمان ، ودار الحرب ، الأرض فيها بلاد المسلمين ، إذا كنت مقيماً في بلاد المسلمين فلا عذر لك بالجهل ، مستحيل ، لا بد من أنك سمعت في مدرستك الابتدائية والإعدادية والثانوية وفي الجمعة وفي الخطب أو من أهلك... لا بد من أنك عرفت هذه الفريضة ، لذلك لا جهل في ديار الإسلام ، ولكم من أسلم في دار الحرب ، ودخل رمضان ، ولم يعلم بدخوله ، ولم يعلم بفرضيته فلا شيء عليه .
 إذاً الإسلام والعقل والبلوغ والعلم بالوجوب لمن أسلم بدار الحرب ، هذه شروط الوجوب .

شروط أداء الصيام :

 الآن ما شروط الأداء ؟ الصحة من المرض ، بالمناسبة أي أمر إلهي ، إن هذا الأمر من عند خالق الكون ، وخالق الكون هو خالق الإنسان وهو الذي يعرف ما يحتمل وما لا يحتمل ، لذلك حينما قال الله عز وجل :

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة الآية : 286 ]

 فأي أمر إلهي هو قطعاً في وسع النفس أن تفعله ، إذاً إذا دعوت إلى الله ، أو إذا حادثت إنساناً لا تقبل منه إطلاقاً أن يقول : لا أستطيع لأن أي أمر إلهي حينما أمرنا الله به ، الذي أمر هو الخالق، والخالق هو الخبير ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر: 14 ]

 فالأمر ضمن الوسع ، أما الله سبحانه وتعالى فإذا كان هناك عذر قاهر ، هو نفسه الذي أمر بالصيام أمر بالرخصة ، قال تعالى :

﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾

[ سورة البقرة: 184 ]

 إذاً يصح ترك الصيام في حالة المرض والسفر ، بالمناسبة : قد يقول قائل : السفر الشاق ؟ لا ، مطلق السفر يجيز الإفطار ، العلّة هي السفر ، والحكمة هي المشقة ، ولأن ضبط المشقة بالدقة صعب ، يا ترى هل هناك مشقة ؟ إنسان يسافر على فرس ولا يتعب وإنسان يركب طائرة ويتعب ، فلأن عنصر المشقة لا يضبط لذلك كانت العلة هي السفر أما المشقة فهي الحكمة من ترخيص الإفطار للمسافر .
 لكن الإنسان معه ميزان إذا سافر سفراً قصيراً مرتاحاً ، ليس هناك مشقة الأولى أن يصوم لقوله تعالى :

﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 184 ]

 شرط آخر : الخلوُّ من حيض ونفاس بالنسبة للمرأة ، فلا يجب الأداء على الحائض ولا النفساء ، ولا يجب الأداء على المريض ، هنا المشكلة ، من هو المريض ؟ هذا الذي يتوهم أن هذا المرض لا يناسبه الصيام هذا كلامه مردود ، المريض الذي يضره الصوم أو يؤخر شفاءه ، أو لا يحتمله لا برأيه بل برأي طبيبٍ مسلمٍ حاذقٍ ورعٍ تقيٍ ، لا يجوز أن تفطر برأيك ، إلا برأي طبيبٍ مسلمٍ حاذقٍ مخلصٍ .
 أما شروط صحة الأداء من أجل أن يكون الصيام صحيحاً فلا بد من النّية في وقتها كل يوم ، وكلكم يعرف نويت صيام هذا الشهر إيماناً واحتساباً .

النية تفرق العادة عن العبادة :

 سؤال : يا ترى لماذا النية ؟ لو فرضنا إنساناً في أيام الشتاء القصيرة استيقظ في الساعة الحادية عشرة ، وليس في نفسه رغبة للطعام فانصرف إلى عمله وانشغل به حتى غابت الشمس ، فأكل ، هل هذا صيام ؟ لا ، هذا عادة ، كيف نفرق العادة عن العبادة ؟ بالنية ، هناك فرق بين العادة والعبادة ، وأخطر ما في العبادة أن تصبح عادة لا معنى لها ، لذلك تأتي النية دائماً لتجعل من هذا السلوك سلوكاً تعبدياً لله عز وجل ، النية إذاً شرط صحة لا أداء.

سبب الصيام :

 ما سبب الصيام ؟ نحن لدينا قاعدة : هناك سبب أو شرط ، وقد يلتقي السبب مع الشرط ، مثلاً لو رجل مسافر في وقت مبكر وبقي لأذان الفجر نصف ساعة ، أبإمكانه أن يصلي مقدماً ؟ لا ، لأن دخول الوقت شرط لصحة الصلاة ، كذلك الصيام سببه شهود جزء من الشهر صالح للصوم ، لو شهدت جزءاً من الشهر صالحاً للصوم فقد وجب عليك الصيام ، كيف يشهد ؟ عن طريقين ، رؤية الهلال أو العلم بدخول شهر رمضان ، والإنسان أحياناً مشكلة صغيرة جداً يكبرها إلى درجة غير معقولة ، أنت إذا سمعت أن غداً أول أيام رمضان عليك أن تصوم من دون تعقيدات ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول : رؤية هلال رمضان ينذر ببدأ الصوم

 

(( صَومُكُمْ يَومَ تَصُومُونْ ، وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ ، وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ ، وَكُلُّ جَمْعٍ مَوْقِفٌ ))

 

[أبي داوود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 والإنسان ضمن مجموع فإذا رأى بأم عينه الهلال عليه أن يصوم ، أما إذا بلغه أن غداً أول أيام شهر رمضان فعليه أن يصوم ، غير مكلف كل مواطن أن يعمل قاضياً شرعياً ، كل مواطن على حدة ، لا ، فعلاً ظهر الهلال أو لم يظهر ، ما حكم صيامنا ؟ ما حكم فطرنا ؟ هذه فتنة ، أنت مسلم في بلد إسلامي ، ويوجد إنسان مسؤول عن هذا الأمر وهو القاضي الشرعي ، فإذا قال لك القاضي الشرعي : غداً أول أيام شهر رمضان ، انتهى الأمر ، أنت فرد مسلم ، ولست قاضياً شرعياً ، ولست خبيراً بالفلك ، هذا فوق طاقتك ، وذلك عن طريق رؤية الهلال أو العلم بدخول شهر رمضان ، وكل يوم من أيام رمضان سبب لأدائه ، فمن أسلم وبلغ في أيام رمضان وجب أن يصوم ما تبقى منه ، هذه قاعدة ، هذا هو السبب.
 أما الركن : فهو الكفّ عن قضاء شهوتي البطن والفَرجْ ، ترك سائر المفطرات، تعريف ألطف : ترك سائر المفطرات ، وعما أُلحِقَ بهما ، الدواء ليس غذاء لكنه ملحق بالغذاء ، من طلوع الفجر الصادق لأنه قبل الفجر هناك فجر كاذب ، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس .

حكم الصوم :

 حكم الصوم : سقوط الواجب في الذِّمة ، نحن دائماً الحكم له تعريف مادي ، وله تعريف آخر ، الصلاة لها أحكام ظاهرة ولها أسرار ، لها حكم ، ولها أحكام ، والصوم له حكم ، وله أحكام ، فحكم الصوم الظاهري سقوط الواجب من الذِّمة ، والثواب تكرماً من الله تعالى في الآخرة ، على شرط ألا يكون هذا الصوم منهياً عنه ، النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن صوم العيدين ، وعن صوم أيام التشريق ، وعن صوم يوم عرفة للحجاج ليَتَقَووا على الطاعة ، فإذا لم يكن هذا منهياً عنه ، فرجاء الثواب من الله عز وجل ، لكن نحن في درس الجمعة إن شاء الله حينما نتلو قوله تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 هذه لعل تفيد أن حكمة الصيام أن تصل إلى التقوى ، والتقوى لها تعاريف كثيرة إن شاء الله تعالى نأخذها في درس قادم .

الأعذار المبيحة للإفطار :

1 ـ المرض :

 الآن ما الأعذار المبيحة للإفطار؟ أولاً المرض ، لقوله تعالى :

﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾

[ سورة البقرة: 184 ]

 المرض الذي يضر معه الصوم يوجب إفطار صاحبه
المراد بالمرض : المرض الذي يضر معه الصوم ، هذه واحدة ، أو يزداد بالصوم ، أو يتأخر به الشفاء ، هذه الثالثة ، الرابعة : أو يحصل به مشقة شديدة لا تحتمل، أربع صفات ؛ المرض الذي يضر معه الصوم ، أو يزداد المرض بالصوم أو يتأخر ، ضرر زيادة تأخر بالصوم ، أو يحصل بالصوم مشقة شديدة لا تحتمل ، هذا هو المرض الذي يوجب الفطر ، أو إذا غلب على ظن الصحيح ، ما معنى إذا غلب على ظن الصحيح ؟ أي أيقن ، لدينا تَوَهم بالمئة ثلاثون ، وشَكّ بالمئة خمسون ، وظَن بالمئة سبعون ، وغلب على ظنه بالمئة خمس وتسعون عبارة أخرى تيقّن ، أما قطع فبالمئة مئة ، وَهْمْ شَك ظن غلبة ظن يقين قطع ، إذا غلب على ظن الصحيح أنه إذا صام سيحصل له مرض شديد بتجربة ، مثلاً معه قرحة فإذا ترك الطعام ساعتين أو ثلاث ساعات من دون حليب آلام لا تحتمل ، مصاب بقرحة مزمنة ، نقول : غلب على ظن هذا الصحيح غلب على ظنه بتجربة سابقة أن الصيام يؤذيه ، أو بإخبار طبيب مسلم صادق تقي ، فيجوز له الفطر أيضاً وعليه القضاء .
 اسمعوا الآن : أما ظن الصحيح المبني على ضعف إرادة ، وقلة عزيمة ، ووهم بأن جسمه لا يحتمل الصوم ، إذا ظن ظنوناً فقط ولم يغلب على ظنه ، فهذا الظن مبني على ضعف إرادة ، وعلى قلة عزيمة ووهم بأن جسمه لا يحتمل الصوم ، وأنه سيحصل له مرض بالصوم شديد فلا عبرة بظنه بل عليه أن يصوم ، وعندما تنهار قوته في أثناء الصيام ويخشى حدوث المرض أو أن يهلك ، عندئذ يفطر ويقضي ما عليه ، أحياناً يكون عندك يقين أو غلبة ظن ، بأنه من خلال تجربة سابقة أو عليك أن تبدأ بالصيام ، فإذا انهارت قوى الإنسان في أثناء الصيام عندئذ يفطر .

2 ـ الزمانة :

 قال : هناك سبب آخر للفطر وهو الزمانة ، الزمانة أي المرض المزمن ، هناك أمراض لا يُرجى شفاؤها ومزمنة ، في مثل هذه الحالة يعد هذا المرض المزمن عذراً للإفطار ، إلا أن عليه أن يدفع هذا المريض صاحب المرض المزمن فدية ، وهي نصف صاع من القمح الآن يعادل ألفي غرام أي اثنين كيلو قمح ، لكن على أي سعر ؟ على السعر الحر ، لدينا سعر مدعوم ، وسعر حر ، اثنان كيلو قمح على السعر الحر هذه فدية من يفطر بسبب مرض مزمن ، ويمكن أن تدفع ثمن القمح إلى فقير ، ليس شرطاً أن يكون الدفع قمحاً ، القمح الآن ممنوع نقله أساساً ، يمكن أن تدفع ثمن القمح إلى فقير .
 يجوز أن تُدفَع هذه الفدية لفقراء أو لفقير واحد ، ومن لم يقدر ، إنسان مصاب بمرض مزمن وفقير، نقول له : لا شيء عليك ، أما إذا شفي من هذا المرض فعليه القضاء وإن كان قد دفع فدية سابقاً ، هذا ماذا حصل معه ؟ هو دفع فدية على أساس أن مرضه مزمن والله عز وجل شفاه ، نقول له : هذه الفدية التي دفعتها من قبل تنقلب إلى صدقة ترميماً لهذا الإفطار ، بسبب مرض مزمن تنقلب إلى صدقة .

3 ـ الإكراه الملجأ بقتل أو قطع عضو أو ضرب مبرح :

 ما العذر الآخر الذي يبيح الإفطار ؟ الإكراه الملجأ بقتل ، لدينا قاعدة بالإسلام: الإسلام في الأصل جاء لحفظ الدين ، ولحفظ النفس ، ولحفظ العقل ، ولحفظ العرض ، ولحفظ المال ، فهذه الأشياء الخمس لو درست قوانين العالم ، لو درست كل الشرائع لا تزيد عن حفظ هذه المصالح الأساسية ، دين الإنسان ، هذا الدعاء الشريف : " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا " أنت بالدين تسعد في الدنيا والآخرة ، أنت تسير على نظام وعلى منظومة قيم ، تسير على تعليمات الصانع ، أنت مطبِق لتعليمات الخبير ، أنت مطبِق لدستور من عند حكيم عليم ، فالدين أصل صلاح الدنيا والآخرة ، هو في المقدمة ، حفظ النفس ، بقاء الحياة ، الحياة غالية جداً ، مثلاً أنت إذا كنت تصلي وأنت واقف بين يدي الله عز وجل ورأيت طفلاً كاد أن يقع في حفرة سحيقة ، من منكم يظن أو يصدق أن هذا المصلي إذا بقي يصلي فقد وقع في إثم كبير ، يجب أن تقطع صلاتك لإنقاذ هذا الطفل ، لأن الحياة عند الله غالية جداً ، إذاً الحياة تأتي بعد الدين ، لكن بالترتيب ، لذلك يجوز بذل النفس حفاظاً على الدين ، وهذا هو الجهاد ، دائماً الأدنى يبذل من أجل الأعلى ، نبذل حياتنا من أجل الدين ، ونبذل المال من أجل الحياة ، لو إنسان قال لك : إما أن تدفع لي أو أقتلك؟ لا خذ ، أنت لست آثماً لأن الحياة أغلى من المال ، والعقل كذلك والعرض والمال وهكذا....
 بالمناسبة الدين والحياة والعقل والعِرض والمال ، هذه أيضاً في كل واحدة منها ضرورات وحاجات ومتممات ، لك أن تضحي بالمتمم من أجل الحاجة ، ولك أن تضحي بالحاجة من أجل الضرورة ، إذاً عندك شكل فيه خمسة حقول أفقية وثلاثة حقول عرضية مجموعهم خمسة عشر بنداً ، مثلاً : كشف العورة حرام ، لكن امرأة مريضة ، ومرضها وبيل والطبيب رجل ، نُضَحي بهذا الحكم من أجل الحفاظ على الحياة ! هذه قاعدة دقيقة جداً، إذاً الإكراه الملجأ بقتل أو بقطع عضو أو ضرب مبرّح هذه أعذار تجيز لصاحبها أن يفطر.
 أما أن تقول : أخاف أن أصوم فيأخذون عني فكرة ، لا سيدي صم ولا عليك شيء ، دعهم يأخذون عنك فكرة ، أخاف أن أصوم فأحرج الآخرين هذا كلام الفسّاق أساساً الإكراه الملجأ بقتل ، أو قتل عضو ، أو ضرب مبرح ، هذا الذي يبيح الفطر .

4 ـ الشيخوخة :

 الشيخوخة وهي العجز الذي يصيب الرجل أو المرأة بسبب كبر السن ، فيعجز عن الصوم إلا بمشق ، أمامه صندوق كبير من الأدوية بعضها قبل الطعام بساعة ، وأدوية مشكلة ملونة ، وبحاجة إلى مواد مغذية ، وبقي جلدة وعظمة فممكن بهذه الحالة أن يفطر الشيخوخة سبب كاف للإفطار
فالشيخوخة سبب كاف للإفطار ، على أن يدفع عن كل يوم يفطره فدية كما تعلّمنا قبل قليل ، نصف صاع من البر .

5 ـ الحمل و الإرضاع :

 الحمل والإرضاع أيضاً عذران يجيزان الفطر لكن النساء أنواع ، هناك امرأة وهي حاملة وهي مرضعة ذات بنيةٍ قوية ، أما هناك امرأة فإذا حملت وَهَنَ جسمها ، وربنا عز وجل قال :

﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة لقمان: 14]

 والإرضاع كذلك ، الإرضاع يقع بالدرجة الأولى ، الآن بلغني حتى كل شركات الحليب للصغار.... لا شيء يعادل حليب الأم لماذا ؟ لأن هذا الحليب أولاً يأتي هذا الطفل معقماً ، ويأتيه بارداً في الصيف دافئاً في الشتاء ، ويأتيه معيّراً تعييراً يومياً ، نحن بعلب الحليب التعيير شهري ، كل أربعة أسابيع نضيف ملعقة ، العلماء قالوا : تعيير حليب الأم يومي ، وفي هذا الحليب مادة تمنع التصاق الجراثيم بالأمعاء ، وفي هذا الحليب مادة تطهر الأمعاء ، لذلك أغلب الإرضاع الطبيعي الطفل ينجو من التهابات الأمعاء ، وإذا سألتني عن أكثر أمراض الأطفال شيوعاً لقلت لك : الإنتانات المعوية ، وحليب الأم فيه كل مناعة الأم ، كل مناعتها ، جميع اللقاحات التي تلقحتها الأم موجود في حليبها ، لذلك لا شيء يعدل حليب الأم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018