بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الصيام - الدرس : 06 - اختلاف المطالع - الاعتكاف


1988-04-17

 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

اختلاف المطالع :

 أيها الأخوة المؤمنون ، موضوع اليوم موضوع شغل الناس جميعاً ، فبعض الناس في حيرةٍ من أمرهم في موضوع الصيام ، رأى العلماء أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :

(( صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُم عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ ))

[ مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ]

 صوموا فعل أمر أسند إلى الجماعة ، أي أيها المسلمون صوموا جميعاً لرؤيته ، لمطلق الرؤية ، ويا أيها المسلمون أفطروا جميعاً لرؤيته ، لذلك هذا الموضوع ينقلنا إلى بحث في الفقه اسمه اختلاف المطالع ، اختلاف المطالع كيف أن الأرض كروية تدور حول نفسها وتسبح في دورانها حول نفسها حول الشمس ، ففي دورتها حول نفسها تشرق الشمس على كل بقعة في الأرض في وقت غير الوقت التي تشرق فيه على بقعة أخرى ، فاختلاف مطالع الشمس شيء ثابت في الواقع وفي الشرع ، ففي كل بلد مواقيت لأداء الصلوات الخمس، قد يستمع الإنسان إلى أذان المغرب في بلد مسلم قبل نصف ساعة من أذانه في بلده ، فاختلاف مطالع الشمس شيء ثابت واقعاً وثابت شرعاً ، وليس هذا الاختلاف موضوع نزاع بين المسلمين من عهد النبي عليه الصلاة والسلام وإلى هذه الأيام لكل بلد مواقيته الخاصة في أداء الصلوات الخمس ، لأن مطلع الشمس يختلف من بلد إلى آخر.

الأصل في الصيام رؤية الهلال رؤية مطلقة و ممكنة :

 الآن القمر في دورته حول الأرض يتم دورةً كاملةً حول الأرض في مدة تقترب من مدة دورة الأرض حول نفسها ، لو أن هناك تطابقاً في دوران القمر حول الأرض مع دوران الأرض حول نفسها لبقي القمر ثابتاً في مكان موازياً للأرض لا يتغير ، ولكن هناك فارقاً وتفاضلاً بين دورة القمر حول الأرض ودورة الأرض حول نفسها ، هذا التفاضل يجعل للقمر مطالع كما للشمس مطالع ، بل إن مطالع الشمس تختلف من بلد إلى آخر ، أي وقت الفجر في دمشق غيره في بيروت ، غيره في بغداد ، غيره في دلهي ، غيره في الصين ، لكل بلد مطلع شمس خاص به ، وأيضاً لكل بلد مطلع قمر خاص به ، وكما أن مطالع الشمس مختلفة كذلك مطالع القمر مختلفة ، لكن مطالع الشمس يبنى عليها اختلاف مواقيت الصلاة في كل أقطار العالم الإسلامي ، وهذا ليس محل نزاع من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام جعل رؤية الهلال شرطاً من شروط الصوم، صوموا أيها المسلمون جميعاً لرؤيته ، فالصوم موجه إلى كل المسلمين ، والرؤية مطلقة ، أي إذا رجلاً واحداً عدلاً ثقةً رأى الهلال وصحت شهادته ونقلت للناس هذه الشهادة وجب الصوم على كل مسلم ، هذا مذهب الأحناف أن الأصل في الصيام رؤية الهلال رؤيةً مطلقة ورؤيةً ممكنة ، تصوروا أن العالم الإسلامي المترامي الأطراف قبل ألف عام لم يكن هناك تواصل إعلامي ولا لاسلكي ولا هاتف ولا شيء من هذا القبيل ، لو أن أهل الشام رأوا الهلال كيف السبيل إلى أن ننقل هذا الخبر إلى أهل العراق أو إلى أو إلى المغرب أو إلى أهل شمال إفريقيا ؟ حينما يكون التواصل الإعلامي متعذراً فكل بلد يرى الهلال يصوم هذا البلد وفق رؤية الهلال ، فإذا أصبح العالم الإسلامي وحدةً إعلاميةً واحدة فممكن أن يصوم الجميع لرؤية واحد من هؤلاء ، بشرط أن يكون هذا العالم الإسلامي موحداً ، فإذا كان لكل بلد إسلامي أمير مسلم وله قاضٍ للشرع هو المخول في إثبات الهلال أو عدم الإثبات ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَكُلُّ جَمْعٍ مَوْقِفٌ ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 فصار على الإنسان أن يبقى مع المجموع ، لأن هناك جهةً موكلةً من قبل الأمير لتحري هلال رمضان ، هذه الجهة بسبب أنه قد غمَّ علينا فالنبي عليه الصلاة والسلام قال :

((... فَإِنْ غُمَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ))

[ البيهقي عن أبي هريرة ]

 صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ
وهذا وفق الشرع ، وعندها يبدأ الصيام في اليوم الذي يلي اليوم الثلاثين من شعبان بعض الأشياء التي يجب أن نأخذ بها ، الفقهاء اتفاقهم حجةً قاطعة واختلافهم رحمة واسعة ، أي حينما يكون العالم الإسلامي موحداً ، والتواصل الإعلامي متعذراً ، فكل بلد له مطلعه الخاص إذا رأى الهلال يصوم وإذا رآه يفطر ، إذا رأى هلال رمضان يصوم ، وإذا رأى هلال شوال يفطر ، وإذا كان العالم الإسلامي موحداً والتواصل الإعلامي موجوداً الأفضل أن يصوم جميع المسلمين في يوم واحد وهذا ما نطمح إليه ، على كلٍّ النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نكون مع المجموع ، وأن نكون مع الجهة التي أوكل إليه أمر إثبات شهر الصيام ، فنحن لا نملك أن نصوم من تلقاء أنفسنا ما لم يكن هناك إثبات شرعي لشهر الصيام ، هذا الكلام ملخص الموضوع ولكن من القواعد الأصولية أن أمر الحاكم يلغي الخلاف ، مادام لم يثبت من الجهة الرسمية أن رمضان اليوم فالموضوع ألغي الخلاف فيه لأنك أنت مسلم في جماعةٍ مؤمنةٍ ، فيها جهة مسؤولة عن إثبات الشهر ، وعن إعلان الإثبات، فأنت تابع لهذا المجتمع الذي يتصرف وفق القواعد الشرعية ، هذا ملخص الموضوع.

على الإنسان أن يكون مع المجموع في صيامه و إفطاره :

 لكن لماذا بقي الموضوع على الرؤية ؟ لأنه كما قلت قبل قليل : أحياناً يكون التواصل الإعلامي متعذراً والعالم الإسلامي موحد فصعب أن نبلغ الأقطار ، ثم هناك ناحية مهمة : الأقطار الإسلامية إذا تباعدت على خطوط العرض فاختلاف المطالع حتميٌ أما إذا تباعدت على خطوط الطول فاختلاف المطالع وهمي ، لأن الأرض في دورتها حول نفسها وفي دورة القمر حولها خطوط الطول تشكل مطلعاً موحداً ، أما خطوط العرض تشكل مطالع متباينة ، لذلك من الطبيعي أن يرى هلال رمضان في الهند ولا يرى في المغرب ، حتى أن بعض العلماء قالوا : من ضوابط التباعد بين الأقطار الإسلامية أن يشترك القطران معاً في الليل فهذا من دواعي التقارب ، أما هناك أقطار إسلامية بعضها نهار وبعضها ليل ، لو أخذنا الفيلبين مع المغرب فقد يتناقض الليل مع النهار ، إذاً اختلاف المطالع حقيقةٌ واقعة لا شك فيها ، ولكن العلماء بين من يأخذ بها وبين من لا يأخذ بها ، هناك من أخذ بها وهناك من لم يأخذ بها ، اتفاق الأئمة حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة ، وصومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون ، والإنسان أولى أن يكون مع المجموع في صيامه ، وفي إفطاره ، وفي وقفته ، وفي كل مناسباته الدينية.
 قال بعض العلماء تعليقاً على قوله تعالى :

﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 185 ]

 أي الإنسان قد يتبادر له أن كلمة شهد الشهر أنه رأى القمر ، شهد الشهر أي أدركه رمضان وهو مقيم في أهله وبلده وهو مكلف وصحيح ومعافى وعالم بدخول الشهر ، عندئذ وجب عليه الصوم .

 

* * *

 

الاعتكاف :

 الآن ننتقل إلى موضوعه الاعتكاف ، كثير ما يسأل بعض الأخوة عن حكم الاعتكاف في الإسلام ، الاعتكاف في اللغة لزوم الشيء وحبس النفس عليه خيراً كان أو شراً، في كل الموضوعات الفقهية يبدأ علماء الفقه بالتعريف اللغوي ، ما هذه الأصنام التي أنتم لها عاكفون ؟ العكوف لزوم الشيء وحبس النفس عليه خيراً كان أو شراً ، قال تعالى :

﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾

[ سورة البقرة : 187 ]

 الإنسان أولى أن يكون مع المجموع في صيامه وافطاره
أي مقيمون متعبدون لها ، والمقصود به هنا لزوم المسجد والإقامة فيه بنية التقرب إلى الله تعالى ، قد يقول أحدكم : لا نرى أحداً يعتكف في المسجد ، أنا أريد من هذا الموضوع أن أصل إلى روح الموضوع ، روح الموضوع أن ينقطع الإنسان عن مشاعر الدنيا في رمضان ، وأن يكثر من الانفراد والتعبد وتلاوة القرآن ، والإقبال على الله سبحانه وتعالى.
 أجمع العلماء على أن الاعتكاف مشروع ، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يعتكف في كل رمضان عشرة أيام :

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 في أواخر رمضان ، أي قياساً على هذا ؛ الإنسان إذا كان بإمكانه أن يفرغ نفسه في العشر الأخير من رمضان ، يلزم المسجد إذا أمكن ، وإذا ما أمكن أن يلزم بيته ما أمكن ، يبتعد عن القضايا التي تشوش عليه حياته وصفاءه ، أنا أريد أن أسهل عليكم الأمر ، إذا كان بإمكان الشخص أن يترك عمله إذا كان عمله حراً وغير مقيد بدوام وفي بحبوحة ولا يوجد شيء ملزم وأن يعتكف في المسجد أكمل شيء ، ما تمكن في المسجد يعتكف في البيت شيء جيد جداً ، ما تمكن أن يعتكف في البيت القضايا التي من شأنها أن تعكر عليه صفاءه عليه أن يبتعد عنها خلال هذا العشر من أواخر شهر رمضان.

 

أقسام الاعتكاف :

 الاعتكاف كما يقسمه العلماء ينقسم إلى اعتكاف مسنون وإلى اعتكاف واجب الاعتكاف الواجب ما أوجبه المرء على نفسه
وفي بعض الكتب يقسم إلى اعتكاف مسنون وإلى اعتكاف مستحب وإلى اعتكاف واجب ، فالمسنون أي ما كان في حكم السنة ، ما تطوع به المسلم تقرباً لله عز وجل ، وطلباً لثوابه ، واقتداءً بالنبي صلوات الله عليه ، ويتأكد هذا الاعتكاف بالعشر الأواخر من رمضان كما تقدم، والاعتكاف الواجب ما أوجبه المرء على نفسه إما بالنذر المطلق كأن يقول : لله علي أن أعتكف كذا وكذا ، نذر على نفسه أن يعتكف بضعة أيام في المسجد أو في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي الشريف ، فمن ألزم نفسه أي نذر على نفسه أن يعتكف أياماً معدودات في مسجد مخصص فهذا اعتكاف واجب ، وهو اعتكاف مطلق ، وهناك اعتكاف معلق أي اعتكاف واجب بالنذر المعلق ، كأن يقول : إن شفى الله مريضي لاعتكفن كذا وكذا ، وفي صحيح البخاري :

(( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ ))

[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا]

 وفيه :

((عَنْ عُمَرَ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ أَوْفِ بِنَذْرِكَ ))

[ متفق عليه عَنْ عُمَرَ]

زمان الاعتكاف :

 زمان الاعتكاف الواجب يؤدى حسب ما نذر هو وسماه الناذر ، فإن نذر الاعتكاف يوماً أو أكثر وجب الوفاء بما نذر ، أما الاعتكاف المستحب فليس له وقت محدد فهو يتحقق بالمكث في المسجد مع نية الاعتكاف طال الوقت أم قصر ، المستحب كلما دخلت المسجد ومكثت فيه فأنت معتكف ، والاعتكاف بهذه الطريقة اعتكاف مستحب ، ويثاب المسلم في اعتكافه مدة بقائه في المسجد ، فإذا خرج منه ثم عاد إليه جدد النية إن قصد الاعتكاف ، أي أنتم في هذا المسجد مع بقائكم ساعة أو أكثر أنتم معتكفون في هذا المسجد لأنكم تركتم كل علائق الدنيا ، وأتيتم لتتعلموا شيئاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو من سيرة التابعين الأجلاء ، أو من بعض أحكام الفقه ، فهذا اعتكاف أيضاً ولكن اعتكاف مستحب.
 وللمعتكف أن يقطع اعتكافه المستحب متى شاء ، مادمت في اعتكاف مستحب لك أن تقطعه متى شئت قبل قضاء المدة التي نواها.

(( عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ أَرَادَ الاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ : آلْبِرَّ تُرِدْنَ فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ ))

[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا]

 كانت تضرب له قبة في المسجد ليعتزل الناس ، كأن النبي عليه الصلاة والسلام ما ارتاحت نفسه لهذا التنافس في الاعتكاف ، وكأنه أشعر السامع أن نساءه كن أقرب إلى أن يظهرن بمظهر المعتكفات من هن بالوضع الذي أراده النبي عليه الصلاة والسلام ، فأمر ببنائه فقوض وأمر أزواجه بأبنيتهن فوقضت ، ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأواخر أي من شوال ، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام نساءه بتقويض أبنيتهن وترك الاعتكاف بعد نيته فيه، وهذا دليل على قطعه بعد الشروع فيه ، وفي الحديث أن الرجل له أن يمنع زوجته من الاعتكاف بغير إذنه وإليه ذهب عامة العلماء.

شروط الاعتكاف و أركانه :

 الآن شروطه : المعتكف يجب أن يكون مسلماً ، مميزاً ، طاهراً من الجنابة والحيض والنفاس ، فلا يصح من كافر ولا صبي غير مميز ، ولا جنب ، ولا حائض ، ولا نفساء ، أما أركان الاعتكاف فمن أبرز أركانه المكث في المسجد بنية التقرب إلى الله تعالى ، فلو لم يقع المكث في المسجد ، أو لم تحدث نية الطاعة ، لا ينعقد الاعتكاف إن لم يكن المكث في المسجد ، أو إن لم تكن النية هي التقرب إلى الله عز وجل ، فإن الاعتكاف لا يصح ، أما وجوب النية فلقول الله تعالى :

﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾

[ سورة البينة : 5]

 النية والتواجد في المسجد من شروط صحة الاعتكاف
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم :

((عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ مسلم عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عنه ]

 وأما أن المسجد لابد منه فلقول الله تعالى :

﴿ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾

[ سورة البقرة: 187]

 إذاً الاعتكاف في المسجد .
 إذاً من أركانه أن يكون بنية ، وأن يقتضي المكث ، وأن يكون في المسجد ، والعلماء اختلفوا في نوع المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف ، فمنهم من قال : إنه يجب أن يكون في المسجد الجامع ، والمسجد الجامع هو المسجد التي تؤدى به الصلوات الخمس وتؤدى به صلاة الجمعة ، وهناك مسجد تؤدى به الصلوات الخمس فقط ، وهناك مسجد ليس له إمام ولا مؤذن يسمى مصلى ، بعضهم قال : في أي مسجد كان ، وبعضهم قال : في المسجد الجامع ، وبعضهم قال : في أي مسجد تؤدى فيه الصلوات الخمس وله إمام وله مؤذن.

 

صوم المعتكف :

 الآن صوم المعتكف ، المعتكف إن صام فحسن وإن لم يصم فلا شيء عليه ، أي اعتكاف هذا ؟ قلنا قبل قليل : هناك اعتكاف واجب ، الذي يجب بالنذر المطلق أو المقيد، وهناك اعتكاف مستحب ، وهناك اعتكاف مسنون ، الاعتكاف المسنون هو ما كان بالعشر الأواخر من رمضان فأنت صائم حكماً ، أما الحديث عن الصيام مع الاعتكاف فهذا في الاعتكاف المستحب أو الاعتكاف الواجب بالنذر المطلق أو المقيد ، فقد روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمراً قال : " يا رسول الله إني نذرت بالجاهلية أن أعتكف ليلاً في المسجد الحرام ، فقال : أوفِ بنذرك "
 ففي أمر النبي عليه الصلاة والسلام له بالوفاء بالنذر دليل على أن الصوم ليس شرطاً في صحة الاعتكاف ، أي كلما دخلت المسجد وأردت أن تبقى فيه تقرباً إلى الله تعالى تتلو فيه القرآن الكريم ، أو تعلم الناس القرآن ، أو تقرأ كتاباً في العلم الشريف ، أو كتاباً في التفسير ، أو كتاباً في الحديث ، أو كتاباً في الفقه ، أو كتاباً في السيرة ، أو أن تذكر الله خالياً، أو أن تأمر بالمعروف ، أي عمل يؤدي إلى مرضاة الله عز وجل فهو عمل مباح في أثناء الاعتكاف.
" وروى سعيد بن منصور عن أبي سهل قال : كان على امرأتي من أهلي اعتكاف فسألت عمر بن عبد العزيز فقال : ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها "
 وقال بعض التابعين وهو طاوس : " كان فلاناً لا يرى عليها صياماً إلا أن تجعله على نفسها " ، وقال عطاء بن رباح وهو تابعي أيضاً : " ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها " ، وقال الحسن البصري : " من اعتكف من غير صيام أجزأه " وإليه ذهب الشافعي.
 وروي عن علي وابن مسعود أنهما قالا : " إن شاء صام وإن شاء أفطر " هذا في الاعتكاف.

ما يستحب في الاعتكاف :

 المستحب في كل أيام العام أو في الاعتكاف الواجب بالنذر المطلق أو النذر المقيد، وكان النبي عليه الصلاة والسلام :

(( ... إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ...))

[ البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا]

 معناه أنه كان يدخل المكان الذي أعده للاعتكاف في المسجد ، أما وقت دخول المسجد للاعتكاف فكان أول الليل ، يستحب للمعتكف أن يكثر من نوافل العبادات ، أن يصلي ، أن يذكر ، أن يسبح ، أن يهلل ، أن يكبر ، أن يحمد ، فالتسبيح والتهليل والتكبير والحمد وتلاوة القرآن ، هذا كله مما يستحب للمعتكف ، وأن يشغل نفسه بالصلاة وقراءة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار والصلاة والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام والدعاء ، ونحو ذلك من الطاعات التي تقرب إلى الله تعالى ، وتصل المرء بخالقه جل ذكره ، ومما يدخل في هذا الباب دراسة العلم واستذكار كتب التفسير والحديث وقراءة سيرة الأنبياء والصالحين وغيرها من كتب الفقه والدين .

ما يكره للمعتكف :

 ويكره للمعتكف أن يشغل نفسه بما لا يعنيه من قول أو عمل لما رواه الترمذي وابن ماجة :

(( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ))

[ ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 ويكره للمعتكف الإمساك عن الكلام ظناً منه أن ذلك مما يقرب إلى الله تعالى :

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلا يَقْعُدَ وَلا يَسْتَظِلَّ وَلا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ))

[ أبو داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]

((عن عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ وَلا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ ))

[ ابن ماجة عن عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه ]

 ما عمرك أخي ؟ خمسة وأربعون ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا ))

[ مسلم عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ]

 من هذه التي تمشي معه ؟ كم كان النبي عليه الصلاة والسلام حريصاً على سلامة صدر أصحابه ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام مما ورد في الأثر : " رحم الله عبداً جب المغيبة عن نفسه "
 البيان يطرد الشيطان
سيدنا علي يقول رضي الله عنه : " لا تضع نفسك موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك " ، وقد قيل : " البيان يطرد الشيطان " ، الإمام الشافعي علق على هذه القصة ، قال : إن ذلك كان منه شفقةً عليهما ، هذا التصرف من رسول الله عندما قال : على رسلكما ، لأنهما إن ظنا به ظن السوء كفرا ، فبادر النبي عليه الصلاة والسلام إلى إعلامهما لئلا يهلكا.
 كل واحد منا كمسلم أو كمؤمن مظنة صلاح ، مظنة استقامة ، مظنة طهر ، مظنة عفاف ، إذا فرضنا أن إنساناً له محل تجاري وزارته أخته في المحل ورحب بها ، ويوجد عنده أخ جالس في مكان آخر يقول له : هذه أختي لأنه رحب بها ترحيباً يختلف عن ترحيب امرأة عادية تدخل لتشتري ، تثير الشك ، قل لأخيك الذي في المحل أيضاً ، قل له : هذه أختي ، هذا من حسن إسلام المرء أن يدفع عن نفسه مظنة السوء ، والبيان يطرد الشيطان.
 فقال الإمام الشافعي : كان هذا منه شفقةً عليهما لأنهما لو ظنا به ظن السوء لكفرا فبادر لإعلامهما لئلا يهلكا ، وقال الإمام الشافعي : إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا ، أنتم أيها المؤمنون إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا ، أي إذا أنت في مكان وهناك ثياب معلقة ومددت يدك إلى جيوب أحد هذا الثوب رآك إنسان اندهش قل له : هذا ثوبي آخذ منه حاجة لكيلا يظن بك الظنون ، أو هذا ثوب صديقي كلفني أن أعطيه القلم منه ، كل حركاتك وسكناتك اجعل نفسك كالصفحة البيضاء ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ))

[ ابن ماجه عن العرباض ]

ما يجوز للمعتكف :

 شيء آخر : أجاز العلماء أن يخرج المعتكف من مكان اعتكافه لحاجةٍ ضرورية، أي إيصال زوجته إلى البيت هذه حاجة ضرورية ، أيضاً يؤخذ منها أن الإنسان الأفضل دائماً يوصل أهله إلى المكان الذي هم بحاجة إلى الوصول إليه دون أن يتركهم وحدهم عرضةً لبعض الأخطار .
 الشيء الثاني : ترجيل شعره ، وحلق رأسه ، وتقليم أظافره ، وتنظيف بدنه من الشعث والدرن ، ولبس أحسن الثياب ، والتطيب بالطيب ، هذا كله جائز في المعتكف.

(( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ مُعْتَكِفًا فِي الْمَسْجِدِ فَيُنَاوِلُنِي رَأْسَهُ مِنْ خَلَلِ الْحُجْرَةِ فَأَغْسِلُ رَأْسَهُ وَقَالَ مُسَدَّدٌ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ ))

[ أبو داود عَنْ عَائِشَةَ]

 أي كان يخرج ليغسل رأسه أو ينظف بدنه أو ليقضي حاجة .
 الشيء الآخر الخروج للحاجة التي لابد منها ، الإنسان له حاجة ، الإنسان من حين لآخر يحتاج إلى أن يخفف مما تراكم في جسمه من فضلات ، هذه الحاجة معتبرة في الاعتكاف ، الإنسان قد يخرج من معتكفة إلى البيت ليقضي حاجةً ، وقد يحتاج إلى أن يأكل أو أن يشرب وهو معتكف طبعاً في الاعتكاف المستحب أو الاعتكاف الواجب ، وكل ما لابد منه ولا يمكن فعله في المسجد فله أن يخرج إليه ، وليس في هذا إفساد لاعتكافه ما لم يطل أو ما لم يشتغل بعمل يتنافى مع الاعتكاف ، ذهب واشترى بيتاً ، أو عقد صفقة ، أو عمل نزهة ، وهو معتكف بطل اعتكافه .
 " وقد روى سعيد بن منصور قال علي بن أبي طالب : " إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة ، وليحضر الجماعة ، وليعد المريض ، وليأتي أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم ، وله أن يأكل ويشرب في المسجد وينام فيه مع المحافظة على نظافته وصيانته ، وله أن يعقد عقد نكاح في المسجد لأن هذا مما يرضي الله عز وجل "
 أي عمل صالح إذا كلفت به وأنت معتكف فهذا لا يتنافى مع اعتكافك ، لكن الذي يبطل الاعتكاف الخروج من المسجد بغير حاجة عمداً وإن قل ، فإنه يفوت وهو ركن من أركانه.

من نذر أن يعتكف ثم شرع فيه وأفسده وجب عليه قضاؤه :

 الآن من نذر أن يعتكف يوماً أو أياماً ثم شرع فيه وأفسده وجب عليه قضاؤه متى قدر عليه باتفاق الأئمة ، كل نفل شرعت فيه ثم أفسدته عليك أن تقضيه هذا حكم عام في العبادات ، ومن نذر أن يعتكف في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي أو في المسجد الأقصى إن شاء الله تعالى وجب عليه الوفاء بنذره في المسجد الذي عينه ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثًا فَأَعْجَبَنِي فَقُلْتُ لَهُ : أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَأَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟ قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأقْصَى ))

[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]

 هناك أناس يفهمون هذا الحديث فهماً خاطئاً ، أنه لا يجوز أن تسافر إلى أي مكان إلا إلى هذه الأمكنة ، لا ليس هذا هو المعنى ، أي لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، إذا شددت الرحال إلى مسجد ليس من هذه الثلاثة فلا شيء يستفاد منه لأن جميع المساجد على وجه الأرض في الثواب سواء عدا هذه المساجد ، رجل نذر أن يعتكف في مسجد في حلب ، لا تشد الرحال إليه لأن أي مسجد في دمشق أو في حلب سواء ، لكن إذا أردت أن تعتكف في مسجدٍ للثواب الجزيل فيه فليس هناك إلا هذه المساجد الثلاث ، أما إذا نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاث فلا يجب عليه الاعتكاف في المسجد الذي عينه ، وعليه أن يعتكف في أي مسجد شاء ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 ومن نذر أن يعتكف في مسجد النبي جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام لأنه أفضل منه ، هذا الأمر متعلق بالاعتكاف ، لكن أنهي الأمر بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجده هذا ))

[ الجامع الصغير عن ابن عباس]

* * *

علي بن الحسين :

 والآن إلى قصة تابعي جليل من سلسلة التابعين الذين نحن نتحدث عنهم الحديث اليوم عن التابعي الجليل علي بن الحسين بن علي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 ما كاد علي هذا يبلغ سن التميز حتى أقبل على طلب العلم بشغف وشوق ، وكانت مدرسته الأولى بيته أكرم به من بيت ، وكان معلمه الأول والده الحسين بن علي أعظم به من معلم ، أما المدرسة الثانية فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي المفروض بالإنسان أن يكون بيته أيضاً مدرسة ، إذا كان الأب من حين إلى آخر تحدث مع أولاده عن أمور الدين، وعن أمور القرآن ، وعن أحاديث النبي العدنان ، ووجههم توجيهاً صحيحاً في حياتهم وفي علاقاتهم وفي حلهم وفي ترحالهم ، فهذا مما يجعل من هذا الطفل الشاب يتزود بالعلم قبل أن يصل إلى أماكن التزود بالعلم.
 من واجب الأب تربية أولاده وتزويدهم بالعلم
وكان المسجد النبوي الشريف يموج بالبقية الباقية من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام ، ويذخر بالطبقة الأولى من كبار التابعين ، وكان هؤلاء وهؤلاء يفتحون قلوبهم لهذه الأكمام المزهرة من أبناء الصحابة الكرام فيقرؤونهم كتاب الله عز وجل ، ويفقهونهم فيه، ويروون لهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقفونهم على مراميه ، ويقصون عليهم سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ، وينشدونهم شعر العرب ، ويبصرونهم بمواطن جماله ، ويملؤون قلوبهم الغضة بحب الله عز وجل وخشيته وتقواه ، فإذا هم علماء عاملون هداة مهديون .
 لكن علي بن الحسين لم يتعلق قلبه بشيء كما تعلق قلبه بكتاب الله عز وجل ، فقد كان ربيع قلبه ، ولم تهتز مشاعره لأمر كما كانت تهتز لوعده ووعيده ، فإذا قرأ آيةً فيها ذكر الجنة طار فؤاده شوقاً إليها ، وإذا سمع آيةً فيها ذكر النار زفر زفرةً كأن لهيب جهنم في أحشائه ، وما إن اكتمل علي بن الحسين شباباً وعلماً حتى ظفر المجتمع المدني الأمثل بفتى من أعمق فتيان بني هاشم عبادةً وتقى ، وأعظمهم فضلاً وخلقاً ، وأكثرهم إحساناً وبراً ، وأوسعهم معرفةً وعلماً ، فقد بلغ من عبادته وتقواه أنه كانت تأخذه رعدةٌ بين وضوئه وصلاته ، يرتعد فينتفض جسده نفضاً ، فلما كلم في ذلك قال : ويحكم كأنكم لا تدرون لمن أقوم ولا تعلمون من أناجي !! فكانت هذه الرعدة التي تأخذه بين الوضوء والصلاة دليل خشوعه اللامتناهي ، وقد بلغ من إحسان الفتى الهاشمي لعبادته وإتقانه لشعائره أن دعاه الناس زين العابدين ، هذا اللقب الذي لقب ، علي بن الحسين زين العابدين ، حتى نسي قومه اسمه أو كادوا وآثروا لقبه هذا على اسمه ، وقد بلغ من إطالته لسجوده واستغراقه فيه أن ناداه أهل المدينة بالسّجّاد ، أي كثير السجود ، كان إذا سجد أطال السجود ، وقد بلغ من صفاء نفسه ونقاء قلبه أن نعتوه بالذكي ، وكان زين العابدين رضوان الله عليه يدرك أن مخ العبادة في الدعاء ، وكان يطيب له الدعاء أكثر ما يطيب وهو متعلق بأستار الكعبة ، فكم التزم البيت العتيق وجعل يقول : " ربي لقد أذقتني من رحمتك ما أذقتني وأوليتني من إنعامك ما أوليتني فصرت أدعوك آمناً من غير وجل ، وأسألك مستأنساً من غير خوف ، ربي إني أتوسل إليك توسل من اشتدت فاقته إلى رحمتك ، وضعفت قوته عن أداء حقوقه ، فاقبل مني دعاء الغريق الغريب الذي لا يجد لإنقاذه إلا أنت يا أكرم الأكرمين ".
 وقع تحت يدي كتيب صغير عن أدعية هذا التابعي الجليل زين العابدين ، فعلاً فيه شيء يأخذ بالألباب.

موقف لزين العابدين يأخذ بالألباب :

 لقد رآه طاوس بن كيسان ذات مرة يقف في ظلال البيت العتيق وهو يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء السقيم ، ويدعو دعاء المضطر ، فوقف ينتظره حتى إذا كف عن بكائه وفزع من دعائه تقدم نحوه وقال له : يا بن رسول الله رأيتك على حالتك ولك فضائل ثلاث أرجو أن تؤمن من الخوف ، أنت الذي تخاف ، فقال زين العابدين : وما هن يا طاوس؟ فقال " إحداهن أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت ابنه من نسل فاطمة ، والثانية: شفاعة جدك لك ، والثالثة رحمة الله ، فقال له زين العابدين : يا طاوس إن انتسابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمنني بعد أن سمعت قول الله عز وجل :

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 101 ]

 وأما شفاعة جدي لي فإنه الله علت كلمته يقول :

﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 28 ]

 وأما رحمة الله تعالى فهو يقول :

﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 56 ]

مواقف مشرفة لزين العابدين :

 ولقد أفاضت التقوى على زين العابدين ما شاء الله أن تفيض من شمائل ، ومن نبل ، ومن فضل ، ومن حلم ، حتى ازدانت كتب السير بروائع أخباره ، وزهت صفحاتها بنبيل مواقفه .
 من ذاك ما رواه الحسن بن الحسن ، قال : وقعت بيني و بين ابن عمي زين العابدين جفوة فذهبت إليه و كان مع أصحابه في المسجد ، فما تركت شيئاً إلا قلته له و هو ساكت لا يتكلم ، ثم انصرفت فلما كان الليل إذا طارق على الباب يقرعه فقمت إليه لأرى من هو فإذا زين العابدين ، فما شككت أنه جاء يرد إليّ الأذى و لكنه قال : يا أخي إن كنت صادقاً فيما قلت لي غفر الله لي ، و إن كنت غير صادق فغفر الله لك ، هكذا كان هؤلاء التابعون الأجلاء ، أخوك تكلم معك كلمة قاسية ، اتهمك بتهمة ، إن كنت صادقاً فيما تقول غفر الله لي و إن كنت غير ذلك غفر الله لك و انتهى الأمر ، ثم ألقى السلام عليّ و مضى فلحقت به ، و قلت له : لا عدت إلى أمر تكرهه ، فرق لي و قال : و أنت في حل مما قلت لي ، و روى أحد أبناء المدينة قال : كان زين العابدين خارجاً من المسجد فتبعته و جعلت ألوح له بالشتم و لست أدري سبباً لذلك ، فهجم عليّ الناس يريدون أخذي و لو أخذوني لم يفلتوني حتى أحطم ، فالتفت إلى الناس و قال : كفوا عن الرجل فكفوا عني ، و لما رأى ما أصابني من الذعر أقبل عليّ بوجهه الطلق و جعل يؤمنني و يهدئ من روعي ثم قال لي : لقد سببتنا بما علمت و ما ستر عنك من أمرنا أكبر ، ثم قال لي : ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحييت منه و لم أقل شيئاً ، فلما رأى حيائي ألقى علي كساءً كان عليه و أمر لي بألف درهم فجعلت أقول : كلما أقوله بعد ذلك أشهد أنك من أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 المؤمن الحق صادق كريم لا يحقد ولا يؤذي أحد
وروى أحد مواليه قال : كنت غلاماً لعلي بن الحسين فأرسلني في حاجة فأبطأت عليه فخفقني بالسوط ، أي على كتفي ، فقلت له : الله الله يا علي بن الحسين تستخدمني في حاجةٍ فأقضيها لك ثم تضربني ، فبكى وقال : اذهب إلى مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام وصلّ ركعتين ثم قل في السجود : اللهم اغفر لعلي بن الحسين فإذا ذهبت وفعلت فأنت حر لوجه الله ، استغفر لي في المسجد وأنت حر ، فذهبت وصليت ودعوت ولم أعد إلى داره إلا وأنا حر .
 كان هذا التابعي الجليل إذا جنّ الليل يحمل أكياس الدقيق على ظهره الناحل ويخرج بها في عتمات الليل والناس نيام ، وكان يجوب بها أحياء المدينة ليتصدق على ذوي الحاجات ممن لا يسألون الناس إلحافاً فكانت جماعات كثيرة من أهل المدينة تعيش وهي لا تدري من أين يأتيها رزقها رغداً ، فلما مات علي بن الحسين فقد هؤلاء ما كانوا يأتيهم فعرفوا مصدره ، ولما وضع زين العابدين على المغتسل نظر غاسلوه فوجدوا على ظهره آثار سواد فقالوا : ما هذا ؟ فقيل لهم : إنه من آثار حمل الدقيق ، مئة بيت في المدينة فقدت عائلها بفقده .

زين العابدين بن علي كالبدر المنير :

 وكان يومئذٍ ولياً للعهد فأقبل يريد الطواف ويبتغي استلام الحجر الأسود ، هذه كلمة الاستلام خاصة بالحجر الأسود لا تقول : استلمت من كذا مبلغ كذا قل : تسلمت منه ، أما الاستلام فهذه كلمة خاصة بالحجر الأسود ، استلم الحجر أي قبّله أو أشار إليه ، أما قبض المال فاسمه تسلم ، تسلمت من فلان كذا وكذا ولا تقل استلمت ، فأقبل هشام بن عبد الملك يريد الطواف ويبتغي استلام الحجر الأسود ، وأخذ الجند الحافون به ينبهون الناس إليه ويوسعون الطريق له ، ولكن أحداً من الناس لم يلتفت إليه ولم يوسع لهم ، فالبيت بيت الله والناس جميعاً عبيداً له ، وفيما هم كذلك سمعت أصوات التهليل والتكبير آتيةً من بعيد فاشرأبت نحوها الأعناق ، فإذا رجل في كوكبةٍ من الناس قسيم وسيم ، ضامر الجسم ، وضيء الوجه ، عليه سكينة ووقار ، قد مشى في إزار ورداء وبدا بين عينيه أثر السجود فجعلت كتل الناس تنفرج له ، وتغدو صفوفاً صفوفاً وهي تستقبله بنظرات الشوق والحب حتى بلغ الحجر الأسود واستلمه ، وهنا التفت أحد رجال الحاشية إلى هشام بن عبد الملك وقال له : من هذا الذي أكرمه الناس كل هذا الإكرام وأجلوه كل هذا الإجلال ؟ فقال هشام : لا أعرفه ، وكان الفرزدق حاضراً فقال : إن كان هشام لا يعرفه أانا أعرفه والدنيا كلها تعرفه ، هذا علي بن الحسين رضي الله عنه وعن أبيه وعن جده ، ثم أنشد :

هذا الذي تعرف البطحاء وضأته  و البيت يعرفه والحـل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهــم  هذا التقي النقي الطاهر الــعلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهلـه  بجده أنبياء الله قد ختمـــوا
فليس قولك من هذا بضائــره  العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عمّ نفعهمـــا  يستوكفان ولا يعروهما عــدم
سهل الخليقة لا تخشى بـوادره  يزينه اثنان حسن الخلق والشيم
ما قال لا قط إلا في تـــشهده  لولا التشهد كانت لاؤه نعـــم
عمّ البرية بالإحسان فانقـــع  عنها الغياهب والإملاق والعـدم
إذا رأته قريش قال قائــــلها  إلى مكارم هذا ينتهي الــكـرم
يغضي حياءً ويغضى من مهابته  فلا يكلم إلا حين يبتــــــم
بكفه خيزران ريحه عبــــق  من كف أروع في عرنينه شمم
مشتقة من رسول الله نبعتــه  طابت مغارسه والخيم والشيـم
***

 هذا هو التابعي الجليل زين العابدين الذي لما قدم إلى بيت الله الحرام انفرجت له الصفوف ، واصطفت له الأبدان ، وأفسح له المكان ، وكان بين من معه كالبدر المنير.
 أي باب البطولة مفتوح إلى يوم القيامة ، قال تعالى :

﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[ سورة المطففين ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018